توما حميد
كاتب وناشط سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
السمات المشتركة بين النظام الإقطاعي والنظام الحالي – "الإقطاعية التكنولوجية".
لفهم طروحات فاروفاكيس حول "التشابه" بين النظام الراهن والنظام الإقطاعي، لا بد من استعراض موجز للهرم الإقطاعي بوصفه نظامًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا يقوم على ملكية الأراضي وسلسلة من الالتزامات الممتدة من القاعدة إلى القمة.
هرم النظام الإقطاعي التقليدي
في قمة الهرم الإقطاعي يتربع الملك أو الملكة، اللذان يملكان جميع الأراضي اسميًّا. وكان الملك يمنح أجزاءً كبيرة من هذه الأراضي، التي تُعرف بالإقطاعيات، لأقوى رعاياه مقابل ولائهم ودفع الضرائب وتقديم المشورة. ويأتي بعد ذلك النبلاء من لوردات ودوقات، الذين حصلوا على أراضٍ شاسعة من الملك، وكانوا يحكمون مناطقهم ويقدمون له الجنود والمال مقابل ألقابهم ومكانتهم الاجتماعية. ثم يأتي دور الفرسان والنبلاء الأدنى والأتباع، حيث قام النبلاء بتقسيم أراضيهم بين هؤلاء مقابل ولائهم وخدماتهم وحمايتهم.
في قاع هذا النظام الهرمي الشديد كان الأقنان، وهم الغالبية العظمى من السكان. كان الأقنان يزرعون الأرض ويربون الحيوانات وينتجون الطعام والسلع الأخرى، وكانوا مرتبطين بقطعة أرض بشكل وراثي، فلا يستطيعون المغادرة أو الزواج أو بيع البضائع دون إذن سيدهم. وكانوا مدينين لسيادهم بمجموعة متنوعة من الواجبات مقابل قطعة صغيرة من الأرض يزرعونها لقوتهم والحصول على الحماية العسكرية. لم يملك الأقنان شيئًا: لا الأرض، ولا البيوت، ولا وسائل العمل، ولا الحيوانات. كل هذه كانت تقدم لهم من قبل سيدهم مقابل ريع على شكل عمل مباشر أو منتوجات زراعية. وكان الإقطاعيون يتحكمون بدقة بأبسط مقومات حياتهم من ماء وحطب ومسكن.
إلى جانب الأقنان، كانت هناك طبقة أصغر منهم تنقسم إلى عدة أصناف: رجال الدين، والعسكر، والفلاحون الذين يملكون قطعًا من الأرض ويحققون الاكتفاء الذاتي، والحرفيون، والتجار، والإداريون، والمهندسون، والعمال الأحرار الذين لا يملكون أرضًا ولا يرتبطون بها ويعملون بالمقابل. كان ريع رجال الدين على شكل "خدمة" دينية واجتماعية وإضفاء الشرعية على النظام، أما ريع الفرسان فكان خدمة عسكرية، إذ كانوا يحصلون على قطع أصغر من الأرض أو دخل من السيد الإقطاعي مقابل تقديم الخدمة العسكرية والحماية والولاء، أي حماية النظام وممتلكات السيد ومكانته.
"الإقطاعية التكنولوجية": المفهوم والخصائص
كان الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية، في جوهره، انتقالًا للسلطة من مالكي الأراضي إلى مالكي وسائل الإنتاج. لكن فاروفاكيس يرى أننا دخلنا الآن عصرًا اقتصاديًّا جديدًا، إذ انتهى عصر الرأسمالية وانتقلنا إلى ما يسمى بعصر "الإقطاعية التكنولوجية". فقد انتقلت السلطة من مالكي وسائل الإنتاج إلى الرأسماليين "السحابيين"، أي مالكي الرأسمال السحابي. ونشهد اليوم استبدال العلاقات الرأسمالية بشكل جديد من التسلسل الهرمي والتبعية الرقمية التي تشبه، حسب فاروفاكيس، الهرمية في النظام الإقطاعي.
