أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - الحياة مفاوضات














المزيد.....

الحياة مفاوضات


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 02:10
المحور: الادب والفن
    


1/ الخزان
عرفوه سنوات طويلة بوصفه صاحب الخطب الحماسية، كان يحفظ أسماء القرى والقتلى والشعارات التي تبدأ بكلمة "إلى الأمام"،الآن صار يحفظ مواعيد وصول صهريج الماء، في الصباح وقف مع عشرات الرجال حول الخزان البلاستيكي، يحمل بيده دلوًا متشققًا، لم يعترف به أحد، حتى الشاب الذي كان يصفق له في الساحات سأله:
ـ من آخر الواقفين؟
أشار إلى آخر الطابور، بعد ثلاث ساعات، نفد الماء.
احتج الناس قليلًا، ثم تفرقوا.
بقي الرجل واقفًا في مكانه، كأنه ينتظر خطابًا جديدًا.
اقترب منه طفل وسأله: هل كنت قائدًا فعلًا؟
نظر إلى الدلو الفارغ وقال:لا أعرف.
أخذ الطفل الدلو منه وركله بقدمه،
تدحرج بعيدًا حتى استقر تحت لافتة كبيرة كتب عليها: "المجد لا يموت".

2/ السيرة الذاتية
جلست أكتب سيرتي الذاتية للمرة الألف ، في خانة الخبرات، كتبت:
_"شاركت في مظاهرات"شطبتها.
-"نجوت من حصارين."
شطبتها.
-كتبت آلاف المقالات عن الثورة والوطن " .شطبتها.
تركت الصفحة بيضاء، ثم أضفت:"أجيد حمل الانكسارات الثقيلة".قرأتها مرات عدة وشعرت بأنها الجملة الأكثر صدقًا في حياتي.في اليوم التالي ذهبت إلى صاحب المستودع،تفحص الرجل الورقة وسألني:هل لديك خبرة سابقة؟
هززت رأسي بالإيجاب.
ـ في ماذا؟
طويت السيرة ووضعتها في جيبي وقلت:
ـ في الأشياء التي لم تعد مطلوبة.

3. المرحاض
في المخيم لم يبقَ سوى مرحاض واحد صالح للاستعمال،وقف الناس في صف طويل منذ الفجر.
كن في المنتصف، أحمل تحت إبطي كتابًا صغيرًا عن التحرر الوطني، احتفظت به من زمن بعيد لأن أحدًا لم يشتره تحرك الصف ببطء، عند الظهيرة، بدأ الناس يتجادلون ، عند العصر، بدأت الشتائم.وقبل أن يصل دوري بدقائق، انهار الباب،نظر الجميع إلى الحفرة الصامتة أغلقت الكتاب ووضعته فوق الركام كي لا تطيره الريح ، قرأت العنوان للمرة الأخيرة ، ثم سألت إن كان لدى أحدهم لوح خشب ومسمارين.

4/ البدلة

احتفظت ببدلتي القديمة داخل كيس أسود،كانت البدلة نفسها التي ارتديتها يوم وقفت على منصة مرتفعة وأعلنت أن زمن الذل انتهى،أخرجتها في إحدى الليالي الباردة ،وجدت أن العثة أكلت الأكمام وتركت الشارة المعدنية معلقة في مكانها ،ارتديتها رغم ذلك، ونزلت أبحث عن عمل ، نظر إلي صاحب الورشة طويلًا، ثم قال: الثياب أنيقة، لكننا نحتاج إلى من يحمل الإسمنت.
خلعت سترتي فورًا،وقبل أن أبدأ العمل، طلب صاحب الورشة قطعة قماش ليمسح بها الزيت عن الأرض،ظللت واقفًا لحظة،ثم سلّمته السترة.

5/الاجتماع الأخير

اجتمع الرجال في الخيمة الضيقة لمناقشة الوضع:
-تكلم الأول عن التاريخ.
تكلم الثاني عن التضحيات.
تكلم الثالث عن المؤامرات.
أما انا ، فظللت أنظر إلى سقف الخيمة المهترئ والممزق الذي يدخل منه الهواء والمطر ،بعد ساعتين، اتفق الجميع على صياغة بيان شديد اللهجة.
سألني أحدهم:ما رأيك؟
أشرت إلى السقف،كان المطر يتسرب فوق الطاولة مباشرة.
قلت: أقترح شراء دلو ، سجلوا اقتراحي في المحضر تحت بند:"أمور ثانوية".

