|
|
في حضرة الخامسة والسبعين
ربحان رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 17:59
المحور:
الادب والفن
إهداء إلى الغائبة الحاضرة إلى روح أمي الطاهرة، التي فارقت الدنيا في بيتها بدمشق وهي في الخامسة والتسعين، وأنا أرتقب طيفها من منافي النمسا الباردة.. إلى الصابرة التي باعت جدران بيتها لتشتري لي الحرية والحياة. غبتُ عن وداعكِ جسداً، لكنكِ لم تغيبي عن نبضي لحظة. إليكِ يا من تركتِ خلفكِ حزناً بحجم الوطن، أهدي هذه الكلمات، وفاءً لذكراكِ التي لا تغيب. اليوم هو الثامن عشر من آذار، في هذا اليوم أطوي صفحة عامي الرابع والسبعين لأقف بوقار على أعتاب العام الخامس والسبعين من رحلتي في هذا الوجود. منذ ذلك الفجر من عام 1952، والقدر ينسج لي حكاية لم تكن يوماً عادية ، رحلة بدأت من جذور الأرض في الوطن، ومرت بزنازين القمع، وانتهت بآفاق الحرية في المنفى. أربع وسبعون عاماً هي عُمرٌ من التجارب التي صهرتني، وعركت ملامحي، وصقلت بصيرتي. أقف اليوم في النمسا، ممتلئاً بذكريات دمشق وغوطتها وعفرين وجبلها الأشم والجولان واللاذقية وقامشلو وبقية مدن سوريا مرددا ماقاله الدرويش محمود : " لن أسافر .. لن أسافر .. ثم سافرت مرغما ً وفي قلبي لوعة وحسرة .. حكايا عبرت حياتي ... وما أكتبه أنما هو شهادة إنسان مارس النضال من أجل قضية شعبه ، فاعتقل وشرد وذاق مرارة الغربة، لكنه بقي متمسكاً بجوهر إنسانيته رغم كل العواصف والمحن التي واجهته في هذه الحياة . العجيب في بلاد اللجوء أنك تجد من يهرب من الحقيقة كما هرب من الظلم تماما ؛ تسأل أحدهم عن "الطغمة" التي شرّدت الناس، فيتلجلج في كلامه ويدعي أنه "مقيم" بكرامة، خجلاً من نرجسيته أن يُعرّف نفسه كلاجئ فارّ من القمع. ورأيتُ من اشترى شهادة علمية زائفة كما يُشترى جواز السفر المزور، ليوهم الناس أنه من أصحاب الدراسات العليا، بينما انتهى به المطاف نادلاً في مطعم، والأنكى من ذلك تقلبات النفوس؛ فذاك الذي كان يدعي الماركسية، تحوّل بين ليلة وضحاها إلى مبشّر ديني، نفاقاً وتملقاً! ثمة مواقف ومصادفات لم أدرك كنهها إلا بعد أن ألقى بي القدر بعيداً عن حدود الوطن.. مواقف تجعل الحليم في حيرة ، وتدفعك لارتيابٍ في صدق أصحابها حتى وإن نطقوا الحقيقة ، فالمنافي تكشف من المعادن ما لا تبديه الأوطان. مواقف غير سياسية ومصادفات استغربتها من بعض الناس لم الحظ فعلها إلا بعد هروبي من الوطن ... اكاد أن لا اصدق اصحابها حتى لوأنهم صدقوا .. .. .. شاب في عقده الثالث ونيف .. صادفته في البلد التي التجأت اليها منذ فترة طويلة يمشي متثاقلا ويتكلم بحشرجة وأغلاط لغوية بالرغم من انه عربي ومن بيئة بدوية .. سألته من اين يا اخي ؟ قال من دمشق من اي حي فيها ؟ أجابني باقتضاب خائف من دمشق .. سألته ثانية : من أي حي؟ من أي زقاق فيها أجاب : لست من دمشق بالذات ، من غرب دمشق . دفعني فضولي الاستزادة وأنا أعرف دمشق وماحولها ، وثلاثة ارباع سوريا ، فسألته : " يعني من وين ؟ قال من جديدة عرطوز . قلت عفوا ، لهجتك بدوية .. أجابني نعم .. انا من الخشنية . يعني من قرية الخشنية شرق مدينة القنيطرة جارة سعاف السنديان .. ســـامحك الله يا أخي ، قل اني من قبيلة النعيم لأعرف انك بدوي اصيل ، والبدوي مفخرة العرب . أطرق رأسه صامتاً، وانصرف، تاركاً خلفه هوية مبعثرة بين خوف اللجوء وفخر الجذور.
