أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - موطن الشمس... قراءة في ديوان الشاعر سمكو بوتاني















المزيد.....

موطن الشمس... قراءة في ديوان الشاعر سمكو بوتاني


ربحان رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 14:36
المحور: الادب والفن
    


من قلبٍ نذر نبضه للكرد وكردستان، وفيوض مشاعر تفيض شجناً وعاطفة، يأتي ديوان "موطن الشمس" للشاعر الأستاذ سمكو بوتاني؛ ليقدم لنا قصائد صيغت بأسلوب أدبي رفيع يسيل عذوبة وشاعرية. إنه الشاعر الذي غرس جذوره في تراب أرضه، ورفض الاقتلاع، وحين أرغمته الظروف على مغادرة قريته، لم يبتعد عن حضن الوطن، بل انتقل من غرب كردستان إلى شمالها، ليزداد بها تعلقاً وهياماً فوق ما يتصوره المرء.
إن معرفتي بالشاعر سمكو معمدة بوجع النضال المشترك، فهو ذاك الرجل الأمين الذي التقيت به في ثمانينيات القرن المنصرم خلف قضبان إحدى زنازين القمع التابعة لنظام البعث البائد. هناك، وسط العتمة والمصير المجهول، حمل سمكو رسالتي من داخل زنزانتي المخيمة بالغياب إلى رفاقي في "حزب الاتحاد الشعبي الكردي" خارج المعتقل الرهيب. ومنذ تلك الأيام، استمرت صداقتنا كأثر باقٍ من الصدق والوفاء لمواقفنا المشتركة ضد القمع، وفي سبيل شعبنا التواق للحرية وتقرير المصير.
ملامح الرحلة الشعرية بين الوجد والوطن

يضم الديوان بين دفتيه أربعاً وعشرين قصيدة، تتأرجح موضوعاتها بين ثنائية العشق الإنساني الخالص والانتماء الوطني الجارف، حيث يزاوج الشاعر بين وجه الحبيبة وملامح الأرض، دون أن يفصل بينهما.
يفتتح الشاعر ديوانه بقصيدة "الفراشة" (المكتوبة في أربيل، سبتمبر 2021)، حيث ترمز الفراشة عنده للتحول والتجدد والحرية. يحاورها ويغازلها قائلاً:
"أيتها الفراشة الزاهية كثوب عروس، يا من تكتسين بألوان الخريف الشجية، كم من رداء جميل ترتدين!"
يبوح لها بحبه، مناجياً عبرها طيف حبيبة غائبة، حتى إذا ما أقبلت تنشد الأغنيات، يسرع نحوها مسلوب الوعي من فرط الحسن الهائم به. ويمد هذا الخيط العاطفي في قصيدته الثانية "الوجد والقلب" (Vîn Û Dil) ليعبر عن سرور قلبه بلقاء الحبيبة وتذاكر الشغف المشترك، ثم يثني بقصيدة "الحبيبة اليافعة"، طالباً منها أن تقرأ ما خطه قلبه من هيام، قبل أن ينعطف فجأة نحو الوطن متغزلاً بثرواته وجماله:
".. كم هو جميل ومبهر وطني، أرضه غالية وثرية، تزخر بالنفط والنحاس، وتفيض بالورود والأزهار... ولهذا، يضمر لنا الأعداء الضغينة، ويتربصون بنا الدوائر."
لكنه يظل متمسكاً بالأمل، مؤمناً بأن "نهاية العشق الحقيقي، لا تكون إلا زغاريد فرح وانتصار".
وفي قصيدته الرابعة "إرادة القلب"، يواصل بوحه العذري واصفاً حبيته بالقمر الساطع وتفاحة القلب، معلناً أنه سيظل طائراً يغرد في بستانها مدى الدهر، داعياً إياها لتجديد عهود الوجد لكي يشرق وجه "سمكو" بالبشر والسرور.

