توما حميد
كاتب وناشط سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السنوات الأخيرة، امتلأت وسائل الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث والبرامج السياسية بسيلٍ من التساؤلات حول ظاهرة باتت واضحة للعيان: لماذا أصبحت الدول الغربية تعاني من أزمة حادة في قابلية الحكم والاستقرار السياسي؟
الأرقام وحدها تكشف عمق الأزمة!
شهدت بريطانيا ستة رؤساء وزراء خلال أقل من عشر سنوات، وتبدلت الحكومات الفرنسية بوتيرة متسارعة، بينما انهار ائتلاف المستشار الألماني أولاف شولتز في نهاية 2024، وتراجعت شعبية الحكومات الأوروبية بما فيه حكومة ميرتس
في المانيا إلى مستويات تاريخية. في الولايات المتحدة، أصبح الشلل السياسي داخل الكونغرس حالة شبه دائمة، أما اليابان فتعيش منذ عقود حالة من عدم الاستقرار الحكومي المزمن وتبدل رؤساء الوزراء بوتيرة سريعة.
هذه ليست حوادث منفصلة أو مجرد سوء حظ سياسي، بل تعبير عن أزمة بنيوية عميقة تضرب قلب النظام الرأسمالي الغربي نفسه.
السؤال الحقيقي إذًا ليس: لماذا يفشل هذا السياسي أو ذاك؟
بل: لماذا أصبحت الأنظمة الغربية نفسها عاجزة عن إنتاج الاستقرار والحكم طويل المدى؟
________________________________________
أولًا: الأعراض لا الأسباب
نقد التفسير البرجوازي للأزمة
كالعادة، يتعامل الإعلام البرجوازي مع الظواهر السطحية باعتبارها الأسباب الحقيقية للأزمة. فتُطرح تفسيرات مثل:
صعود “الشعبوية".
تنامي “اليمين المتطرف".
تراجع جودة القيادات السياسية.
أزمة الديمقراطية الليبرالية.
انتشار “الاستقطاب” داخل المجتمع.
لكن هذه التفسيرات لا تشرح شيئًا فعليًا، بل تصف فقط أعراض المرض.
فصعود الشعبوية ليس سبب الأزمة، بل نتيجة لها.
وتراجع مستوى السياسيين ليس خللًا أخلاقيًا أو ثقافيًا، بل انعكاس مباشر لتحولات اقتصادية واجتماعية أعمق.
إن ظهور سياسيين بلا رؤية تاريخية أو مشروع استراتيجي، يعتمدون على إدارة الأزمات اليومية والدعاية الإعلامية، ليس صدفة. إنه التعبير السياسي عن مرحلة تاريخية دخلت فيها الرأسمالية الغربية طور الشيخوخة والتناقضات الحادة.
________________________________________
ثانيًا: الجذر الحقيقي للأزمة
الركود الاقتصادي وتراجع الربحية
لفهم الأزمة الحالية، يجب العودة إلى الأساس الاقتصادي للنظام.
بعد الحرب العالمية الثانية، دخل الغرب ما يُعرف بـ"العصر الذهبي للرأسمالية" بين الأربعينيات والسبعينيات
شهدت أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة معدلات نمو مرتفعة جدًا، تراوحت غالبًا بين 5% و7% سنويًا، مدفوعة بإعادة الإعمار، والتوسع الصناعي، وهيمنة الغرب المطلقة على الاقتصاد العالمي.
في تلك المرحلة، استطاع النظام الرأسمالي تحقيق معادلة مستقرة نسبيًا
أرباح مرتفعة للرأسماليين وتحسن متواصل في مستوى معيشة الطبقة العاملة.
ظهرت دولة الرفاه، وتوسعت الخدمات العامة، وتحسن التعليم والرعاية الصحية، وارتفعت الأجور الحقيقية.
كان هناك هامش اقتصادي يسمح بتقديم تنازلات اجتماعية دون تهديد أرباح رأس المال.
أما اليوم، فقد انتهت تلك المرحلة. النمو الاقتصادي في أوروبا يكاد لا يتجاوز 1% في أفضل الأحوال، بينما تعاني اقتصادات كبرى من الركود المزمن وضعف الإنتاجية وتباطؤ الاستثمار. ومع تراجع معدلات الربح، لم يعد رأس المال قادرًا على الحفاظ على أرباحه إلا عبر وسيلة أساسية واحدة،وهي الهجوم المباشر على الطبقة العاملة.
