أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - ما ال...الا صبر ساعة














المزيد.....

ما ال...الا صبر ساعة


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 11:10
المحور: الادب والفن
    


١/الخبز

استيقظ قبل الفجر ليقف في الطابور، كان الطابور أطول من الشارع نفسه، وأقدم من بعض الأطفال الواقفين فيه ،فوق الرؤوس كانت العبارات الكبيرة تتطاير: الصمود، الكرامة، النصر، التاريخ، أما هو فكان يفكر في شيء أقل شأناً بكثير: رغيفان يكفيان حتى المساء، بعد أربع ساعات وصل دوره، لم يبقَ سوى نصف الكمية، أخذ حصته وعاد مسرعاً، شاعراً بأنه حقق إنجازاً صغيراً لا يليق باللغة التي تتحدث بها البيانات.في الطريق سمع أحدهم يخطب عن التضحية الكبرى نظر إلى رغيف الخبز بين يديه وخاف عليه أكثر مما خاف على نفسه.

٢/الخيمة

كانت الخيمة تحمل اسماً بطول صفحة كاملة: مركز الإيواء المؤقت للصامدين والثابتين في وجه الابادة، لكن المطر كان يدخل إليها من الجهات الأربع ، كل ليلة، كانت المرأة تقضي ساعة في نقل الأغطية بعيداً عن الماء، وساعة أخرى في تهدئة الأطفال، ثم تسمع في الهاتف خطاباً جديداً عن البطولة، كانت تتساءل، من دون غضب تقريباً، إن كانت البطولة تعرف كيف تجفف البطانيات.
في الصباح، علّقت الملابس المبتلة على الحبل، ثم عادت إلى الحياة العادية: البحث عن الماء، والخبز، ومكان تجلس فيه دقائق بلا خوف.

٣/البيان

صدر بيان جديد ، قال البيان إن الناس صامدين، وإن الإرادة لا تُهزم، وإن الأيام المقبلة تحمل بشائر كثيرة، قرأت البيان مرتين، ثم قلبت الورقة بحثاً عن مواعيد توزيع الطعام،لم أجد شيئاً، في المساء استعملت الورقة لإشعال نار صغيرة كي أسخّن علبة فاصولياء ، كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن البيان قدّم لي خدمة حقيقية.

٤/المدرسة

تحولت المدرسة إلى ملجأ، جلس الطفل في الصف الذي كان يتعلم فيه الحساب، لم تعد هناك سبورة ولا كتب ولا معلم، بقيت فقط الطاولات والأسماء المحفورة عليها، سمع الكبار يتحدثون عن المستقبل، وعن الوطن، وعن الخرائط ، أما هو فكان يحاول أن يتذكر أين ترك حقيبته الزرقاء، لم يفهم لماذا يتحدث الجميع عن السنوات القادمة، بينما صار العثور على قلم مفقود مهمة مستحيلة.

٥/الرجل المهم

وصل رجل ملثم مع كاميرات كثيرة، تحدث طويلاً عن الصمود الأسطوري، وعن إرادة الشعب، وعن المعركة الكبرى. هز الجميع رؤوسهم بصمت ، في آخر الزيارة، اقتربت منه امرأة وسألته إن كان يعرف مكاناً يمكن أن تجد فيه حليباً لطفلتها، نظر حوله مرتبكاً، ثم رفع راية النصر وغادر، بقيت الكاميرات دقيقة إضافية، ثم اختفت هي أيضاً، أما المرأة، فعادت لتسأل الجيران.

٦/ الأخبار

كل مساء، كان العجوز يشاهد الأخبار من تلك القناة المليئة بالخطب الحماسية وبالمثلثات الحمراء والصفراء ، كانت الشاشة مليئة بالأسهم والخرائط والخبراء والكلمات الضخمة. لم يكن يفهم معظمها، لكنه كان ينتظر شيئاً واحداً فقط: أن يذكر أحد اسم الحي الذي جاء منه، لم يذكره أحد، في النهاية أغلق التلفاز وجلس في الظلام، شعر بأن المذيعين يتحدثون عن مكان آخر تماماً، مكان تُقاس مآسيه بالأرقام، لا بعدد الوجوه التي اختفت من المائدة.

٧/الطفل

حفظ الطفل الشعارات كلها، رددها كما يردد دروس المدرسة القديمة،كان يعرف متى يصفق الكبار ومتى يصمتون، لكنه في الليل كان يسأل سؤالاً واحداً فقط:متى سننام في غرفة لها باب؟، لم يعرف أحد كيف يجيبه.كانت كل الإجابات الكبيرة أصغر من السؤال.

٨. المؤقت

كل شيء أصبح مؤقتاً: النوم، الطعام، البيوت، المدارس، وحتى الحزن ، قيل للناس إن هذه المرحلة عابرة، وان النصر ليس إلا صبر ساعة ، مرت الشهور، صار المؤقت قديماً ومتهالكاً، لكنه بقي يحمل اسمه الأول.بدأ الرجل يشك في أن الأشياء المؤقتة هي وحدها التي تدوم.

٩/الصورة

التقط شاب صورة لنفسه أمام الركام،طلب منه أحدهم أن يبتسم كي تبدو الصورة رمزاً للأمل ، حاول أن يفعل ذلك، لكنه تذكر أن والدته ما زالت تبحث عن أوانٍ للطبخ، وأن أخاه يقف في طابور الماء، خرجت الابتسامة باهتة ومتعبة، مع ذلك، انتشرت الصورة بسرعة، وأصبحت مثالاً على الصمود، أما الشاب، فقضى بقية النهار يبحث عن بطارية لهاتفه.

١٠/الأشياء الصغيرة

بعد أشهر طويلة، لم يعد الرجل يفكر كثيراً في السياسة أو الشعارات أو الخطب ، صار يفكر في أشياء أصغر بكثير: كوب شاي ساخن، حذاء غير ممزق، ليلة بلا أصوات مفاجئة، وسادة نظيفة، نافذة تطل على شارع عادي، أدهشه أن الكارثة لا تسلب الإنسان أحلامه الكبيرة أولاً، بل تسلبه تلك الأشياء الصغيرة التي لم يكن يلاحظها من قبل، وعندما يسمع أحداً يتحدث عن المجد والتاريخ، يهز رأسه باحترام، ثم يعود إلى مهمته الأساسية:أن يجد ما يكفي من الخبز ليوم آخر.



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جبل المحامل الفلسطيني
- اوسمة لا تطعم جائعًا
- ما بين المقابر والمقاعد
- وجه بويا وورنيش!
- فالج لا تعالج!
- قيادة لا تكبر او تشيخ
- الأرقام لا تبكي!
- بروفة نهايتي
- الدليل الرسمي لتعويض البشر
- اعتذار:انتهى الدرس يا غبي
- اختفائي وتبخر الحنين
- لجوء وهوية لا تندثر/1
- لجوء وهوية لا تندثر/2
- إقامة مؤقتة
- لاجئ من المهد الى اللحد
- قوائم الجوائز
- سبعة وجوه ضائعة
- العدو من أمامكم والبحر من خلفكم*
- انتصارات لا تتوقف
- انا بهنيك


المزيد.....




- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...
- تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي ( ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - ما ال...الا صبر ساعة