توما حميد
كاتب وناشط سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 15:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
خطاب تبرير الفشل لا مشروع بناء الدولة
في خضمّ محاولات الحكومة العراقية المستمرة لتبرير عجز الدولة عن القيام بأبسط واجباتها تجاه مجتمع يرزح تحت أزمات اقتصادية وخدمية واجتماعية خانقة، رغم مئات مليارات الدولارات التي تدفقت على العراق خلال العقدين الماضيين، يُروّج اليوم "لخطاب اقتصادي" جديد يُحمّل ما يُسمّى بـ"العقلية الاشتراكية" مسؤولية الفشل والانهيار والفساد المستشري في بنية النظام السياسي منذ الغزو الأمريكي عام 2003.
ضمن هذا السياق، يواصل رئيس الوزراء الحديث عن ضرورة "تغيير النهج الاقتصادي" وإنهاء هيمنة "العقلية الاشتراكية" على إدارة الدولة، والدفع نحو "هوية اقتصادية جديدة" تقوم على جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية وتوسيع دور القطاع الخاص. ويحاول هذا الخطاب أن يوحي بأن المشكلة الجوهرية في العراق تكمن في تدخّل الدولة في الاقتصاد، وفي تضخم القطاع العام، لا في أزمة النظام الرأسمالي وطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية والفساد والنهب المنظم للثروة العامة وفشل الإسلام السياسي بشكل خاص.
لكن الحقيقة التي يُتهرّب منها عمداً هي أن الدولة العراقية لم تفشل لأنها "اشتراكية"، بل لأنها دولة منهوبة، مفككة، خاضعة لتحالفات الفساد والزبائنية والولاءات الحزبية والطائفية. فالعراق لم يعرف يوماً نموذجاً اشتراكياً حتى حسب التعريفات البرجوازية للاشتراكية، ولم يمتلك اقتصاداً مخططاً يخضع لأولويات التنمية الاجتماعية والإنتاج الصناعي والتكنولوجي، على الأقل منذ السبعينيات عندما كان الاتحاد السوفيتي لا يزال قطباً عالمياً. ما وُجد فعلياً هو اقتصاد رأسمالي في أسوأ أشكاله، تديره طبقة سياسية طفيلية وفاسدة حوّلت الدولة إلى أداة لتوزيع الغنائم لا لبناء المجتمع.
لن أدخل هنا في نقاش نظري مطوّل حول الفوارق بين الاقتصاد الاشتراكي والرأسمالية الليبرالية أو الاقتصاد الهجين حيث يكون للدولة دور مهم في الاقتصاد، أو رأسمالية الدولة حيث تسيطر الدولة على معظم الاقتصاد ووسائل الإنتاج. المسألة أبسط من ذلك بكثير: هل يحتاج العراق اليوم إلى دولة قوية وفاعلة اقتصادياً، أم إلى دولة تنسحب من مسؤولياتها وتترك المجتمع نهباً لقوى السوق والاحتكار والفساد؟
يجب أن أوضح أنني لست من مؤيدي الرأسمالية بكل نماذجها، بما فيها رأسمالية الدولة والرأسمالية الهجينة ورأسمالية "السوق الحر". أنا من مؤيدي بناء اقتصاد اشتراكي مبني على اشتراكية ماركس ولينين ومنصور حكمت، حيث تتحكم الطبقة العاملة بوسائل الإنتاج وفائض القيمة التي تنتجها، وتُدير نفسها بنفسها بشكل مباشر من خلال مجالس مواقع العمل ومحال العيش والعبور إلى المجتمع الشيوعي. إن القوى الإنتاجية في العالم وصلت منذ فترة طويلة إلى مستوى يمكن معه ضمان رفاهية معقولة لكل إنسان على هذا الكوكب. إن ما يمنع ذلك هو نمط الإنتاج والتوزيع الرأسمالي الذي أصبح عائقاً فعلياً أمام البشرية.
إن أي نظرة واقعية إلى العالم المعاصر تكفي للإجابة عن هذا السؤال. فالدول التي حققت خلال العقود الأخيرة أعلى معدلات النمو الاقتصادي وأكثرها استقراراً لم تكن الدول التي رفعت شعار "السوق الحر" بشكل مطلق، بل تلك التي لعبت فيها الدولة دوراً مركزياً في التخطيط الاقتصادي، وتوجيه الاستثمار، ودعم الصناعة، والتحكم بالسياسات المالية والتكنولوجية والتعليمية.