أي:
خفض الأجور الحقيقية.
تقليص الخدمات العامة.
إضعاف النقابات
رفع سن التقاعد
الخصخصة
العمل غير المستقر
نقل الإنتاج إلى مناطق العمالة الرخيصة.
لم تعد هناك "كعكة متنامية" يمكن توزيعها على الجميع كما في مرحلة ما بعد الحرب
بل أصبح الصراع يدور حول كيفية توزيع ثروة راكدة أو متقلصة.
________________________________________
ثالثًا: المأزق المستحيل للسياسي الغربي
هنا يظهر التناقض المركزي الذي يجعل الغرب “غير قابل للحكم".
السياسي الغربي محاصر بين قوتين متناقضتين:
من جهة:
الرأسماليين الكبار والأسواق المالية والشركات العملاقة، التي تمول الحملات الانتخابية وتؤثر على الإعلام ومؤسسات الدولة.
وهذه القوى تطالب دائمًا بـ:
تقليص الإنفاق العام
خفض الضرائب على الشركات والأثرياء
إلغاء القيود التنظيمية
الخصخصة
“مرونة "سوق العمل
تقليص حقوق العمال
ومن جهة أخرى:
هناك الطبقة العاملة والجماهير الواسعة التي تعتمد على الخدمات العامة والدعم الاجتماعي، والتي ترفض تحمل المزيد من التدهور في مستوى معيشتها.
وهكذا يجد السياسي نفسه أمام مهمة شبه مستحيلة:
كيف يمكنه زيادة أرباح رأس المال، وفي الوقت نفسه الحفاظ على شعبيته الانتخابية؟
هذا التناقض هو ما يفسر هشاشة الحكومات الغربية وسرعة انهيارها.
________________________________________
رابعًا: الدَّين كحل مؤقت… وكارثة طويلة الأجل
للهروب من هذا المأزق، لجأت الحكومات الغربية خلال العقود الماضية إلى حل مؤقت.
الاقتراض الضخم.
أي محاولة إرضاء رأس المال عبر خفض الضرائب، وإرضاء الجماهير عبر الإبقاء جزئيًا على الخدمات العامة، ثم تغطية الفجوة بالدَّين الحكومي.
لكن هذا “الحل” تحول إلى عبء هائل.
في بريطانيا مثلًا، أصبحت فوائد الدَّين الحكومي تستهلك عشرات المليارات سنويًا، وهي أموال كان يمكن استثمارها في
التعليم
البنية التحتية
البحث العلمي
الرعاية الصحية
التنمية الصناعية
ومع تضخم الديون، تصبح قدرة الدولة على التدخل الاقتصادي أضعف، بينما يتراجع الاستثمار طويل المدى وتضعف القدرة التنافسية للاقتصاد.
وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة:
نمو ضعيف
ديون أعلى
تقشف أكبر
طلب استهلاكي أضعف
استثمار أقل
ثم نمو أضعف مجددًا
________________________________________
خامسًا: لماذا تراجع النمو أصلًا؟
أزمة الرأسمالية الاحتكارية
ضعف النمو ليس ظاهرة عابرة، بل نتيجة طبيعية لتطور الرأسمالية نفسها.
1-هجرة رأس المال
رأس المال لا يعرف الوطنية.
إنه ينتقل حيث توجد أعلى الأرباح.
لذلك انتقلت الصناعات الغربية تدريجيًا إلى دول منخفضة الأجور في آسيا وأمريكا اللاتينية وشرق أوروبا، حيث العمالة أرخص والقوانين البيئية والنقابية أضعف.
النتيجة:
تدمير القاعدة الصناعية في أجزاء واسعة من الغرب.
اتساع البطالة والعمل الهش.
تراجع القوة الشرائية للطبقات الوسطى والعمالية.
2- مرحلة الاحتكار
الرأسمالية الغربية وصلت إلى مرحلة الاحتكار المالي والتكنولوجي.
تسيطر شركات عملاقة على قطاعات كاملة، مما يقلل المنافسة الحقيقية ويخنق الابتكار والإنتاجية على المدى الطويل.
