|
|
قراءة حول طروحات يانيس فاروفاكيس عن -الإقطاعية التكنولوجية- - هل فعلاً الرأسمالية تحتضر؟
توما حميد
كاتب وناشط سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 16:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الجزء الاول بين فترة وأخرى، تخرج علينا "نظرية جديدة" حول الوضع المتردي الذي تعاني منه غالبية البشرية، وعن النظام الرأسمالي، والمجتمع، والصراع الطبقي، وسبل النضال للخلاص من هذا الوضع. ويعتبرها الكثيرون، ولو مؤقتاً، إضافات جادة للماركسية. ومن أهمها: "نظرية" غاي ستاندينغ حول الرأسمالية الريعية والبروليتاريا الهشة، و"نظرية" الإقطاعية التكنولوجية التي يروّج لها مفكرون يساريون، مثل: يانيس فاروفاكيس (الاقتصادي والأكاديمي اليساري ووزير المالية اليوناني الأسبق)، وماريانا مازوكاتو، ومكينزي وارك، وجودي دينز، وديفيد أرديتي، وروبرت كوتنر. بالإضافة إلى نظريات حول "رأسمالية المراقبة الرقمية"، أو "الرأسمالية الريعية"، و النظريات التي ترى في النيوليبرالية رأسمالية غير حقيقية، إلى آخره. إن المشترك بين هذه النظريات – سواء تلك التي تعتبر النيوليبرالية نهاية الرأسمالية الحقيقية، أو "الرأسمالية الريعية"، أو "الإقطاعية التكنولوجية"، أو "الإقطاعية الجديدة في العصر الرقمي" – هو أنها كلها تنظر إلى ظواهر معينة، وسمات وتجسيدات جديدة للرأسمالية، وكأنها تمثل نهاية الرأسمالية "الحقيقية". كما أنها تعكس حنيناً للعودة إلى الرأسمالية "الجيدة"، أي رأسمالية "العصر الذهبي"؛ تلك الفترة الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلى بداية السبعينيات، حيث شهد الاقتصاد في الدول الغربية معدل نمو كبير، وكان قطاع التصنيع نشطاً، وتحسّن مستوى الطبقة العاملة المعيشي، وانخفض التفاوت الاجتماعي مقارنة بالوضع الحالي، وكان الاحتكار أقلّ إلى حد ما، إذ كانت هناك درجة من المنافسة بين الرأسماليين، وخاصة في قطاع التصنيع. ولهذا، تحمل كل هذه النظريات نظرة غير تاريخية لتطوّر المجتمع البشري وآليات هذا التطوّر، إذ تنشد العودة إلى الماضي متناسية القوانين التي تحكم تطوّر المجتمع البشري. ومن جهة أخرى، قد تبدو هذه الطروحات راديكالية، وتقدّم نقداً حاداً للرأسمالية، وتدفع بالنضال الطبقي؛ لكنها في الحقيقة لا تفعل سوى نشر التوهم والإبهام واليأس، وتخفي علاقات الإنتاج الأساسية التي تحكم مجتمعنا المعاصر، والاستغلال الطبقي. هنا سأتطرق إلى طروحات يانيس فاروفاكيس حول "الإقطاعية التكنولوجية التي قتلت الرأسمالية"، لأنها لاقت اهتماماً منقطع النظير. وقبل أن أطرح نقدي لطروحات فاروفاكيس، سأعرض هذه الطروحات من خلال ترجمة الفيديو الذي نشره فاروفاكيس نفسه؛ لأنه مختصر ومعبّر عن الأفكار الواردة في الكتاب، وكذلك عن الكثير من الفيديوهات والمقابلات المنشورة حول هذه الطروحات. وبشكل مختصر، يدّعي هذا الطرح أن دخل شركات التكنولوجيا العملاقة يأتي من الريع بدلاً من الربح، كما كانت الحال في النظام الإقطاعي؛ لذا، فإن الرأسمالية قد ماتت.
