أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضاري عالمي إلى طقوس فارغة.














المزيد.....

جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضاري عالمي إلى طقوس فارغة.


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 19:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين كتب المفكر الهندي أبو الحسن علي الحسني الندوي كتابه الشهير عام 1950، تساءل بجرأة: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) وكان جوابه أن العالم فَقَدَ ببوصلة الإسلام الأخلاقية توازنه الروحي، وغرق في مادية غربية جافة تفتقر للإنسانية. لكن وبعد مرور أكثر من سبعة عقود على تلك الأطروحة، وازدياد واقع المجتمعات الإسلامية تعقيداً وجموداً، يفرض علينا الصدق المعرفي أن نطرح السؤال المعاكس والأكثر إيلاماً: (ماذا خسر الإسلام نفسه بانحطاط المسلمين؟).
إن الجناية الكبرى التي ارتكبها المسلمين لم تكن في حق أنفسهم فقط أو في حق جغرافيتهم السياسية فقط ، بل كانت في حق الرسالة العظيمة التي يحملونها، إذ انهم قاموا بتحويل هذا الدين عبر قرون من الجمود والتقليد من مشروع حضاري كوني يملأ الأرض عدلاً وعمراناً وعقلاً، إلى مجرد قوالب طقوسية آلية مفرغة من أي مضمون عملي أو أثر أخلاقي.

▪️من الريادة الحضارية إلى التدين الشكلي:
جاء الإسلام في بيئته الأولى كحركة تحرير كبرى للعقل البشري، رافضاً أن يكون مجرد دين محلي أو طقوس كهنوتية معزولة في المعابد. لقد كان يعلم أتباعه أن (العبادة) ليست منفصلة عن (العمران) وأن (العقيدة) محرك أساسي للعمل والمسؤولية الاجتماعية. وفي عصوره المزدهرة تُرجمت هذه الرسالة السماوية إلى مشروع حضاري عالمي قاد قاطرة العلوم والفلسفة والطب والإدارة، محققاً التوازن الفريد بين متطلبات الروح المتمثلة في الوحي، ومتطلبات المادة المتمثلة في استخلاف الإنسان في الأرض وتعميرها.
أما اليوم، فالجناية تبدو واضحة في الفجوة الهائلة بين ظاهر التدين وباطن السلوك. لقد اختُزل الإسلام في الوعي الجمعي المعاصر إلى حركات تعبدية آلية، ومظاهر شكلية حريصة على التفاصيل الدقيقة للعبادات، بينما هي منفصلة تماماً عن أبسط معايير الأخلاق المعاملاتية، والإنتاجية المعرفية، واحترام القانون، وإتقان العمل. لقد صرنا نرى مجتمعات تمتلئ مساجدها بالمصلين، وتغرق شوارعها وأسواقها في الفوضى، والفساد الإداري، والجهل المعرفي، وسيكولوجيا المظلومية التي تلقي باللوم دائماً على (الآخر الغربي أو الخارجي.)

▪️فصول الجناية: كيف عُطلت الرسالة؟
تتمثل جناية المسلمين على دينهم في عدة مسارات فكرية وعملية خطيرة، لعل أبرزها:

1/ هجران روح الاجتهاد والإبداع: تحول العقل المسلم من عقل (تأسيسي) يبحث ويفكر ويخترع، إلى عقل (تقليدي) يكتفي باجترار الماضي الفقهي وإسقاطه حرفياً على واقع معقد ومختلف كلياً، مما جعل الدين يبدو في نظر الأجيال الجديدة وكأنه عاجز عن مواكبة الحداثة ومستجدات العصر.

2/ تغذية عقدة النقص والتغريب: نتيجة للجمود الداخلي، نشأت نخب مغتربة فكرياً ترى في التقليد الأعمى لكل ما هو غربي المخرج الوحيد، دون تمييز بين التقدم العلمي المادي للغرب وبين أزماته الأخلاقية والوجودية. وبدلاً من تفعيل الحل الحضاري من داخل قيم الإسلام، سعى البعض لتطويع النصوص وتشويهها لتلائم الأنساق الغربية.