فبدل الاستثمار في الإنتاج الحقيقي، يتجه رأس المال بشكل متزايد إلى:
المضاربات المالية.
إعادة شراء الأسهم.
الاحتكارات الرقمية.
الاقتصاد الريعي.
3-
. تراجع الهيمنة الاستعمارية التقليدية
في الماضي، كانت الإمبراطوريات الغربية تعتمد على النهب الاستعماري المباشر:
السيطرة على الموارد.
العمالة الرخيصة
الأسواق المحتكرة
أما اليوم، فلم يعد بالإمكان ممارسة السيطرة بنفس الشكل القديم، بينما ظهرت قوى منافسة كالصين والهند وغيرها
وهذا قلّص قدرة الغرب على امتصاص أزماته عبر التوسع الخارجي كما كان يفعل تاريخيًا.
________________________________________
سادسًا: لماذا تفشل كل الحلول السياسية؟
أحزاب يمين الوسط تقدم حلولًا تقوم على:
تقليص دور الدولة.
خفض الضرائب.
إلغاء القوانين التنظيمية.
ضرب النقابات.
خصخصة الخدمات
لكن هذه السياسات تؤدي غالبًا إلى:
زيادة اللامساواة.
إضعاف الطلب الداخلي.
تفكيك الاستقرار الاجتماعي.
أما أحزاب يسار الوسط فتعد بتحقيق النمو مع الحفاظ على مستوى من دولة الرفاه.
لكنها في النهاية تصطدم بنفس المشكلة:
كيف يمكن جذب الاستثمار الرأسمالي دون تقديم بيئة رخيصة ومرنة لرأس المال؟
أي أن "الحل" يعود دائمًا إلى:
خفض كلفة العمل.
الضغط على الأجور.
تقليص الحقوق الاجتماعية.
وهكذا تصبح الفروقات بين اليمين واليسار الليبرالي فروقات إدارية أكثر منها فروقات جوهرية.
________________________________________
سابعًا: اليمين الشعبوي وصناعة "الأعداء الوهميين"
في ظل عجز النظام عن حل أزماته البنيوية، وفشل ويمين ويسار الوسط، تلجأ قوى اقصى اليمين إلى تقديم تفسيرات زائفة للأزمة، مثل
الهجرة
سياسات التنوع والشمول
انهيار "القيم العائلية"
النسوية
الأقليات.
البيروقراطية
ضعف القادة
هذه الخطابات لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية، بل تبحث عن “كبش فداء” اجتماعي لتوجيه الغضب الشعبي بعيدًا عن التناقضات الحقيقية للرأسمالية.
ولهذا نرى صعود موجة رجعية عالمية تستثمر في الخوف والقلق والانقسام الاجتماعي بدل تقديم حلول اقتصادية فعلية.
________________________________________
خاتمة: أزمة حكم أم أزمة نظام؟
إن أزمة "قابلية الحكم" في الغرب ليست مجرد أزمة سياسية أو أخلاقية أو أزمة أفراد.
إنها تعبير عن مأزق تاريخي أعمق.
الرأسمالية الغربية لم تعد قادرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي الذي ميز مرحلة صعودها التاريخي.
فالاستثمار يحتاج إلى استقرار سياسي،
والاستقرار السياسي يحتاج إلى تنازلات اجتماعية،
لكن الربحية الرأسمالية لم تعد تسمح بهذه التنازلات كما في السابق.
وهكذا يدخل النظام في دوامة هبوطية:
تقشف أكبر.
غضب اجتماعي أوسع.
استقطاب سياسي أشد.
حكومات أضعف وأقصر عمرً.
واستثمار أقل.
وفي النهاية، يصبح المجتمع كله عالقًا بين حاجات الإنسان وحاجات رأس المال.
لهذا فإن أزمة الحكم في الغرب هي مؤشرًا على أزمة تاريخية أعمق تضرب النظام الرأسمالي العالمي في مرحلة نضجه المتأخر، وتفتح الباب أمام صراعات وتحولات كبرى قد تعيد تشكيل العالم خلال العقود القادمة. ان الخروج من هذه الازمة لن يتم الا بانهاء عمر هذا النظام. هذه الحقيقة تضع مسؤولية تاريخية هئالة على عاتق التيار الاشتراكي والشيوعي في المجتمع.
#توما_حميد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