أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - حياة مليئة بتفاصيل لاتعني القائد














المزيد.....

حياة مليئة بتفاصيل لاتعني القائد


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


حياة مليئة بتفاصيل لاتعني القائد

١/ البطارية

في اليوم الثالث، أصبحت نسبة الشحن جزءاً من شخصيتي، لم أعد أقول إني متعب أو خائف؛ صرت أقول إن بطاريتي عند سبعة عشر بالمئة،حين انخفضت إلى خمسة بالمئة، جلس قرب أشخاص غرباء تجمعوا حول مقبس كهرباء واحد، خلال ساعات الانتظار الطويلة تعارفنا، تشاجرنا، تبادلنا الأخبار، وتقاسمنا البسكويت اليابس ،بعد قليل انقطع التيار، نهض الجميع بصمت، كما لو أن الاجتماع انتهى رسمياً.فكّرت أن الحضارات القديمة لا بد أنها قامت حول الأنهار، أما هذه الحضارة الجديدة فقد قامت حول أسلاك التمديد.

٢/الطحين

أصبح الطحين مادة فلسفية، لم يعد أحد يتحدث عن مذاقه أو جودته، السؤال الوحيد كان: هل سيصل أم لا؟
وقفت في الطابور ست ساعات ، خلال الساعات الست تغيّرت أخبار العالم مرات عديدة، لكن الكيس الأبيض ظل بعيداً بالمقدار نفسه، عندما عدت إلى الخيمة بنصف كيس، استقبلني الناس كما لو أني عدت من رحلة استكشافية،
في الليل، جلست أنفض الغبار عن ثيابي، لم أكن متأكداً إن كان ما يغطيني تراباً أم طحيناً،وفكّرت أن الفرق بين الاثنين صار ترفاً لغوياً.

٣/الصابون

بعد أسابيع، استعملت المرأة آخر قطعة صابون ، قسّمتها بسكين إلى أجزاء صغيرة، كأنها توزّع إرثاً عائلياً،ضحك ابنها وسألها إن كانت تخشى أن ينفد الصابون من العالم كله،أجابته بأنها لا تخشى ذلك،كانت تخشى فقط أن يعتاد الإنسان على فكرة أنه لا يحتاج إلى أن يكون نظيفاً،في المساء، غسل الطفل يديه بعناية مبالغ فيها، كما لو أنه يؤدي طقساً دينياً قديماً لا يفهم معناه تماماً.

٤./الأحذية

اكتشفت أن حذائي تآكل،كانت هذه مشكلة سخيفة إلى درجة أني خجلت من ذكرها أمام الآخرين. فهناك من فقد أقارب، ومن فقد منزلاً، أما انا فكنت أنظر إلى نعل حذائي،ومع ذلك، أمضيت ساعات ابحث عن خيط وإبرة، ليس لأن الحذاء مهم، بل لأن القدمين لا تفهمان الشعارات الكبرى، القدمان تطلبان شيئاً أبسط بكثير: ألّا تلمسا الأرض مباشرة.

٥/ النوم

في البداية كان الناس يسألون بعضهم: "هل نمت جيداً؟"
ثم اختصروا السؤال إلى: "هل نمت؟"
وبعد فترة أطول، صار السؤال: "كم دقيقة؟"
بدأت أحسد أولئك الذين يملكون القدرة على الشخير، بدا لي الشخير موهبة أرستقراطية، من بقايا عالم قديم كان الناس فيه ينامون بعمق كافٍ ليزعج بعضهم بعضاً، أما الآن، فقد أصبح النوم نفسه حدثاً عابراً، مثل زيارة قصيرة لا يضمن أحد موعدها.

٦/الماء الساخن

نسي الطفل شكل الماء الساخن، حين سمع الكبار يتحدثون عنه،تخيله مادة فاخرة، مثل الذهب أو الألماس،شرحوا له أن الماء كان يخرج أحياناً من الصنبور دافئاً من دون جهد يُذكر ، ضحك الطفل،ظنّ أنهم يمزحون ، وللمرة الأولى، أدرك الكبار أنهم صاروا يروون حياتهم السابقة بالطريقة نفسها التي تُروى بها الأساطير.