3/ فصل القيم عن العبادات: تحولت الشعائر من وسيلة لبناء إنسان صالح ومنتج ومنضبط أخلاقياً، إلى غاية بحد ذاتها. صرنا نعيش في تدين شكلي يبيح للفرد الغش والمحسوبية والتقاعس عن العمل، طالما أنه يؤدي شعائره بانتظام، وهي قمة (الطقوسية الفارغة) التي فرغت الدين من جوهره الروحي والأخلاقي والإصلاحي.

▪️الخسارة الكبرى للإسلام:
إن الخسارة الحقيقية ليست خسارة مادية أو عسكرية، إنما هي خسارة الإسلام لجاذبيتهِ وهيبتهِ وسمعتهِ كنموذج ريادي عظيم معروض للبشرية.
لقد بات العالم الخارجي اليوم يحكم على (الإسلام والرسالة الإلهية السمحة) من خلال سلوك وتخلف المسلمين كأتباع وممارسين فقط، وبدلاً من أن يكون الإسلام هو الحل المنقذ للإنسانية من أزماتها الروحية وأمراضها المادية كما تطلع الندوي، أصبح يُنظر إليه في الساحة الدولية -بسبب جناية أتباعه- كعائق أمام التقدم والتطور الإنساني.
إن سجن رسالة عالمية بوزن الإسلام داخل قوالب الجمود والخلافات والإنقاسامات والتعصب والجهل هو أعظم تشويه يمكن أن يتعرض له هذا الدين السماوي العظيم.

ختاماً/ تحرير الرسالة من جمود الأتباع:
إن إنقاذ الهوية واستعادة الريادة لا يمر عبر البكاء على الأطلال، ولا عبر الاستمرار في الطقوسية الجافة التي لا تبني وطناً ولا تحيي وعياً. إن السبيل الوحيد يكمن في إحداث (ثورة فكرية تصحح مفهوم التدين) ليعود الإسلام في عقولنا وسلوكياتنا كما بدأ: رسالة سماوية تحث على التفكير والعلم والصدق والأخلاق والعمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية.
ويحتاج العالم المعاصر اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى التوازن الذي يحمله الإسلام بين (الثابت الروحي والمتغير الدنيوي والتكنولوجي). لكن هذا التوازن لن يتحقق ما لم ينهض المسلمون أولاً لتحرير عقولهم ونفوسهم ولتحرير دينهم من أغلال طقوسهم الفارغة، وتحويل إيمانهم الصادق إلى طاقة حضارية خلاقة تبني الإنسان وتعمر الأرض.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...
- هندسة الملفات الثلاثة: العراق تركيا سوريا. سياق الكل المتك ...
- العقد الاجتماعي الجديد: من الفوضى إلى النظام. ورقة سياسات عا ...
- الفصائل من المحور إلى الدولة ورقة سياسة عامة لإعادة هيكلة ا ...
- كيف يفكر المحلل السياسي؟من قراءة الخبر إلى فهم المعنى السياس ...
- الليبرالية المحافظة. معادلة التوازن بين الهوية الثقافية للمج ...
- دور المؤسسات الدولية في ضبط العلاقات بين الدول وفق المدرسة ا ...
- فلسفة التوقيت السياسي.لماذا تحدث الأحداث في لحظات محددة ؟
- العراق من سيكولوجيا المظلومية إلى صراع الهويات ثم تقاطع المش ...


المزيد.....




- دعوات فلسطينية واسعة للنفير إلى المسجد الأقصى غدا رفضا للاعت ...
- وزير خارجية التشيك يشعل الجدل: -أمن بلادنا مرتبط بغياب المها ...
- -المقاومة الإسلامية في العراق- ترصد مكافأة 10 ملايين دولار ل ...
- جون إسبوسيتو.. رحيل الرجل الذي خرج من الدير ليفسر الإسلام لل ...
- مستشار ومساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: الجريمة الأخي ...
- ائتلاف نتنياهو الحاكم يطلب إغلاق المسجد الأقصى أمام المسلمين ...
- وزراء وأعضاء بالكنيست: يجب إغلاق المسجد الأقصى أمام العرب
- -لا مهاجرين من دول إسلامية-.. وزير خارجية التشيك يطمئن إسرائ ...
- السيد الحوثي: يراد لشعوبنا العربية والإسلامية أن تكون هذه ا ...
- السيد الحوثي: دور المقاومة عظيم في لبنان وهو يشرف الأمة العر ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضاري عالمي إلى طقوس فارغة.