أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - من نادل حلب إلى الإيطالي في لينز














المزيد.....

من نادل حلب إلى الإيطالي في لينز


ربحان رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


كنت أنتظر رؤيته بفرح ولهفة لا تسعهما حدود .. في الخامس من حزيران عام 2022، جاءنا ابني "جنكو" قادماً من فيينا، حيث يتابع دراسته الجامعية هناك. جاء ومعه صديقته الطالبة الجامعية لنتقدّم إليه بالحب ونحتفل اربعتنا بعيد ميلاده العشرين، ذلك الموعد السنوي الذي نرقبه بشوق لنملأ أعيننا بمرآه.
ولد "جنكو" كأبيه ، في نفس التوقيت اليومي ,, فأنا ولدتُ في الساعة الثالثة من صباح أحد أيام آذار النوروزية، قبيل النوروز بيومين..
أما هو فقد اختار الخامس من حزيران، ليفصل بين تاريخ ولادتي وولادته نصف قرن وثلاثة أشهر تماماً!
احتفاءً بهذه المناسبة السعيدة ، دعيناه وصديقته إلى مطعم إيطالي أنيق يحمل اسم (Ristorante La Rova)، يقع بالقرب من سكننا في منطقة (Am Binder Michl) بمدينة لينز النمساوية.
وفي غمرة فرحتنا واحتفالنا ، اقترب منا النادل وراح "يبربر" باللغة الإيطالية هذه المرّة ..
لم أفهم مما قاله حرفاً واحداً ، فارتدّت بي الذاكرة خمسين عاماً إلى الوراء . .. إلى سبعينات القرن المنصرم!
في تلك الأيام، كنا نحن الرفاق الحزبيين في البارتي اليساري الكردي نتحرك في سرية شبه تامة .. كانت لقاءاتنا القيادية تنعقد غالباً في مدينة حلب ، باعتبارها نقطة الوسط والملتقى بين الجزيرة، وكوباني، وعفرين، والعاصمة دمشق.
كلما وصلتُ إلى كراج حلب، أجد رفاق منظمة حلب في انتظاري ، يوقفون سيارة تاكسي، ويقولوا للسائق : " يالله وَصَل أخينا ... فتقلع السيارة و" بوجهنا " إلى المنزل السري الذي سينعقد فيه الاجتماع .
استمر هذا الحال طويلاً، حتى تولدت لدي أمنية غريبة: تمنيتُ من كل قلبي ألا يستقبلني أحد في المرة القادمة، رغبةً مني في اكتشاف حلب، والمشي في حاراتها، والتسكع في حدائقها التي أسمع عنها.
وفعلاً، قررتُ في إحدى المرات أن أسافر قبل موعد الاجتماع بيوم كامل ... وصلت حلب وحيداً، وحجزتُ غرفة في فندق " بارون " الشهير، وانطلقت أتمشى في الشوارع. مررت بحديقة يتوسطها تمثال لأبي فراس الحمداني، ولمحت خلفها مطعماً فخماً يُدعى " مطعم الجناح" .
شعرت بالجوع يُداعب أمعائي أمام فخامة المدخل، وازداد إعجابي حين دلفتُ إلى الداخل وجلستُ إلى طاولة يحيط بها أربعة كراسي من خشب الجوز المزخرف الأنيق.
اقترب مني النادل، وابتدرني بـ "بربرة" فرنسية أنيقة كنت أجهلها تماماً، ثم أتبعها بكلمتين عربيتين: " تفضل أستاذ"..
سألته ببساطة ابن البلد : " شوفي عندكم أكل ؟ "
عاد يعزف أمامي جملاً فرنسية لم أعِ أولها من آخرها، ثم قدم لي قائمة الطعام (المنيو) المكتوبة بالفرنسية.
حتى لا أظهر بمظهر الرجل الذي لا يتقن اللغات الأجنبية ، أشرت بإصبعي بثقة ووقار إلى أحد السطور وقلت له بلهجة حاسمة: " جبلي هذه الأكلة ". ثم لزمت الصمت.
غاب النادل قليلاً، ثم عاد يجرّ خلفه طاولة صغيرة تتربع فوقها زجاجة نبيذ فاخرة، وصحون صغيرة من الفستق الحلبي، والبندق، والكاجو. قلت في نفسي مستبشراً: "بداية ممتازة وتفتح النفس " !!
لكن المفاجأة بدأت عندما عاد النادل مجدداً، يجرّ هذه المرة طاولة طويلة مصفوفاً عليها ما لذ وطاب: سلطات بأنواعها، بسطرمة، مربيات، فتة حمص، حمص متبل، وغيرها الكثير. لزمت الصمت مجدداً، متأملاً المعركة وكيف سأتعامل مع هذا الجيش من الصحون ، و بدأت آكل لقمة من هنا ولقمة من هناك حتى شبعت تماماً وامتلأت بطني.
وظننت أن العرض انتهى، فإذ بالنادل يظهر مجدداً بطاولة ثالثة! محملة بطنجرة من البورسلان الأحمر، وصحن للسلطة، وآخر للأكل المطبوخ الرئيسي، وصحن للحلويات ، وأخير للنفايات!
هنا لم أستطع الصمت، فقلت له بدهشة: "لماذا كل هذا الأكل ؟! أنا رجل بمفردي ولا يمكنني إنهاء ربع هذه الطاولات !!
أجابني النادل بكل برود: "أنت من طلب هذا أستاذ، عندما أشرت بإصبعك إلى هذا القسم في قائمة الطعام ! " .
في ختام تلك الحفلة التنكرية، دفعت مئة وثمانين ليرة سورية، " ليرة تنطح ليرة"، وكان هذا المبلغ وقتها يعادل راتباً شهرياً كاملاً لموظف محترم !
يومها عاهدت نفسي عهداً قاطعاً : ألا أدخل مطعماً لا أعرف لغة عماله.
وظللت ملتزماً بعهدي عقوداً طويلة، حتى وجدنا أنفسنا نحتفل بعيد ميلاد "جنكو" في مطعم (La Rova) الإيطالي في لينز.. نسيت العهد القديم ، وأشرت بثقة المجرّب بإصبعي إلى اسم غامض في قائمة الطعام الإيطالية..
أتاني النادل مبتسماً بصحن فاخر مليء بالمحار.. والحلزون! نظرت إلى الصحن، وتذكرت مئة وثمانين ليرة حلب، فلم أتفوه ببنت شفة.. أكلت الحلزون، والتزمت الصمت !