6/الصورة القديمة

وجدت صورتي القديمة في هاتف مستعمل اشتريته بثمن زهيد،
كنت أصغر سنًا، أرفع قبضتي في ساحة مكتظة ، كبرت الصورة مرات عدة، لاحظت أن معظم الوجوه اختفت الآن: بعضهم مات، بعضهم هاجر، وبعضهم صار يبيع السجائر، أما انا فكنت جالسًا في زاوية الخيمة، أحاول التقاط إشارة الإنترنت المجانية القادمة من المقهى المجاور،
أرسلت الصورة إلى صديق قديم،
جاءالرد بعد دقائق:"من الشخص الذي يرتدي كوفية؟"
لم أكن أرتدي كوفية فلم تكن موضة المناضلين في تلك الأيام .

7/الحياة مفاوضات
تحدثت طويلًا عن العدالة حتى جف حلقي، في المساء عدت إلى خيمتي المهترئة،فتشت كل زواياها عن ما يسد جوعي، فلم اجد سوى قطعة خبز قاسية ، غمستها في الماء ، انتظرت، ثم غمستها مرة أخرى وانتظرت ، جلست قبالتها كما لو أني أجري مفاوضات شاقة، بعد ساعة، بقي الخبز على حاله ، أما انا ، فكنت أكثر ليونة بقليل.

8/ النصب التذكاري

قرر السكان بناء نصب تذكاري للشهداء ،جمعوا الحجارة ورتبوها في الساحة ، اقترحت بناء خزان ماء بدلًا من ذلك،لم يعجَبهم الاقتراح،قال شاب ملثم : إن الشعوب تحتاج إلى الرموز،اكتمل النصب بعد أسبوع،وفي الأسبوع التالي، جلس الأطفال في ظله لأن الشمس كانت حارقة ،وبعد شهر، بدأ الناس يستخدمون قاعدته لوضع عبوات المياه الفارغة.
وبحلول الشتاء، لم يبقَ من النصب سوى لافتة صغيرة كتب عليها:
" نصب الشهداء يُمنع رمي النفايات او الجلوس تحته".

9/البطولة اليومية
كنت أعتقد أن البطولة تعني عبور الحواجز والهروب من الرصاص،
لاحقًا اكتشف أنها تعني أشياء أخرى:
- أن أجد حذاءين بالمقاس نفسه.
-أن أصل إلى دوري قبل نفاد الطعام من التكية .
-أن انام ليلة كاملة من دون سعال او ضراط الجيران.
في الصباح، وقفت أمام المرآب المهدم حيث أعمل الآن،قال لي العامل الجديد:
ـ سمعت أنك كنت مناضلًا.
هززت كتفي وسألت:
ـ هل تعرف أين وضعوا المجرفة؟
لم يعرف العامل،قضينا ساعة كاملة نبحث عنها،في النهاية، وجدناها تحت اللافتة التي تحمل شعار الورشة:"معًا نبني المستقبل".

10/ الخطاب
في إحدى الأمسيات طلبوا مني أن أتحدث،لتهدئة الطابور الطويل الواقف على تكية الطعام
وقفت أمام خمسين شخصًا في مدرسة مهدمة ،سعلت قليلًا،
تذكرت الخطب القديمة، الكلمات الكبيرة، الوجوه التي كانت تنتظر مني أن اعدها بشيء.
ثم نظرت إلى الحاضرين:
-كان أحدهم بحمل طنجرة كبيرة
-وكان آخر يحاول التوازن حتى لا يسقط في الطين والوحل .
-وفي الزاوية، كان رجل يسأل بصوت خافت إن كان هناك مكان يقضي فيه حاجته.
اقتربت من المنصة الخشبية التي وضعت عليها قدور الطعام الضخمة ،وقلت:لا أعرف ماذا أقول.
صفق لي الجميع طويلًا ، كان ذلك أقصر خطاب، وأصدق انتصار حققته في حياتي.



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما ال...الا صبر ساعة
- جبل المحامل الفلسطيني
- اوسمة لا تطعم جائعًا
- ما بين المقابر والمقاعد
- وجه بويا وورنيش!
- فالج لا تعالج!
- قيادة لا تكبر او تشيخ
- الأرقام لا تبكي!
- بروفة نهايتي
- الدليل الرسمي لتعويض البشر
- اعتذار:انتهى الدرس يا غبي
- اختفائي وتبخر الحنين
- لجوء وهوية لا تندثر/1
- لجوء وهوية لا تندثر/2
- إقامة مؤقتة
- لاجئ من المهد الى اللحد
- قوائم الجوائز
- سبعة وجوه ضائعة
- العدو من أمامكم والبحر من خلفكم*
- انتصارات لا تتوقف


المزيد.....




- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...
- تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي ( ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - الحياة مفاوضات