نتج هذا النظام الجديد عن صعود شركات التكنولوجيا الكبرى الاحتكارية مثل غوغل وأمازون وميتا ومايكروسوفت وألفابت. ففي هذا النظام، وبدلاً من الأراضي الإقطاعية، لدينا شركات التكنولوجيا الضخمة والبنية التحتية الرقمية المتمثلة في منصات رقمية مثل أمازون ويوتيوب وإيبي وأر بي إند بي وفيسبوك وأوبر، التي باتت بمثابة إقطاعيات. وأصحابها مثل جيف بيزوس هم الأسياد الجدد الذين يجمعون الريع. وبدلاً من الإقطاعيين التابعين، لدينا "الرأسماليون التابعون"، أي الرأسماليون التقليديون المنتجون للبضائع والخدمات. وبدلاً من الأقنان، لدينا "عبيد السحابة"، وهم الزبائن ومستخدمو المنصات الرقمية الذين يدفعون الريع من خلال المساهمة بالمحتوى والبيانات، غالبًا دون مقابل. وهناك أيضًا عمال السحابة، أو بروليتاريا السحابة، مثل عمال مستودعات أمازون الذين تراقبهم الخوارزميات.
يرى فاروفاكيس أن عمالقة التكنولوجيا اليوم هم أسياد يتربعون على أقاليم رقمية، يستخلصون القيمة من المستخدمين والعمال الذين لا يجدون بديلاً سوى الخضوع لقواعد المنصة، إذ يصعب للغاية، بل قد يكون من المستحيل، تجنب استخدامها في العالم الحديث.
أوجه التشابه بين الأقنان و"عبيد السحابة"
يشبه "عبيد السحابة" الأقنان في أنهم يقدمون عملًا تطوعيًّا مجانًا. فالنشاطات التي نقوم بها على منصات الرأسمال السحابي مثل فيسبوك أو يوتيوب تبدو نشاطات طوعية، بلا احتكاك، بل وممتعة في كثير من الأحيان. لكنها تولد بيانات تُباع للرأسماليين من أجل توجيه الدعاية الاستهلاكية، مما يحقق ربحًا للمنصة في حين لا يحصل المستخدمون على أي تعويض اقتصادي مباشر. كل هذه البيانات تساهم في زيادة قيمة المنصة وزيادة قيمة الرأسمال السحابي. من ناحية أخرى، تساهم هذه البيانات في تدريب الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي المتزايدة القوة للتأثير على المستخدمين وجعلهم أكثر ارتباطًا وخضوعًا للمنصات الرقمية. إذ تُستخدم هذه المعلومات للتأثير على سلوكياتنا لكي نصرف وقتًا أطول على هذه المنصات. أي أننا نساعد في بناء الإقطاعيات التي نرتبط بها.
إجبار الرأسماليين على دفع "الريع السحابي"
يجبر الرأسمال السحابي الرأسماليين على استخدام هذه المنصات من أجل بيع بضائعهم. فمثل الإقطاعي التابع الذي يدفع إيجارًا او ريعا للإقطاعي السيد، يدفع الرأسمالي الصناعي "التابع" إيجارًا او ريعا للرأسمال السحابي من أجل الحصول على حق العمل في إقطاعياتهم السحابية. فـ"أمازون" تستقطع نحو 40% مما يدفعه المشتري مقابل البضائع التي تُباع على هذه المنصة. وعندما تُنتج متجر آبل تطبيقًا، يحق لشركة آبل اقتطاع 30% من أرباح الرأسمالي، وهذا يشبه إيجار الأرض. وفيسبوك يكون مكانًا للذين يريدون التواصل فيما بينهم، للعثور على الأصدقاء أو نشر آرائهم، ثم يتم استقطاب الناشرين وأصحاب الدعاية الاستهلاكية إلى نفس الدائرة لبيعهم انتباه المستخدمين. وبعد ذلك تشعر بالرضا لارتفاع مبيعاتك عبر فيسبوك، ثم فجأة تجد أن مكانتك قد تراجعت، وعندها عليك دفع ريع سحابي أعلى لإعادة الترقية ليتمكن العملاء من العثور على منتجك. وهذا يؤكد، حسب فاروفاكيس، بأن الرأسمالي الصناعي تابع للرأسمالي السحابي.
وكما شهد النظام الإقطاعي درجة كبيرة من التفاوت بين "النبلاء" و"الأقنان"، هناك درجة كبيرة من التفاوت بين النخبة التكنولوجية وعامة الناس. وكما لم يكن للأقنان القدرة على ترك الأرض، لا يمكن للمستخدمين والرأسماليين التقليديين التخلي عن المنصات من أجل التفاعل الاجتماعي والوصول إلى الخدمات وبيع منتوجاتهم. يتوجب على المستخدمين والمشاريع الرأسمالية استخدام هذه المنصات من أجل البقاء، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.