#ربحان_رمضان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الف مبروك يا بطل ياعكيد .. افرحتني وافرحت الكرد بفوزك وبطولت ...
- جدلية الشارع والتنظيم مأزق -اللاتحزب- والاندماج السلبي في ال ...
- موطن الشمس... قراءة في ديوان الشاعر سمكو بوتاني
- سمكو عمر لعلي في كتابه يوميات معتقل على ذمة التحقيق
- أوراق البلوط من بارزان إلى واشنطن .. قراءة في رواية -آخر معا ...
- يوم جلاء الفرنسيين عن سوريا ودور الكرد في الثورة السورية
- في حضرة الخامسة والسبعين
- يوم المرأة العالمي.. ذكرى حوّلها البعثيون إلى مناسبة لانقلاب ...
- خبر وصلني متأخراً.. اختناق -حسن كيف- غرقاً
- توضيح من الهيئة المرحلية - للحركة الوطنية الكردية -
- صباح النحس
- المرسوم رقم 13: خطوة تاريخية لتعزيز الوحدة الوطنية السورية
- رهان خاسر.. لماذا لن تفيد الأنظمة -المعادية للوطن- الحراك ال ...
- ليلة رأس السنة في الأحياء القديمة
- الأسد أسدٌ.. امرأة كان أم رجل كتاب يوثق نضال المرأة الكردية ...
- - عريضة مقدمة من بنات وابناء حي الأكراد بدمشق -
- لمحة من سيرة نضالية – الجزء السابع
- من يوميات لاجئ سياسي او منفي رغماً عن انفه
- فلنتوقف عن الثرثرة
- رب ارحمني من أصدقائي..


المزيد.....




- خرمشهر.. كيف تستخدم الموسيقى كسلاح في وقت الحرب؟
- رحيل الفنان صالح الفرزيط.. صوت الأغنية الشعبية التونسية يغيب ...
- بدائل السكر تحت المجهر.. دراسة تربطها باضطرابات التمثيل الغذ ...
- -مسألة وقت-.. آخر رسائل الفنان أحمد جلال عبد القوي قبل وفاته ...
- كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم ...
- الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين ...
- مصر.. وفاة الممثل أحمد جلال عبدالقوي عن عمر 42 عاما
- أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين الذين صنعوا قصص الغر ...
- وفاة الفنان المصري أحمد جلال عبد القوي عن عمر 42 عاما
- -الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - من نادل حلب إلى الإيطالي في لينز