أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن مدبولى - مستقبل مصر، أم مستقبل الحكومة !؟














المزيد.....

مستقبل مصر، أم مستقبل الحكومة !؟


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 11:50
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


وافق مجلس النواب المصري على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ليصبح جهازًا قوميًّا ذا طبيعة خاصة يتمتع باستقلال مالي وفني وإداري، ويتبع رئيس الجمهورية مباشرة بعد نقل تبعيته من وزارة الدفاع.
ووفقًا لما أعلنته الحكومة، يهدف القانون إلى منح هذا الجهاز إطارًا تشريعيًّا أكثر مرونة ليواكب التوسع في تنفيذ المشروعات القومية، من خلال منحه صلاحيات واسعة تشمل إنشاء فروع داخل مصر وخارجها، والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة، وسد الفجوة الغذائية عبر مشروعات الاستصلاح الزراعي، وإنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية، وتشجيع الاستثمار، فضلًا عن إنشاء صندوقين تابعين له، أحدهما للثروة السيادية باسم "أهرامات النيل"، والآخر صندوق خدمي باسم "داعم"، مع النص على خضوعه لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وسداد الضرائب والرسوم المستحقة.
غير أن القراءة المتأنية لهذا القانون الجديد تثير، من وجهة نظر معارضة، تساؤلات جوهرية تتجاوز النصوص المعلنة إلى طبيعة الدولة نفسها، وإلى الكيفية التي تُدار بها مؤسساتها واقتصادها.
فالقضية هنا ليست مجرد إعادة تنظيم جهاز إداري، وإنما إنشاء كيان استثنائي يتجمع بين يديه قدر هائل من الاختصاصات والصلاحيات والموارد، بما يجعله أقرب إلى "دولة داخل الدولة" منه إلى جهاز تنفيذي متخصص.
فعلى المستوى المؤسسي، يؤدي منح هذا الجهاز شخصية اعتبارية مستقلة، مع صلاحيات واسعة في تأسيس الشركات، وإدارة الأصول، والتعاقد المباشر، وتنفيذ المشروعات في قطاعات متعددة، إلى خلق مركز قوة إداري واقتصادي موازٍ للوزارات والهيئات القائمة. وبمرور الوقت، تصبح الوزارات الأصلية ــ كالزراعة والتموين والتجارة والإسكان ــ مجرد جهات أو أدوات مساندة لارؤية لها، بينما تنتقل السلطة الفعلية إلى جهاز واحد يحتكر التخطيط والتنفيذ وإدارة الموارد،
ولا يمثل ذلك إصلاحًا للإدارة العامة بقدر ما يمثل إعادة إنتاج للمركزية في أكثر صورها اتساعًا، إذ تُجمع ملفات متباينة ومعقدة داخل مؤسسة واحدة، وهو ما يتعارض مع مبادئ الإدارة الحديثة التي تقوم على توزيع الاختصاصات، وتوازن السلطات، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، بما يمنع احتكار النفوذ الإداري ويعزز الكفاءة والمساءلة.
أما اقتصاديًا، فإن منح هذا الكيان امتيازات استثنائية وقدرات مالية وسيادية واسعة يثير إشكالية خطيرة تتعلق بمبدأ الحياد التنافسي، وهو أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة. فلا يمكن الحديث عن سوق تنافسية عادلة إذا كان أحد اللاعبين يمتلك في الوقت نفسه كل إمكانات الدولة، وسلطاتها، وامتيازاتها، بينما يخضع منافسوه من القطاعات الأخرى لكامل الأعباء والقيود القانونية والتمويلية
وفي مثل هذه البيئة، يصبح المستثمر أو الجهة غير التابعة للجهاز أقل قدرة على المنافسة، ليس بسبب ضعف الكفاءة ، إنما بسبب اختلال قواعد المنافسة نفسها. ومع مرور الوقت وفى ظل تلك الهيمنة الغير طبيعية سيؤدي ذلك إلى ما يعرف اقتصاديًا بظاهرة المزاحمة والازاحة حيث ستتراجع الاستثمارات الخاصة، وتنكمش المبادرات الفردية، ويزداد اعتماد الاقتصاد على كيان واحد يزداد تضخمًا عامًا بعد آخر.
وتكمن الخطورة أيضًا في أن تركيز هذا الحجم من الأنشطة الاقتصادية داخل مؤسسة واحدة سيجعل الاقتصاد أكثر هشاشة. فإذا تعثر هذا الكيان أو أخطأ في تقديراته، فلن يكون الضرر محصورًا في مشروع بعينه، وإنما سيمتد إلى قطاعات استراتيجية تمس الأمن الغذائي والاستثمارى وسلاسل الإمداد ، وهو ما يزيد من المخاطر الواقعة على الاقتصاد الوطني والأمن القومى بأكمله.
ومن زاوية الحوكمة، لا تكفي الإشارة إلى خضوع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات أو لمتابعة مجلس النواب لحسم هذه المخاوف. فالرقابة الحقيقية لا تُقاس بوجود جهة رقابية فحسب، وإنما بمدى وضوح الاختصاصات، وشفافية اتخاذ القرار، وإتاحة المعلومات، وإمكانية المساءلة الفعلية، وهي أمور لا تزال تثير كثيرًا من علامات الاستفهام في ظل اتساع صلاحيات الجهاز وتشعب أنشطته.
كما أن الرهان على أن "النتائج العملية وحدها هي التي ستحكم على التجربة" لا يمثل منهجًا رشيدًا في إدارة مؤسسات تمس الأمن الغذائي والاقتصاد القومي. فالدول لا تُدار بمنطق التجربة والخطأ عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تمتلك هذا القدر من النفوذ والموارد، لأن تكلفة الفشل، إن وقع، لن تكون سياسية أو إدارية فحسب، بل ستكون اقتصادية واجتماعية يتحملها المجتمع بأسره.