يقول فاروفاكيس: "أينما اتجهنا، نشهد انتصار رأس المال. لقد ساد رأس المال في كل مكان: في المستودعات، والمصانع، والمكاتب، والجامعات، والمستشفيات العامة، ووسائل الإعلام، وفي الفضاء، بل وحتى في عالم الهندسة الوراثية المصغّر. إذن، كيف لي أن أزعم أن الرأسمالية قد قُضي عليها؟ وعلى يد من؟ والجواب الساخر هو أن الرأسمالية قتلها... رأس المال نفسه! إذا كنت محقاً، فإن المشكلة ليست فيما سيفعله الذكاء الاصطناعي بنا في المستقبل، بل فيما حدث بالفعل. أصبح رأس المال مهيمناً لدرجة أنه تحوّل إلى نوع سامّ، فقتل مضيفه (الرأسمالية)، مثل فيروس غبي، واستبدله بشيء أسوأ بكثير. هذا النوع المتحوّل الجديد، الذي قضى على الرأسمالية، يعيش في السحابة – لذا، فلنسمّه رأس المال السحابي. ما هو رأس المال السحابي؟ وما الذي يجعله مختلفاً جداً؟ رأس المال السحابي، بالطبع، لا يعيش في الغيوم، بل على الأرض، مكوّناً أجهزة متصلة بشبكات، ومزارع خوادم، وأبراج اتصالات، وبرمجيات، وخوارزميات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبالطبع، هو موجود في قيعان محيطاتنا، حيث تمتد أميال لا تُحصى من كابلات الألياف الضوئية. على عكس رأس المال التقليدي – بدءاً من صنارات الصيد، وصولاً إلى محرك البخار في الثورة الصناعية، فالروبوتات الصناعية الحديثة التي تُنتَج كوسائل إنتاج – فإن رأس المال السحابي لا يُنتج شيئاً. فهو يتألف من آلات مُصنّعة بهدف تغيير سلوك البشر. هذا ما تمثله أليكسا من أمازون، أو مساعد جوجل ، أو سيري من آبل: إنها وسائل مُنتجة لتعديل السلوك. إنها آلة، قطعة من رأس المال، ندربها لكي تدربنا، ثم ندربها لكي تحدد ما نريده. وبمجرد أن نرغب فيه، تبيعه لنا الآلة نفسها المتصلة بالشبكة بشكل مباشر، متجاوزةً بذلك الأسواق. وكأن ذلك لم يكفِ، فقد نجحت نفس الآلة في جعلنا نُديم شبكة آلات تعديل السلوك الهائلة التي تنتمي إليها، من خلال عملنا الطوعي المجاني. نحن نُديمها؛ فبينما ننشر المراجعات، ونُقيّم المنتجات، وننشر مقاطع الفيديو، والتعليقات، والصور، فإننا نساعد في إعادة إنتاج رأس المال السحابي دون الحصول على أي مقابل مادي مقابل عملنا. باختصار، لقد حوّلنا أنفسنا إلى أقنان تابعين له! في الوقت نفسه، في المعامل والمستودعات حيث تعمل البروليتاريا المأجورة في ظروف محفوفة بالمخاطر، تُستخدم نفس الخوارزميات التي تعدل سلوكنا وتبيع المنتجات مباشرة لنا – عادةً من خلال أجهزة رقمية مربوطة بمعاصم العمال – لجعل البروليتاريا في المستودعات والمعامل تعمل بسرعة أكبر، ولتوجيههم ومراقبتهم في الوقت الفعلي. بدأت بالقول إننا أينما اتجهنا نجد أنفسنا أمام انتصار رأس المال، ولكن رأس المال السحابي هو المنتصر الحقيقي. من المذهل كيف يؤدي خمسة أدوار في آن واحد، كانت في السابق تتجاوز قدرة رأس المال: رأس المال السحابي يستحوذ على انتباهنا، ويصنع رغباتنا، ويبيع لنا مباشرةً (خارج أي أسواق تقليدية) ما يُشبع رغباتنا التي يُثيرها فينا، ويتحكم بالعمل البروليتاري داخل أماكن العمل، ويستدرج منا عملاً مجانياً هائلاً، ونحن الأقنان التابعين له. أليس من المثير للدهشة أن مالكي رأس المال السحابي هذا – لنسمهم الرأسماليون السحابيون – يمتلكون حتى الآن سلطة غير مسبوقة للاستخلاص؟ لاستخلاص فائض قيمة هائل من الطبقة العاملة، وكميات لا تُحصى من العمل المجاني من الجميع تقريباً، وإيجارات سحابية مذهلة من الرأسماليين التابعين (من البائعين)؟ أليس من المستغرب أنهم أقوى بكثير مما كان يمكن أن يكون عليه هنري فورد أو روبرت مردوخ؟ أسمعك تقول: انتظر لحظة، هل يختلف جيف بيزوس عن هنري فورد؟ أليسوا كلهم أصناف الرأسماليين الاحتكاريين، محتكرين؟ لا، أمازون دوت كوم ليست شركة رأسمالية احتكارية. في اللحظة التي تدخل فيها أمازون دوت كوم، تخرج من الرأسمالية تماماً. بالتأكيد، المكان يعج بالمشترين والبائعين، لذا، نعم، إنها منصة تداول ضخمة، لكنها ليست سوقاً. رجل واحد، جيف بيزوس، يملك كل شيء، لكنه أكثر بكثير من رأسمالي احتكاري. جيف بيزوس لا يملك المعامل التي تنتج البضائع التي تباع على منصته من قبل الرأسماليين التقليديين، الذين يتوجب عليهم استخدامها من أجل تجارة بضائعهم. ما يملكه جيف بيزوس هو الأهم: إنه يملك الخوارزميات التي تحدد أي بضاعة تراها أنت وأي بضاعة لا تراها. نفس الخوارزميات التي درّبتَها أنت حتى تعرفك بشكل جيد، بحيث تقوم بربطك ببائع تعرفه هو الآخر بشكل جيد، آخذة في الاعتبار زيادة احتمالية أن كل ربط أو تبادل تجاري يولد أعلى ريع؛ إيجار يمكن لجيف بيزوس أن يفرضه على البائع كرسوم على ما تشتريه منه. إلى حد أربعين بالمئة مما تدفعه يذهب إلى جيب جيف بيزوس، الرأسمالي السحابي. يتمرد العقل على ضخامة هذا النوع من الاستغلال، وكذلك على حداثته الجذرية. نفس الخوارزمية التي نساعد في تدريبها في الوقت الفعلي لتفهمنا تماماً – هذه الخوارزمية نفسها تُعدّل تفضيلاتنا وتُدير عملية اختيار وتوصيل السلع التي تُلبي هذه التفضيلات. إذا قمنا أنا وأنت بكتابة دراجات كهربائية أو مناظير على موقع أمازون، فسنحصل على توصيات مختلفة تماماً. في سوق تقليدي أو مركز تسوق، سيكون الأمر كما لو أننا نسير بجانب بعضنا البعض، وعيوننا متجهة في نفس الاتجاه، نحو نفس واجهة المتجر، لكننا سنرى أشياء مختلفة تبعاً لما تريده خوارزمية جيف بيزوس أن يرى كل واحد منا. كل من يتصفح موقع أمازون (باستثناء جيف بيزوس بالطبع)، يتجول في عزلة مُصممة خوارزمياً، كما لو كانوا في سجن بانوبتيكون، حيث لا يستطيع أحد رؤية الآخر. لا نرى سوى خوارزمية جيف التي ترى كل شيء، أو بتعبير أدق، ما تسمح لنا خوارزميته برؤيته بهدف زيادة ريعه. وهو بالطبع النسخة الحالية من إيجار الأرض الذي كان الإقطاعيون يستخلصونه من أتباعهم والفلاحين... هذه ليست رأسمالية! سيداتي وسادتي، أهلاً بكم في الإقطاعية التكنولوجية! كيف قضى رأس المال السحابي على الرأسمالية؟ وكيف ظهر؟ ومن دفع ثمنه؟ لا ننسى أن الرأسمالية كانت تقوم على ركيزتين: الأسواق والأرباح. بالطبع، تبقى الأسواق والأرباح موجودة في كل مكان. ومع ذلك، فقد أزاح رأس المال السحابي كلاً من الأسواق والأرباح من مركز نظامنا الاجتماعي والاقتصادي، ودفعها إلى هوامشه واستبدلها. استُبدلت الأسواق – وهي وسيلة الرأسمالية – بمنصات التداول الرقمي السحابية مثل أمازون وعلي بابا، والتي، كما رأينا، تبدو كالأسواق ولكنها ليست كذلك. والأرباح؟ وقود الرأسمالية؟ حسناً، لقد استُبدل ذلك بنظيره السابق: الريع، ولكن تحديداً، شكل جديد من الريع، الريع السحابي، الذي يجب دفعه للوصول إلى تلك المنصات السحابية أو الرقمية. كيف ظهر رأس المال السحابي؟ بدأ الأمر في أواخر التسعينيات عندما تم خصخصة الإنترنت الأصلي، الذي كان ملكية مشاعية ويعمل كمنطقة خالية من الرأسمالية؛ ذلك الإنترنت الأصلي، أو الإنترنت 1.0 إن شئت، من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى الناشئة. من دفع تكاليف تصنيع وتجميع رأس المال السحابي بهذه السرعة في أيدي عدد قليل جداً من أصحاب رؤوس الأموال السحابية؟ الجواب المثير للدهشة هو: البنوك المركزية في دول مجموعة السبع، في الغالب. كيف حدث ذلك؟ حسناً، عن طريق الصدفة، أو بتعبير أدق، عن طريق الأزمة. بعد انهيار القطاع المالي عام 2008، قام محافظو البنوك المركزية لدينا بطباعة ما يصل إلى 35 تريليون دولار لإنقاذ المصرفيين، في وقت كانت فيه الحكومات تُخضع شعوبنا لسياسات تقشفية قاسية. كان الرأسماليون أذكياء بما يكفي ليتوقعوا أن الكثيرين سيكونون فقراء للغاية بحيث لا يستطيعون شراء منتجاتهم. لذا، بدلاً من الاستثمار، استخدموا أموال البنك المركزي لشراء الأسهم والسندات في البورصة، وسوق السندات، بالإضافة إلى اليخوت والأعمال الفنية والبيتكوين والرموز غير القابلة للاستبدال، وأي أصول أخرى استطاعوا الحصول عليها. كان الرأسماليون الوحيدون الذين استثمروا فعلياً في رأس المال هم مالكو شركات التكنولوجيا الكبرى. فعلى سبيل المثال، تسعة من كل عشرة دولارات استُخدمت في إنشاء فيسبوك جاءت من أموال البنك المركزي. هكذا تم تمويل رأس المال السحابي، وهكذا أصبح الرأسماليون السحابيون طبقتنا الحاكمة الجديدة! ونتيجةً لذلك، لم تعد السلطة الحقيقية في أيدي مالكي الآلات والمباني والسكك الحديدية وشبكات الهاتف والروبوتات الصناعية. يستمر هؤلاء الرأسماليون التقليديون في استخلاص فائض القيمة من العمل المأجور، لكنهم لم يعودوا هم المتحكمين كما كانوا في السابق. لقد أصبحوا تابعين لأصحاب رأس المال السحابي، لأصحاب النفوذ السحابي. أما نحن الباقين، فقد عدنا إلى وضعنا السابق، كأقنان، نساهم في ثروة وسلطة الطبقة الحاكمة الجديدة بعملنا غير المدفوع الأجر، بالإضافة إلى العمل المأجور الذي نقوم به، عندما تتاح لنا الفرصة للقيام بذلك. لكن بالتأكيد سيقول أحدهم: هذا لا يزال نظاماً رأسمالياً، أليس كذلك؟ إذن ما زلت غير مقتنع؟ أعلم، من الصعب التخلي عن المصطلح، عن كلمة الرأسمالية . ليس الليبراليون وحدهم من ينظرون إلى الرأسمالية كما ينظر السمك إلى الماء الذي يسبح فيه – على أنها طبيعية. يحتاج الاشتراكيون أيضاً إلى الشعور بأن غايتنا في الحياة، والسبب الذي من أجله وُجدنا على هذه الأرض، هو إسقاط الرأسمالية. الخبر الذي آتي به هو أن رأس المال قد سبقنا في هذا، والآن لدينا ما هو أسوأ منه في مكانه؛ هذا الخبر من الصعب قبوله. في الواقع، إنهم في الغالب أصدقائي اليساريين الذين يحاولون ثنيي وإقناعي بأن رأس المال السحابي قد يكون مهماً، لكن هذه لا تزال