٧/ الرسائل

كل مساء، كنت أمسح الصور القديمة من هاتفي لأصنع مساحة لصور جديدة، بعد شهر، اكتشفت أني صرت أحذف أعياد الميلاد والرحلات والوجوه المبتسمة كي احتفظ بصور الوثائق وأماكن النزوح وأرقام الهواتف.نظرت إلى الشاشة طويلاً، بدت لي الذاكرة كخزان ماء صغير: كلما امتلأ بشيء، اضطر إلى التخلي عن شيء آخر ، وكان أسوأ ما في الأمر أني لم أعد أعرف أيّ الأشياء يستحق البقاء.

٨/الطبخ

احتاج إعداد العدس إلى ساعة كاملة، ليس بسبب الوصفة، بل بسبب البحث عن الماء والوقود والوعاء المناسب ، حين انتهى الطعام، أكله الجميع بسرعة، لم يعلّق أحد على الطعم بدا ذلك لي ظلماً كبيراً. أمضت البشرية آلاف السنين تطور فن الطبخ، ثم جاءت الحرب واختزلته إلى سؤال واحد:هل يمكن أكله؟

٩/التقويم

احتفظت المرأة بتقويم العام على الرغم من أن الأيام فقدت شكلها،كل ليلة كانت تشطب يوماً جديداً،لم تفعل ذلك لتنظيم وقتها، بل كي تتأكد أن الزمن نفسه لم يتوقف.في أحد الأيام، اكتشفت أنها أخطأت في العد، حاولت إصلاح الأمر، ثم تركته كما هو، ففي مكان كهذا، لم يعد أحد يعرف إن كان يعيش يوم الثلاثاء أم يعيد الاثنين للمرة الخامسة.

١٠/النص

كان من المفترض أن تكون هذه القصة عن النجاة، لكنها انشغلت بالبطاريات والطحين والصابون والأحذية، وهذا ليس خطأً في الكتابة.الخطأ الحقيقي أن الإنسان، عندما تُنتزع منه الأشياء الصغيرة التي تنظّم حياته، لا يموت دفعة واحدة ولا يتحول إلى بطل تراجيدي، إنه يقضي أيامه باحثاً عن شاحن، أو عن ماء ساخن، أو عن مكان يجلس فيه عشر دقائق ، ثم يأتي شخص بعيد، ينظر إلى كل ذلك، ويسأل عن "الصورة الكبرى"، ولا يفهم أن الصورة الكبرى كانت، منذ البداية، هذه التفاصيل نفسها.



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفاصيل إنسانية قتلها القائد
- هولوغرام الأوهام
- بطولات زائفة
- الحياة مفاوضات
- ما ال...الا صبر ساعة
- جبل المحامل الفلسطيني
- اوسمة لا تطعم جائعًا
- ما بين المقابر والمقاعد
- وجه بويا وورنيش!
- فالج لا تعالج!
- قيادة لا تكبر او تشيخ
- الأرقام لا تبكي!
- بروفة نهايتي
- الدليل الرسمي لتعويض البشر
- اعتذار:انتهى الدرس يا غبي
- اختفائي وتبخر الحنين
- لجوء وهوية لا تندثر/1
- لجوء وهوية لا تندثر/2
- إقامة مؤقتة
- لاجئ من المهد الى اللحد


المزيد.....




- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...
- لقاء بوتين ونيقولاييف: ياقوتيا توسّع حضورها الثقافي بمشاريع ...
- زاخاروفا: روسيا تحافظ على إرث الثقافة الغربية باعتباره جزءا ...
- المصور الفلسطيني فايز أبو رميلة يشارك في مهرجان البندقية الس ...
- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
- مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - حياة مليئة بتفاصيل لاتعني القائد