إن التنمية المستدامة لا تتحقق بتجميع السلطات في يد مؤسسة واحدة، وإنما ببناء مؤسسات قوية، متخصصة، ومتوازنة، تعمل وفق قواعد واضحة للمنافسة والشفافية والمساءلة. أما تضخيم الكيانات الاستثنائية، مهما كانت النوايا المعلنة، فإنه يحمل في طياته مخاطر تقويض البناء المؤسسي للدولة، وإضعاف دور الوزارات، وتشويه بيئة الاستثمار، وإرباك العلاقة بين الدولة والسوق.بل والغاء لدور الشعب المصرى نفسه و مصادرة حقه فى اختيار من يقودونه سياسيا واقتصاديا،
من هذا المنطلق، فإن الاعتراض على هذا القانون لا ينطلق من رفض التنمية أو معارضة المشروعات القومية، وإنما من التخوف من أن تتحول التنمية نفسها إلى مبرر لإقامة كيان فوق مؤسسات الدولة،يلغى السياسة ، و يحتكر الاختصاصات، ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية والإدارية بصورة قد يكون من الصعب التراجع عنها مستقبلًا إلا بالغائه والعودة الى نقطة الصفر !!



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مالذى يجب على ايران فعله ؟
- الرجل الذى هزم نوبل !؟
- الخليجيون يرتكبون الجرم نفسه!
- موقفان مخزيان وكاشفان !؟
- النمرود !؟
- نظرية المؤامرة فى مونديال الحليف الأميركى !؟
- ثورة لاتسقط بالتشويه !!
- بين ثورة ، وثورة !!
- كأس فلسطين لكرة القدم !!
- تحية صادقة للمنتخب الايرانى لكرة القدم!
- النموذج الأولى بالتشبيه للتوجهات اللبنانية !!
- تحية للمنتخب الإيرانى !
- الذيول العوجاء !!
- كربلاء فكرة !!
- الملك العارى !!
- زيطة فارغة !!
- الحلقة الطبية الأضعف فى مصر!!
- الضحية التالية من تكون !؟
- تحليل الآثار الاقتصادية المحتملة لتطبيق نظام -الطيبات- في مص ...
- شيزوفرينيا المصريين !!


المزيد.....




- تعطل الملاحة في مضيق هرمز يرفع أسعار النفط
- سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في مصر.. تفاصيل سعر عيا ...
- أعلى شهادات الادخار فى البنوك بعد تثبيت أسعار الفائدة اليوم ...
- تقلص حجم الاقتصاد الفلسطيني بحوالي 12.5 مليار دولار وتراجع ا ...
- ما الذي يخشاه الاقتصاد أكثر من الأزمات؟
- من الهواتف الذكية إلى الأدوات المنزلية.. روسيا تبني مصنعا كب ...
- العملات المشفرة والتمويل غير المشروع.. تقرير دولي يرصد تصاعد ...
- ميسي ورونالدو يقودان أجرأ تمرد في تاريخ الكرة الذهبية
- إسرائيل تستعد لإنتاج قنابل -JDAM- محلياً.. خطة لتقليل الاعتم ...
- الكرملين يحذر من تداعيات التصعيد في المنطقة على الاقتصاد الع ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسن مدبولى - مستقبل مصر، أم مستقبل الحكومة !؟