أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شوقية عروق منصور - حين تتكلم الجدران في بيت زهران














المزيد.....

حين تتكلم الجدران في بيت زهران


شوقية عروق منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 18:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا نرفض عالمنا القديم، لأنه الوثيقة والذاكرة والحكاية والرسائل التي تُرسل إلى صفحات التاريخ، وفي الحاضر هناك من يقوم باغتيال العالم القديم سعياً وراء هندسة العصر الحديث، فالماضي بالنسبة له قد يكون عبئاً لأنه يكشف الحقائق ويشير إلى الأكاذيب، لذلك يقوم بتمزيق الصفحات ويقوم بهدم المباني حتى يستطيع دفن كل شيء، ومع الزمن تموت الحكايات ويختفي العمران، لذلك يحاول الانسان جمع ذاكرته وذكرياته وأدواته وتراثه ووضعها في متحف يحفظ ماضيه، وكما كانوا يقولون " الذي ليس له ماضٍ ليس له حاضر" وبين الماضي والحاضر تبقى قراءة التاريخ رهينة بأيدي من يسجلون ويحفظون.
وانتشار المتاحف في العالم ليست فقط العناوين البارزة للسياحة والاهتمام بإقبال السياح، بل هي التأكيد على اعتزاز الدولة بماضيها وقدرتها على الاحتفاظ بتاريخها وذاكرتها وتقديمها للأجيال كصور تنبض بالفخر، وتعمل الدول على بقاء تلك المتاحف مضيئة ومتوهجة إنسانياً وتراثياً و سياحياً، وتتفنن في تجديد التوثيق، كأنها ترسل برقيات إلى باقي الشعوب تؤكد فيها " أن تاريخنا أفضل " .
من المعروف أن الحروب لا تتم عبر الأسلحة فقط، هناك وراء الكواليس، خلف الأبواب من يراقب ويسجل ويفرض ويقوم بتزوير الصفحات والعقود والمواثيق، خاصة في زمن الاحتلال والاستعمار والسيطرة بالقوة على تاريخ الدولة والعبث في الصفحات وتلويثها وتشويهها، ولكن في المقابل هناك من يقف ويقرر المواجهة ويحافظ على الجدران التي ما زالت صامدة رغم التدمير والاهمال، تحمل في عمق طينها وجوهاً و أصواتاً تشق الفضاء، في المقابل أيضاً هناك من يحاول الوقوف في زمن أعرج، و يصر على الركض بسرعة لعله يلحق باص التغييرو يدفن الماضي.
بين صمود الطين وباص التغيير مسافات تقيسها الشعوب، والشعب الفلسطيني يقيس الطين بمقياس المفاتيح والذاكرة ، وأحياناً يركب باص التغيير ويكون السائق حاملاً راية الانطلاق "دع الماضي نائماً " .
في مدينة " رام الله " في البلدة القديمة - قرب ميدان المنارة " دار زهران " أو "متحف زهران" مبنى تاريخي يزيد عمره على 250 عامًا، كان منزلاً لإحدى العائلات العريقة في المدينة حيث كان جدهم مختاراً وجيهاً وأسمه ما زال محفوراً مزهراً في ذاكرة الأجيال، وقد قرر أحد أبناء العائلة " زهران زهران" تحويل المنزل الكبير بطوابقه وأجنحته المتعددة إلى متحف يضم مقتنيات تراثية من أثواب وأدوات منزلية فلسطينية قديمة إلى جانب لوحات فنية لرسامين فلسطينيين أهدوا المتحف لوحاتهم مثل " إسماعيل شموط وتمام الأكحل " .
من يتأمل الحيطان والأقواس والبلاط والدرج في " بيت زهران " يشعر أنها تهمس ثم تبكي بحنين وهي تحكي حكايات الناس الذين كانوا وعاشوا وناموا واستيقظوا على رحيل ، وبين الرحيل والرحيل كانت العائلات تبحث عن هدوء يحضن أحلامهم .
قد يحاول البعض تزييف التاريخ، لكن من رابع المستحيلات تزوير الحجارة والحيطان وروح الغبار المتواجد على الأسقف والمتشبث في الثقوب التي خرقت الحجارة، كأن الغبار يسخر قائلاً : أن التاريخ يجلس مطمئناً فهناك من يهتم به ويرعاه، عدا عن طريقة البناء التي هي لغة خاصة يتقنها فقط الشعب الفلسطيني، ومثلما قال كاتبنا " غسان كنفاني خيمة عن خيمة تفرق ، نحن نقول حيطان عن حيطان تفرق " .
الشاب " زهران زهران" يسير مع الأمل والطموح، من أحلامه مستقبلاً سيقوم بافتتاح الطابق الأعلى والذي سيكون مكتبة تضم مئات الكتب النادرة التي تتحدث عن فلسطين قبل عام 1948 ، ويأمل بأن يتحول المتحف إلى عنوان أكبر للمدينة، بحيث يصبح المتحف محطة تاريخية هامة للزائر، مع دعم من الجهات الثقافية، وأن لا يبقى يصارع الميزانية لوحده في واقع احتلالي يحاول تغيير بوصلة التاريخ .
ولا أدري كيف يمكن لأي جهة فلسطينية سواءً ثقافية اجتماعية سياسية ترك هذا البناء القديم بكامل تدفقه التاريخي دون أن تحمله وتضعه على صدر الاهتمام .
نعيش في زمن يسلخون فيه جلودنا، فكيف بالأبنية القديمة التي تتعرض للهدم أو للتشويه والتغيير، مع كل هدم نهدم حكايتنا وتختفي وجوهنا ، وسنكتشف يوماً أننا لا نملك إلا البكاء.
وكانت المفاجأة لي أن الباحثة الفلسطينية الدكتورة " ياسمين زهران " التي عملت خبيرة في منظمة اليونسكو وأسهمت في تأسيس عهد الآثار في جامعة القدس ، وقد اهتمت بتوثيق الذاكرة الفلسطينية ولا سيما عن مدينة رام الله، وذلك من خلال كتبها و اشهرهم " رام الله التي كانت " والكتاب ليس مجرد سرد تاريخي لمدينة رام الله بل الكاتبة " ياسمين زهران" تستعيد الحياة سابقاً كما عاش أهلها وقد أشارت الكاتبة إلى التحولات الكبرى التي شهدتها مدينة رام الله القديمة قبل النكبة وما تلاها من تغييرات، وأكدت على أهمية الذاكرة بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية وكذلك أثر الانتداب البريطاني وانعكاسات نكبة 1948 . لقد وصفت الكاتبة في كتابها العلاقات بين العائلات في رام الله والتضامن الاجتماعي والسياسي والمناسبات كالزواج والأعياد والجنائز والمناهج التعليمية في المدارس والعادات والتقاليد ودور التعليم في تشكيل النخبة والوعي ، وابرزت ارتباط الانسان الفلسطيني بمدينته وبيته وأرضه، وتكريماً لإسهاماتها أطلقت بلدية رام الله اسمها على أحد شوارع المدينة عام 2017 .
ويبقى " بيت زهران" أو المتحف الذي يحمل بين جدرانه حكايات الناس الذين كانوا وحيداً في ليل الصمت، على الرصيف المقابل هناك إشارة ضوئية حديثة تقول" قف"
وتشير بإصبعها الحديدي إلى " دار زهران " .