تعتبر الصين المثال الأوضح على ذلك. فمنذ نهاية السبعينيات وحتى اليوم، حققت الصين معدلات نمو اقتصادي هائلة تراوحت بين 5% و10% سنوياً، وهي معدلات تفوق بكثير ما حققته الاقتصادات الغربية الليبرالية التقليدية. ولم يكن هذا الإنجاز نتيجة "تحرير السوق" حسب شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل نتيجة نموذج هجين تمارس فيه الدولة دوراً حاسماً في توجيه الاقتصاد والإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية. وهذا ما مكّن الصين من انتشال مئات الملايين من البشر من الفقر وتحويل نفسها إلى قوة اقتصادية عالمية.
الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على العديد من الاقتصادات الناجحة في آسيا وأوروبا. فالتجربة التاريخية أثبتت أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق في المجتمعات المتأخرة والفقيرة عبر الانسحاب الكامل للدولة، بل عبر تدخلها النشط والحاسم في الاقتصاد، خصوصاً في مراحل البناء والتصنيع وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة.
وعندما نتحدث عن "دور الدولة"، فنحن لا نقصد فقط حجم القطاع العام أو عدد الموظفين الحكوميين، بل قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد والمجتمع وفق أهداف تنموية واضحة: دعم الإنتاج المحلي في المجالات التي يتمتع البلد فيها بأفضلية وقدرة على المنافسة، وحماية القطاعات الاستراتيجية، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وضبط الأسواق، ومنع الاحتكارات، وتوفير الخدمات الأساسية بعيداً عن منطق الربح المجرد. يجب الإشارة إلى أن نسبة الطبقة العاملة التي تعمل في القطاع العام في الصين لا تصل إلى معدلات الكثير من الدول الأخرى، بما فيها بعض الدول الرأسمالية الغربية. الفارق هو وجود سلطة تتحكم بالسياسات الاقتصادية.
من ناحية أخرى، إن الرفاه والسعادة الاجتماعية يرتبطان بمدى تدخل القطاع العام لصالح الشرائح الضعيفة. إن التجارب الأوروبية نفسها، التي يُستشهد بها غالباً كنماذج للرأسمالية المتطورة، تؤكد أن مستويات الرفاه والاستقرار الاجتماعي ترتبط مباشرة بقوة القطاع العام وشبكات الحماية الاجتماعية. فالدول الإسكندنافية، على سبيل المثال، لم تحقق العدالة الاجتماعية عبر "تحرير السوق"، بل عبر الضرائب التصاعدية، والخدمات العامة القوية، والرعاية الصحية والتعليم المجاني، والدور الواسع للدولة في الاقتصاد والمجتمع.
في المقابل، فإن النماذج الاقتصادية الرأسمالية التي قامت على تقليص دور الدولة وخصخصة الخدمات العامة أدت في العديد من البلدان إلى نتائج كارثية: اتساع الفوارق الطبقية، وتآكل الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وتحويل المجتمع إلى ساحة تنافس وحشي تحكمه المصالح المالية الكبرى. وما تشهده دول مثل الأرجنتين في فترات متعددة من أزمات اقتصادية وانفجارات اجتماعية ليس بعيداً عن هذا السياق.
المشكلة أن كثيراً من منظّري البرجوازية في منطقتنا يتعاملون مع فشل دول مثل العراق وسوريا وليبيا باعتباره دليلاً على "فشل تدخل الدولة"، وعدم تبني التموذج التي يروج لها الرأسمال العالمي وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بينما يتعاملون مع نماذج الخليج باعتبارها برهاناً على نجاح اقتصاد السوق والانفتاح الاستثماري. لكن هذا تحليل سطحي يتجاهل حقائق أساسية.