أما حين ننتقل إلى القصيدتين الخامسة والسادسة، "الليل الصامت" و"من المسؤول"، نرى امتزاج حنين الشاعر وحبيبته بأوجاع الوطن. يتساءلان عن المستقبل في ظل واقع مرير بات فيه أبناء الشعب فقراء بلا مأوى. وهنا، يرتدي الشاعر عباءة المناضل ليعاتب الغارقين في صخب المصالح الشخصية، مؤكداً أن التاريخ لا يرحم مَن باع دماء الشهداء، وأن الأوطان لا تُبنى بالخطابات الجوفاء، بل بالقلوب النابضة بالوفاء.
ثم يأتي "الجواب" في قصيدة لاحقة، ليؤكد أن الحل يكمن في ثنايا الأرض التي تعشق خطى أبنائها، وحين تتحد السواعد وتعلو لغة الأم فوق كل شقاق، سينقشع الظلم وتشرق شمس الحرية. يخاطب الشاعر الإنسان الكردي داعياً إياه للامتلاء بالإرادة:
"كُنْ نفسَك.. ولا تكنْ مسلوبَ الإرادةِ أو صامتاً، لا تكنْ لَيّناً تُعصَر، ولا حجراً صلداً يُكسَر... كُنْ شعلةً من النورِ في الميدان".
وفي قصيدة "وطني"، يعود ليناجي بلاده بوصفها ملاذ الروح إن ضاقت الدنيا، مقدساً مدينته "ديريك" في قصيدة تحمل اسمها، معتبراً إياها "مَقام العشق ومحراب العاشقين". ومن رحم ديريك، يستحضر الشاعر الشهيد "حسن الخنجر" الذي قَدّم دمه دفاعاً عن شرف التراب، واعداً روحه بنظم القوافي وصياغة أبيات الفخر التي ستظل تتردد كأغنيات أمهات أبدية (لوريات).
في قصيدة وطن الشمس ينتقل بنا الكتاب إلى قصائد ذات ثقل سياسي ونقدي لاذع؛ ففي قصيدة "شموخ الرأس" يوجه تحية للقائد الملهم ليقول كلمته التي تنتظرها قلوب الفقراء، بينما يعلن في قصيدة "الوردة الجريحة" عن عدم ثقته بالانتهازيين والمتسلقين الذين يصفهم بـ "الثعالب" و"بنات آوى" والذئاب.
وتتجلى الرؤية الإبداعية والهوياتية للديوان بأكمله في قصيدة "وطن الشمس"، التي يطلق فيها الشاعر صرخة فخر واعتزاز تهز الوجدان، قائلاً:
"أنا ابنُ وطنِ الشمس.. سيدُ الأرضِ والترابِ الذي أقفُ عليه.. أنا سليلُ الآباءِ والأمهاتِ الأباة، والدرعُ الحامي لحِمى هذه الأرض. أنا روحُ الشيخِ سعيد البيراني العجوز، أحلقُ حراً فوق ترابِ أرضي".
وفي هذه الملحمة، يطوف سمكو بوتاني على مدن وحواضر كردستان، جاعلاً من الجغرافيا قصيدة نابضة؛ فيستحضر "وان" و"سِنِه"، ويتخذ من الثائر "سمكو" رمزاً، ومن صمود "قاضي محمد" في "مهاباد" نبراساً. ولا ينسى أن يمنح مدن الغرب والجنوب باقات وروده؛ فـ "قامشلو" هي نبض وجده، و"عفرين" تتربع في سويداء قلبه، و"كوباني" تراه فارسها المغوار، بينما تحرس "أربيل" و"زاخو" القرى المحيطة بها، مؤكداً في ختامها أنه يمضي على نهج وفكر الخالد "بارزاني".
وفي مفارقات سمكو حول اللجوء وفجائع الطبيعة نرى في قصيدة "أنا لاجئ"، انقلاب النبرة الفخورة إلى غصة مشوبة بالقهر من مرارة الغربة والتشرد والوحدة، على الرغم من أن لجوءه ظل داخل حدود الوطن (في جزئه الجنوبي الشرقي). ويتناص هذا الحزن مع الكبرياء في قصيدة "أنا كردي" حيث يستحضر نسبه الممتد إلى "رستم زال" المغوار، حاثاً أبناء جلدته على نفض غبار السكوت والعودة إلى رصيف المجد.
أما الملمح الإنساني الفاجع في الديوان، فيظهر في قصيدة "صرخة استغاثة الفجيعة"، التي يوثق فيها الشاعر مأساة زلزال الثامن من شباط 2023 المدمر. يتساءل الشاعر بمرارة وألم أمام هول الخراب وموت الآلاف تحت الركام:
"ماذا جنيتُ يا إلهي في علاكَ وسماواتِك حتى تسوقَ إليّ هذه الفجيعةَ والمصيبةَ الكبرى؟... باتَ الآلافُ صرعى تحت الركام، ومَن نجا أضحى عاجزاً وحائراً بلا حيلة... لماذا كان الخرابُ والتشردُ وحده من نصيبي وقسمتي؟".
وفي قصائد أخرى مثل "الوطن والشقاق" يشكو جور الزمن للوطن ذاته، بينما يرى في قصيدة "الهوى مضن وثمين" أن العشق ما هو إلا ثورة وجدانية دائمة لا تموت. كما يخصص لملهمته قصيدة "شيرين الغالية"، واصفاً إياها بوردة تتوسط حلقات الدبكة، بشعرها الذهبي وعينيها الزرقاوين، تجمع القلوب حولها كما تجمع الوردة الفراشات.
العودة إلى البدء
كأنما أراد الشاعر أن يغلق دائرة الوجع بالجمال، فينهي ديوانه بقصيدة "أحبها"، ليعود من جديد إلى رمزية الفراشة والجمال الطاهر. يتغزل بغادته البيضاء ذات العينين الكحيلتين والشعر المنساب كالشلال، حتى يخجل الورد الأحمر من حسنها. وينتهي العناء اللغوي والسياسي ليتحول إلى فعل حب خالص وعناق دافئ يجمع الحبيبين على أعتاب اللقاء، ليعلن الشاعر في السطر الأخير: "الآن.. تحققَ حلمي واكتملتْ رؤياي".
لقد استطاع الأستاذ سمكو بوتاني في هذا الديوان أن يترجم وجع القضية ودفء العاطفة بلغة جزلة، ليبقى "موطن الشمس" مرآة صادقة لروح الشاعر ولأمل شعب لا ينكسر.