#شوقية_عروق_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مريم بين الناصرة ورام الله
- رأيت رام الله
- أحذية الخليل بين المداهمة والتقليد
- سارة فلاتر ... أزمة الأرشيف الوطني
- يعيش الفلسطيني بين الخزان وسيارة حاوية القمامة
- شهر رمضان يرتدي ثياب شبكات التواصل الاجتماعي
- امرأة وامرأة وبينهما سمكة
- الحر والثيران الهائجة
- في الزمن الغزي زجاجات مليئة بالتضامن ورمي صناديق من الفضاء
- - غزة الصراخ والصمت -
- حمير غزة إلى باريس
- مسرحية نوبل للسلام
- في الزمن الغزي - الجوع كافر - واليد تلوح
- ليلة بدون تصريح
- حسن وفاطمة من غزة
- بين ربطة العنق مسافة من الرعب والقلق
- محمود يصيح - كيف سأعانقك -؟
- غزة بين الرأس الطائر والحرامات الملونة
- في غزة ... جمجمة بين الشيخ والرضيع
- بوعزيزي الفلسطيني وجمل المحامل


المزيد.....




- وزير دفاع أوكرانيا السابق يتولى منصب مستشار بوزارة الدفاع ال ...
- رحلة علاج ليمنيتين في مصر تتحول إلى جريمة بشعة
- خامنئي يحذر مسؤولي بلاده من أي -تصريحات محبطة ?تضعف ?المعنوي ...
- أزمة هرمز.. شروط إيران تستفز ترامب
- خبير في إدارة الكوارث: عدة كوارث اجتمعت في فاجعة النيبال وتُ ...
- مئات القتلى والمفقودين جراء فيضانات نيبال والتبت وفرق الإنقا ...
- تقارير تتحدث عن عقد إيجار لمئة عام.. واشنطن تضع اللمسات الأخ ...
- -بصمة في المحتوى العربي-.. تركي آل الشيخ يعلن انتهاء تصوير م ...
- واشنطن تشدّد الخناق على إيران: حددنا شبكات تستخدمها لتهريب ا ...
- تحليل ـ القاصرون يهزمون ميتا في تسوية قضائية غير مسبوقة!


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - شوقية عروق منصور - حين تتكلم الجدران في بيت زهران