إعادة إنتاج الرأسمال السحابي بدون عمل مأجور
نظام "الإقطاعية التكنولوجية" لم يعد يعتمد بالدرجة الأولى على استغلال العمل، بل على استخلاص الريع من خلال التحكم في البنى التحتية الرقمية. يمكن للرأسمال السحابي أن يعيد إنتاج نفسه بشكل ما بدون الحاجة إلى العمل المأجور، عن طريق إجبار البشرية ككل على المشاركة في إعادة إنتاجه بدون مقابل من خلال توليد البيانات. فالنشاطات مثل الانتباه، والنقرات، والتفاعلات، والتقييمات، والمراجعات، والمشاركات، وكتابة التعليقات أو التغريدات، وتحميل المنشورات، وإنتاج المحتوى، وحتى أنماط التصفح وآثار وبصمات الموقع الجغرافي، كلها تصبح بيانات تغذي آلية رأس المال السحابي، وتبني وتعزز الذكاء الاصطناعي الذي بدوره يشدد سيطرته علينا.
لذا فالقوة لم تعد اليوم في أيدي أصحاب المكائن، بل في أيدي أصحاب الرأسمال السحابي، أي "الأراضي الرقمية". بفضل العمل غير المأجور للأقنان السحابيين والريع السحابي الذي يدفعه الرأسماليون التابعون، يُستنزف فائض القيمة على هيئة ريع سحابي لصالح السحابيين.
قطيعة مع الرأسمالية وليست مرحلة جديدة
لا يرى فاروفاكيس أن الأمر مجرد طور أو مرحلة جديدة من الرأسمالية، بل يمثل قطيعة حقيقية. فالرأسمالية الكلاسيكية تعتمد على ركنين أساسيين: الأسواق التنافسية، والربح المستخلص من العمل المأجور. بينما تنتهك شركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل وآبل وميتا وأمازون ومايكروسوفت هذه الأركان، لأنها قد تجاوزت السوق، وهذه الشركات لا تُنتج قيمة أو قيمة فائضة بالمعنى الرأسمالي التقليدي القائم على استغلال عمال المعامل، بل تقدم واجهة استخلاص جديدة: المنصة الاحتكارية التي تنزع الريع عن طريق التحكم بالوصول، والبحث، والتطبيقات، وأسواق الإعلانات، والهوية الرقمية، والتي لم تعد مجالات تنافسية بل "إقطاعيات".
هذا ليس خللًا في عمل النظام الرأسمالي، وليس النظام الحالي "رأسمالية متأخرة" ولا "رأسمالية المنصات" ولا "رأسمالية رقمية" ولا "رأسمالية ريعية" ولا "رأسمالية احتكارية"، لأن هذه التصنيفات كلها توحي بالاستمرارية. في حين أن النظام الذي نعيش تحته هو نظام "الإقطاعية التكنولوجية"، أي أننا تجاوزنا الرأسمالية. لم تعد الرأسمالية تحكم واقعنا الاقتصادي.
لماذا "الإقطاعية التكنولوجية" أسوأ من الرأسمالية؟
نظام الإقطاعية التكنولوجية في نظر فاروفاكيس هو أسوأ من النظام الرأسمالي، وذلك للأسباب التالية:
لأن الرأسمال السحابي مصمم على إعادة إنتاج نفسه من خلال عملنا المجاني، ويسحب نحو 35-40% من الناتج الإجمالي المحلي من الدورة والنشاط الاقتصادي على شكل ريع، مما يخفض الاستثمار ويؤدي إلى فرص عمل أقل جودة في باقي قطاعات الاقتصاد، ويؤدي إلى أن معظم الناس لا يستطيعون تدبير أمورهم المعيشية، ويزيد من التفاوت الاجتماعي، مما يولد سخطًا بين الناس.
وصُممت الخوارزميات بشكل يساهم في تسميم الحوارات بين البشر وجعلهم غاضبين، لأن المنصات تريدهم أن يتشاجروا، إذ يدفعهم ذلك إلى صرف وقت أطول عليها، ويمنع الحوار العقلاني والتوافق.
إن السخط والغضب ضاران جدًّا بالديمقراطية. فالناس الساخطون يحتاجون إلى معرفة أسباب سخطهم وإلى إجابات منطقية تجعلهم يفهمون ما يجري حولهم، وهذا هو أساس الديمقراطية. لكن هذا لا يحدث على المنصات الرقمية. وإذا لم يفهم الناس أسباب سخطهم، فسيسهل عليهم الوقوع فريسة لكراهية الأجانب وكراهية النساء والعنصرية، فالكراهية هي وقود الفاشية, وهكذا تساهم " الاقطاعية التكنلوجية" في صعود الفاشية.
#توما_حميد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