#ربحان_رمضان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سمكو عمر لعلي في كتابه يوميات معتقل على ذمة التحقيق
- أوراق البلوط من بارزان إلى واشنطن .. قراءة في رواية -آخر معا ...
- يوم جلاء الفرنسيين عن سوريا ودور الكرد في الثورة السورية
- في حضرة الخامسة والسبعين
- يوم المرأة العالمي.. ذكرى حوّلها البعثيون إلى مناسبة لانقلاب ...
- خبر وصلني متأخراً.. اختناق -حسن كيف- غرقاً
- توضيح من الهيئة المرحلية - للحركة الوطنية الكردية -
- صباح النحس
- المرسوم رقم 13: خطوة تاريخية لتعزيز الوحدة الوطنية السورية
- رهان خاسر.. لماذا لن تفيد الأنظمة -المعادية للوطن- الحراك ال ...
- ليلة رأس السنة في الأحياء القديمة
- الأسد أسدٌ.. امرأة كان أم رجل كتاب يوثق نضال المرأة الكردية ...
- - عريضة مقدمة من بنات وابناء حي الأكراد بدمشق -
- لمحة من سيرة نضالية – الجزء السابع
- من يوميات لاجئ سياسي او منفي رغماً عن انفه
- فلنتوقف عن الثرثرة
- رب ارحمني من أصدقائي..
- علاء الدين آل رشي حول مقالة - الكورد حافظوا على سلميتهم رغم ...
- خربشات - 2 - رسالة كتبتها لصديقة من هواة المراسلة منذ خمس وخ ...
- خربشات.. لم تنشر في حينها كتبتها على دفتر صغيرفي ستينات القر ...


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربحان رمضان - موطن الشمس... قراءة في ديوان الشاعر سمكو بوتاني