رأسمالية يا صديقي . يقترحون أن نسميها رأسمالية الريع أو الرأسمالية الاحتكارية . لكن هذا لن يجدي نفعاً! الإيجار السحابي ليس كإيجار الأرض، لأنه يتطلب استثماراً ضخماً في التقنيات الجديدة. وهو ليس إيجاراً احتكارياً أيضاً، لأن بيزوس وزوكربيرج، بدلاً من احتكار الأسواق لبيع منتجاتهما (كما فعل فورد وإديسون)، استبدلا الأسواق ولا يهتمان بتصنيع أي شيء (على عكس هنري فورد وتوماس إديسون). ماذا عن رأسمالية المراقبة ؟ مرة أخرى، لا، لن ينجح الأمر. فالسحابيون لا يستخدمون الخوارزميات ببساطة لغسل أدمغتنا نيابةً عن أصحاب الإعلانات الاستهلاكية في ظل نظام رأسمالي. لا، يقوم رأس المال السحابي بإعادة إنتاج نفسه من خلال عملنا المجاني، ويستغل العمل المأجور بشكل مباشر، وينتزع الريع السحابي من الرأسماليين التابعين في منصات التداول التي ليست أسواقاً. هذه ليست رأسمالية يا جماعة! أيُّ نوع من أنواع الرأسمالية! لكن ماذا عن الملاحظة القائلة بأن الإقطاعية التكنولوجية تتطفل على القطاع الرأسمالي داخلها؟ نعم، هذا صحيح. فلو انقرض الرأسماليون التقليديون، لانقرض الرأسماليون السحابيون، أو لعجزوا عن جني أرباح الريع السحابي من المصنّعين. وماذا في ذلك؟ بعد أن أطاحت الرأسمالية بالإقطاع، كان الرأسماليون أيضاً متطفلين على ملاك الأراضي، بمعنى أنه بدون الأراضي الخاصة المنتجة للغذاء، ستذبل الرأسمالية. وبالمثل الآن: فبينما يغذي القطاع الرأسمالي التقليدي الإقطاعية التكنولوجية، فإن رأس المال السحابي وريعه هما المهيمنان. هل يهمّ إن سميناها إقطاعية تكنولوجية أو شكلاً من أشكال الرأسمالية؟ في هذه المرحلة، من المهم التذكير بمقولة ماركس: ليس الهدف هو التفسير، بل تغيير العالم . إذن، هل يهم ما إذا كانت هذه لا تزال رأسمالية أم أننا نسميها إقطاعية تكنولوجية؟ أعتقد أنه يهم. إن إدراك أن عالمنا أصبح إقطاعية تكنولوجية يساعدنا على فهم حجم الجهد المطلوب لتنظيم ضحايا السلطة المفرطة، والمستغلين الذين لا يشملون الآن العمال المأجورين فحسب، بل يشملون أيضاً جحافل من الأقنان السحابيين الذين يعيدون إنتاج رأس المال السحابي نفسه الذي يبقيهم في حالة من الهشاشة المتزايدة. يؤكد مفهوم الإقطاعية التكنولوجية على أن تنظيم عمال السيارات والممرضات، مع أهميته البالغة، غير كافٍ. ويوضح ما يتطلبه الأمر لتنظيم الحركات المناهضة لقطاع الوقود الأحفوري في ظل اعتماد وسائل الاتصال لدينا على رأس المال السحابي، المُهيأ لتسميم الرأي العام. يشرح هذا كيف تسبب التحول إلى السيارات الكهربائية في تراجع الصناعة الألمانية، حيث تم استبدال الأرباح الناتجة عن الهندسة الميكانيكية الدقيقة بالإيجارات التي يستخرجها مالكو رأس المال السحابي الذين يراقبون مسارات السائق وعاداته داخل المقصورة. أصبح قرار إيلون ماسك بشراء تويتر أكثر منطقية الآن. فتويتر بالنسبة لماسك هو بمثابة حلقة وصل بين رأسماله الميكانيكي في تسلا وسبيس إكس، ورأس ماله السحابي. تُفسَّر الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وخاصة بعد الحرب في أوكرانيا، على أنها تداعيات صراع كامن بين إقطاعيتين تكنولوجيتين، في إحداهما الريع السحابي مسعّر بالدولار، وفي الأخرى باليوان. أليس هذا مذهلاً؟ تطلّب الأمر اكتشافات علمية مذهلة، وشبكات عصبية خيالية، وبرامج ذكاء اصطناعي تتحدى الخيال لتحقيق ماذا؟ لخلق عالم حيث، بينما تعمل الخصخصة والاستثمار الخاص على تجريدنا من كل الثروات المادية المحيطة بنا، ينشغل رأس المال السحابي بمهمة تجريد عقولنا من أصولها. لكي نملك عقولنا بشكل فردي، يجب أن نملك رأس المال السحابي بشكل جماعي. بمجرد أن نستعيد عقولنا، يمكننا أن نوظفها بشكل جماعي لإيجاد طريقة لإنشاء مشروع تشاركي مشترك جديد لرأس المال السحابي. سيكون الأمر صعباً للغاية! لكنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها تحويل نظامنا السحابي من وسيلة لتعديل السلوك إلى وسيلة للتعاون البشري والتحرر. يا أقنان رأس المال السحابي، يا بروليتاريا السحابية، يا رأسماليين السحابيين التابعين في العالم، اتحدوا! ليس لدينا ما نخسره سوى قيود عقولنا".
#توما_حميد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علي فالح الزيدي ونبذ -العقلية الاشتراكية-!
-
لماذا أصبح الغرب غير قابل للحكم؟ بريطانيا نموذجًا لأزمة الرأ
...
-
مفارقة الربح: لماذا ترتفع معدلات السرطان بشكل حاد بين الشباب
...
-
أوقفوا العدوان الامريكي الهمجي ضد جماهير كوبا!
-
الرهان الخاسر للبرجوازية الخليجية، يدفع العمال فاتورته!
-
لماذا الطبقة العاملة هي المتضرر الرئيسي من الحرب على إيران؟
-
خطاب ماركو روبيو.. مخطط لمسار الهمجية الرأسمالية!
-
حول الهجوم على كردستان سوريا!
-
حول -فاشية- روسيا و-ديمقراطية- الغرب! رد على رفيق
-
خطة ترامب حول غزة، عودة الى الاستعمار التقليدي!
-
حوار حول التحولات العالمية والوضع في الشرق الاوسط!
-
العدوان الأمريكي على فنزويلا: بين ذريعة مكافحة المخدرات وأجن
...
-
الإسلام السياسي: أقذر أنواع الحكم البرجوازي - العراق نموذجًا
...
-
تصاعد الصراع بين الأقطاب الرأسمالية: مخاطر جديدة تهدد البشري
...
-
عواقب فشل الحرب على إيران
-
حول الهجوم الإسرائيلي على إيران!
-
منصور حكمت وحقوق الاطفال
-
في ظل الإبادة الجماعية، يجب أن يهدف النضال نحو إسقاط النظام
...
-
ملامح إدارة ترامب الواضحة!
-
المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا: استراتيجيات أمريكية وصرا
...
المزيد.....
-
-نظام شيطاني-.. أمريكي احتُجز في سجن روسي -وحشي- يتحدث عما ش
...
-
23 سفينة وعمليات تمويه.. هكذا استعدت إيران لعودة الحصار البح
...
-
ترامب يتحدث عن -عملية برية- تنفذها -أطراف أخرى- ضد إيران.. ف
...
-
إيران اخترقت الجيش الإسرائيلي؟.. السجن 5 سنوات لجندي زوّد طه
...
-
بعد الانقطاع الشامل الأخير.. عودة تدريجية للكهرباء إلى كوبا
...
-
توخل: الأرجنتين وإنكلترا أكثر من مجرد مباراة كرة قدم أخرى
-
-درس للعالم-..صحف دولية تتغنى بفوز إسبانيا على فرنسا!
-
اجتماع سادس بلا توقيع.. لجنة -4+4- الليبية ترحل خلافاتها إلى
...
-
بيسكوف: نتلقى إشارات حول استعداد واشنطن لمواصلة العمل على ال
...
-
الدفاع الروسية: تحييد أكثر من 1,5 ألف جندي أوكراني وإسقاط 55
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|