هذه المحادثة دفعتي بي أن اكون فضوليا فسألت آخرين اجابوني انهم من درعا .. أو أنه اعطى نفسه اسم الدرعاوي نسبة إلى المدينة ذاتها لكن حين سألته من اية قرية .. اجابوني اجوبة مختلفة حيث ان غالبيتهم قالوا انهم من درعا ولكن بالنهاية كانوا من قرى حورانية .. شخص آخر سألته وقد رأيت في وجهه ملامح كردية : من أين انت ياخال ؟ أجابني من حلب ، قلت له ومن أي حي فيه ، قال يعني مو من نفس مدينة حلب .. قلن : من اين ؟ أجاب من غرب مدينة حلب . قلت يعني من الأتارب أم جبل سمعان ؟ قال من عفرين . ضحكت وقلت له : اتستحي أن ُتعرّف نفسك بأنك كردي من عفرين ؟؟!!!! تسأل احدهم في وطن اللجوء عن حكم الطغمة الحاكمة التي دفعت الناس للهرب ، تراه يكذب و" يمرمط" الكلام ويقول انه " مقيم" ولديه إقامة في دولة من الدول التي تقبل اللجوء ، يخجل من نرجيسته أن يُقدم نفسه كلاجئ هارب من القمع ونظام القمع .. شخص آخر كان في دولة اشتراكية من دول الاتحاد السوفييتي ، لم يستطع النجاح في دراسته ، اشترى شهادة كالتي كان قد عرضها علي من باعني جواز سفر مزوّر في لبنان لأهرب من قمع وملاحقة قمع نظام المقبور الذي حكم دمشق ومات واحترق قبره لا رحمه الله .. صاحبنا اشترى شهادة من شهادات " الكذب والزور" على أنه خريج دراسات عليا ولما وصل إلى بلد اللجوء عمل نادلا في مطعم وكثيرا ما كنت ارقبه وهو ينحني بابتسامته الصفراء ليضع صحناً من الحساء أمام زبون غاضب. وبنفاق أخلاقه تحول من علمانيته الماركسية إلى مبشر بإحدى الطوائف الدينية . اتذكر اللحظة التي عرض علي فيها شهادته اللامعة، التي لم تكن سوى ورقة مزورة وأنا من يعرف عنه لما كان في الوطن يصدح بالعلمانية والماركسية، ويخطب عن النضال والطبقة العاملة يتكلم العربية بينه وبين أهله رغم أنه ولد في منطقة كردية نفاقا أمام القومجيين الذين حكموا سوريا فأذلوا أهلها وتنازل عن ارضها.. عاش في إحدى أزقة مدنها منافقا ً أمام المنشقين عن اللينيية باسم الأممية وإخوة الشعوب .. لكن عندما وصل أرض اللجوء، انقلب بين ليلة وضحاها ، أصبح قوميا متطرفا ً وانقلب إلى مبشر لصالح إحدى الطوائف الدينية المنتشرة حديثا ، يتاجر بالدين كما تاجر بالشهادات . لم أرَ في وجهه إلا الذل في أخلاقه التي تلونت ببراغماية غريبة بلون المنفعة.. نافق الحياة، في الوطن والمنفى. كلما اتذكره أتذكر حادثة جورج وميشيل اللذان تعبا وهما يمشيان في إحدى المناطق الجرداء من إحدى لبوادي ، وإذ بهما يريان مع السراب في عينيهما قبة ومئذنة لمسجد ببداية إحدى الواحات .. كان ذلك في فترة شهر رمضان ، شهر صيام المسلمين .. التفت ميشيل وقال لجورج مقترحا عليه : مارأيك أن نقول لمن في المسجد أننا مسلمان ليقدموا لنا الطعام والشراب .. رفض جورج الفكرة من أساسها وقال لصاحبه انت حر ياميشيل ، أما أنا فسأبقى علني ومعتقدي .. لما وصل ميشيل بادر الشيخ بالسلام عليكم فضيلة الشيخ ، الشيخ رد عليه وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته . ميشيل قال للشيخ : انا محمد والأخ جورج والله يافضيلة الشيخ بهذا الحر الشديد صار لنا ست ساعات ماشيين تحت الشمس ، والله يافضيلة الشيخ " ميتين من الجوع والعطش" .. فورا الشيخ نادى الموجودين في المسجد وقال لهم جيبوا أكل للأخ جورج .. جيبوا كبة من اللي عملتا أم احمد الدية ، " جيبوا فلافل " ، " جيبولو" صحن بابا غنوج اللي بعثته أم رياض ، وهاتوا كمان سـلطة وخيار ولبن ، وحضروا له اطيب كاسة شاي ، ثم التفت إلى محمد وقال : أما أنت يا أخ محمد فعليك أن تصبر معنا حتى وقت الإفطار . هربت وتكلفت بمصاريفي ومصاريف صديق رجاني مساعدته بعد وصوله بعد وصوله لى البلد الذي احتضنه بقرار لجوء لم يتصل بي منذ ثلاث وثلاثون عاما ابدا ً .. عام 1980 جائني رفيق لي بدمشق اسمه خ - س طلب مني ان اذهب معه لعند رفاق حزب بيشنغ ليعطوه كتابا حزبيا ياخذ بموجبه اللجوء السياسي في السويد فاعتذرت مؤكدا ان حزبنا ضد الهجرة واللجوء السياسي واننا نعمل على تثبيت ابناء شعبنا على ارضهم ، حاول كثيرا فرفضت وبالأخير رجاني ان اكلم والده فذهبت معه الى بيت ابيه ورجاني ابوه بنفس الطريقة ، مؤكدا ان ابنه سيرجع الى ارضه ، قلت له من يخرج لن يعود ، فحلف وقال سيرجع قلت له طيب عد انت الى القامشلي قال لي أمّن لي عمل في القامشلي كما في دمشق لأعود الى القامشلي وكررت كلامي ان من يخرج لن يعود . قال لي اخي من آخرها ، علينا دين ، خليه يسافر بلكي بيشتغل ويبعتنا لنسدد القرض ، فسألته كم هو القرض ، قال 5000 ليرة سورية . التفت الى "خ" وقلت له : " بكرا بشوفك قدام مبنى البريد ورح اعطيك 5000 " على ان ترجعهم لي ابتداء من الشهر الذي يلي الشهر القادم 500 ليرة بالشهر ، هل توافقون ؟ أجابا معا ً : بالتأكيد . في اليوم الثاني الساعة 12 ظهرا سحبت له 5000 لية واعطيته اياه ، فاعادوا الي 3700 ليرة فقط لاغير بما فيها ثمن تلفوزيون اشتريته منهم ، ثم اعتقلت ولما خرجت وجدت انه اصبح هو واهله في المانيا .. ولم يدق الباب على والدتي ليعطيها المبلغ ، بل لم يذكر ذلك امام الناس ، لأن ذلك كان موقفا ثوريا لألا يهرب الناس من ارضهم . اعتقلت إثر انتفاضة نوروز 1986 وفور إطلاق سراحي بعد عامين ونصف قضيتهما في معتقلات النظام البائد هربت بدون جواز سفر ، ولما وصلت النمسا بمغامرة عشتها وخطر كنت اترقبه وجدت السيد "خ" قد سبقني الوصول هو وزوجته واولاده وابيه وأمه وأخيه وكل افراد العائلة إلى المانيا .. هربت وتكلفت بمصاريفي ومصاريف صديق رجاني مساعدته بعد وصوله بعد وصوله لى البلد الذي احتضنه بقرار لجوء لم يتصل بي منذ ثلاث وثلاثون عاما ابدا ً ..
اما انا ربحان رمضان أصرح للجميع بأني هو من هرب " مرغما اخاك ، لابطل " .. تركت أمي وكان عمرها خمس وثمانون عام و قد َدفعت للواسطات ثمن بيت تملكه باعته لتراني .. تركت بيتي والأرض التي ورثتها عن والدي رحمه الله وهربت من بطش قوات قمع النظام البائد ، نظام حافظ الوحش وعملت في النمسا مساعد عامل لا أكثر ..
لم أدّخر أي مبلغ من المال ، ليس لأني باذخ في مصاريفي بل للغلاء الذي عم الكرة الأرضية بكافة دولها ومدنها .. كردي أعتز بقوميتي الكردية - سوري وأعتز بوطنيتي وسوريا الوطن ، نمساوي وأعتز بالجنسية النمساوية وبدولة النمسا التي احتضنتني .. وعلمتني معنى الانسانية ومحبة الناس .
رحم الله أمي وأبي .. وحفظ لي أطياف الوطن، وأدام عليّ نعمة الإنسان التي وجدتها في منفيّ الجميل.
#ربحان_رمضان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوم المرأة العالمي.. ذكرى حوّلها البعثيون إلى مناسبة لانقلاب
...
-
خبر وصلني متأخراً.. اختناق -حسن كيف- غرقاً
-
توضيح من الهيئة المرحلية - للحركة الوطنية الكردية -
-
صباح النحس
-
المرسوم رقم 13: خطوة تاريخية لتعزيز الوحدة الوطنية السورية
-
رهان خاسر.. لماذا لن تفيد الأنظمة -المعادية للوطن- الحراك ال
...
-
ليلة رأس السنة في الأحياء القديمة
-
الأسد أسدٌ.. امرأة كان أم رجل كتاب يوثق نضال المرأة الكردية
...
-
- عريضة مقدمة من بنات وابناء حي الأكراد بدمشق -
-
لمحة من سيرة نضالية – الجزء السابع
-
من يوميات لاجئ سياسي او منفي رغماً عن انفه
-
فلنتوقف عن الثرثرة
-
رب ارحمني من أصدقائي..
-
علاء الدين آل رشي حول مقالة - الكورد حافظوا على سلميتهم رغم
...
-
خربشات - 2 - رسالة كتبتها لصديقة من هواة المراسلة منذ خمس وخ
...
-
خربشات.. لم تنشر في حينها كتبتها على دفتر صغيرفي ستينات القر
...
-
رسالة كتبتها لصديقة من هواة المراسلة منذ خمس وخمسون عام
-
حول كتاب - بشار اسد .. أضاليل ونهاية عهد - للدكتور ميشيل صطو
...
-
كتاب - حلم الأمل - سرد ووصف جميل لكاتبه سمكو بوتاني
-
شخصيتان مؤثرتان في حياتي - أولهما خطيب وثانيهما فوال .. !!
المزيد.....
-
يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3-
...
-
لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش
...
-
نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
-
-لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98
...
-
أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير
...
-
29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
-
في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح
...
-
بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح
...
-
هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
-
الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|