فدول مثل العراق لم تفشل بسبب "الاشتراكية". أما النمو في بعض دول الخليج، فقد بُني أساساً على الريع النفطي الهائل، وعلى استغلال ملايين العمال المهاجرين الذين يعيش قسم كبير منهم في ظروف عمل قاسية وشبه عبودية، فضلاً عن هشاشة هذه الاقتصادات واعتمادها شبه الكامل على الاستقرار الجيوسياسي وأسعار الطاقة العالمية.
إن أي اهتزاز أمني أو عسكري كبير في المنطقة قادر على شلّ هذه الاقتصادات خلال أيام، وهو ما ظهر بوضوح في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية. ولذلك فإن تقديم هذا النموذج بوصفه "مستقبل العراق" ليس سوى محاولة لتسويق اقتصاد قائم على الريع والعمالة الرخيصة والتفاوت الطبقي الحاد.
للمجتمعات الفقيرة هدفان مهمان هما: تحقيق نمو اقتصادي كبير، وزيادة الرفاهية والسعادة الاجتماعية وتماسك المجتمع. أي حكومة جادة في تحقيق هذين الهدفين عليها أن تتوجه إلى الصين وتتعلم من تجاربها وتقتبس سياساتها، وإلى دول شمال أوروبا قبل التوجه اليميني والسياسات اليمينية في السنوات الأخيرة.
إذا كانت الحكومة العراقية – كحكومة برجوازية – جادة فعلاً في تحقيق التنمية الاقتصادية، فعليها أن تتجه نحو بناء دولة إنتاجية قوية، تتبنى سياسة صناعية واضحة، وتستثمر عائدات النفط في التصنيع والتكنولوجيا والتعليم والصحة والبنية التحتية، لا في الاستهلاك والفساد والصفقات المشبوهة. وعليها أن تستفيد من تجارب الدول التي لها تجارب ناجحة.
أما إذا كان الهدف الحقيقي هو تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، وفتح الأبواب أمام الخصخصة والنهب المنظم للثروة العامة، وتحويل المجتمع إلى سوق مفتوح للشركات المحلية والأجنبية، فعندها يصبح الهجوم على "العقلية الاشتراكية" مجرد غطاء أيديولوجي لتبرير الفشل السياسي والاقتصادي للنظام القائم، كما تُستخدم حجج مثل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط لتبرير فشل النظام البرجوازي في العراق.
إن ما يطرحه علي فالح الزيدي ومن يدافع عن هذا التوجه لا يمثل مشروعاً حقيقياً للنهوض الاقتصادي أو لتحقيق العدالة الاجتماعية، بل يمثل محاولة لإعادة تدوير السياسات الاقتصادية اليمينية التي أثبتت فشلها في عشرات البلدان، ومحاولة للتنصل من مسؤولية الدولة تجاه مجتمع يعيش مستويات خطيرة من الفقر والبطالة والانهيار الخدمي.
ولهذا، فإن مواجهة هذا الخطاب لا تكون فقط بالدفاع النظري عن دور الدولة في ضمان الرفاه الاجتماعي، بل بكشف الوظيفة السياسية الحقيقية وراءها: تبرير الفساد، وشرعنة الخصخصة، وتحويل الدولة من مؤسسة مسؤولة عن المجتمع إلى وسيط يخدم مصالح رأس المال المحلي والأجنبي على حساب الأغلبية الساحقة من الناس.
إن العراق لا يحتاج إلى دولة أضعف، بل إلى دولة تمتلك مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً، وتتعامل مع الثروة النفطية بوصفها أداة لبناء المجتمع لا وسيلة لإثراء الطبقة الحاكمة. وكل خطاب يحاول تحميل "العقلية الاشتراكية" مسؤولية الخراب الحالي، بينما يتجاهل الاحتلال والمحاصصة والفساد والنهب المنظم، ليس سوى عملية تضليل سياسي مكشوفة يجب فضحها ومواجهتها. في نظري، إن تحقيق نمو اقتصادي يخدم المجتمع ورفاهيته – حتى ضمن حدود الدولة البرجوازية – لن يتم إلا عبر بناء حركة اجتماعية قوية تفرض مطالبها على الطبقة الحاكمة وممثليها السياسيين في مسيرة نصالية تهدف الى الاطاحة بالنظام الرأسمالي الذي يمثل العراق احد نماذجه الحية.
#توما_حميد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