أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً














المزيد.....

في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السابع من تشرين الأول من كل عام، تستحضر الذاكرة السورية ذكرى اغتيال المناضل مشعل التمو، أحد أبرز الأصوات التي دفعت حياتها ثمناً لإيمانها العميق بسوريا الحرية والكرامة ، وبعد اكثر من أربعة عشر عاماً على رحيله، لم تعد استعادته مجرد وفاء لذكرى شخصية وطنية، بل أصبحت ضرورة فكرية وسياسية تفرضها التحولات العاصفة التي تشهدها البلاد، وما رافقها من اضطراب في الرؤية، وتراجع في الخطاب الوطني الجامع، وانحسار للقيم التي ناضل من أجلها.
لم يكن مشعل تمو سياسياً تقليدياً، ولا زعيماً حزبياً أسير الحسابات الضيقة، بل كان صاحب مشروع يتجاوز حدود التنظيمات والانتماءات المغلقة. آمن منذ وقت مبكر بأن القضية الكردية ليست قضية فئة أو مكون ، وإنما هي قضية الشعب السوري بأسره ، وأن الاعتراف بالحقوق القومية الكردية لا يتناقض مع وحدة البلاد، بل يشكّل أحد شروط استقرارها وبناء عقدها الوطني الجديد. لذلك كان يرى أن الحرية قيمة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حقوق الكرد هو في جوهره دفاع عن حق جميع السوريين في المواطنة والعدالة والديمقراطية.
تميّز التمو بقدرته على الجمع بين الانتماء القومي والانفتاح الوطني، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في مقاربة الواقع. لم يقع في أسر الخطابات الشعبوية، ولم ينجرف نحو دعوات العنف أو الكراهية، بل اختار طريق النضال السلمي، مؤمناً بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الوعي، وأن التغيير الحقيقي لا تصنعه البنادق وحدها، بل أيضاً الأفكار الحرة والضمائر الحية والإرادة الشعبية.
امتلك التمّو حساً نقدياً نادراً، جعله ينظر إلى السياسة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صراعاً على السلطة. لذلك لم يكن أسير الاصطفافات، ولم يتردد في مراجعة المواقف أو نقد الأخطاء، سواء صدرت عن خصومه أو عن شركائه. ومن هنا اكتسب حضوره فرادته؛ إذ استطاع أن يقدّم نموذجاً للمناضل الذي يوازن بين الواقعية السياسية والالتزام بالمبادئ، دون أن يفرّط بأي منهما.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المشروع الذي حمله لم يجد من يحافظ عليه بعد رحيله. فما إن غاب الرجل حتى تفرقت الدروب التي كان يسعى إلى توحيدها، وتنازع كثير ممن رفعوا اسمه على خلافات صغيرة ومصالح متعارضة، حتى بدا وكأنهم ابتعدوا عن جوهر أفكاره أكثر مما اقتربوا منها ، وتحوّل الإرث الذي أراده مساحة للحوار والشراكة إلى مادة للاستقطاب والانقسام، فضاعت البوصلة التي ظل يدافع عنها حتى لحظاته الأخيرة.
ولعل أخطر ما أصاب هذا الإرث أنه تعرض للاختزال. فقد جرى استحضار مشعل التمو بوصفه رمزاً عاطفياً أكثر منه مشروعاً فكرياً، بينما بقيت أفكاره النقدية ورؤيته الوطنية خارج دائرة المراجعة الجدية ، وهكذا تحولت ذكراه، في كثير من الأحيان، إلى مناسبة للاحتفاء بالشخص، لا لإحياء القيم التي استشهد من أجلها.
إن استعادة مشعل التمو لا تعني إعادة إنتاج الماضي أو الوقوف عند حدود الحنين، وإنما تعني إعادة الاعتبار لمنهجه في التفكير والعمل. إنها دعوة إلى مراجعة التجربة السياسية الكردية والسورية بعين ناقدة، وإلى التحرر من العصبيات الحزبية، واستعادة الإيمان بأن السياسة ليست إدارة للخلافات فحسب، بل بناء لمساحات التوافق وصناعة للأمل المشترك.
إنها أيضاً دعوة لاستعادة صورة المناضل الذي ينتمي إلى شعبه دون أن ينغلق عليه، ويتمسك بحقوق قومه دون أن يعادي شركاءه في الوطن، ويؤمن بأن الديمقراطية لا تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل، وأن قوة أي مشروع سياسي تُقاس بقدرته على احتضان التنوع لا بإلغائه.
في الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله، يبدو السؤال الذي تركه مشعل التمو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل بقي من مشروعه ما يستحق أن يُبنى عليه، أم أننا اكتفينا بتخليد صورته وتركنا أفكاره تتآكل في زحام الصراعات؟
لقد اغتيل الجسد، لكن الفكرة لم تُغتل ، وما دام السوريون يبحثون عن دولة تقوم على المواطنة والعدالة والتعددية، فإن مشروع مشعل تمو سيظل حاضراً بوصفه أحد أكثر المشاريع الوطنية قدرة على مخاطبة المستقبل. أما الوفاء الحقيقي له، فلا يكون بإحياء ذكراه مرة كل عام، بل بإحياء روحه النقدية، وشجاعته الأخلاقية، وإيمانه العميق بأن سوريا لا يمكن أن تنهض إلا بجميع أبنائها، وأن الوطن الذي يتسع للجميع هو وحده الوطن القادر على البقاء.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البارزانية: -رأس المال الرمزي- للأمة الكردية
- كلمة في التجمع الاحتجاجي في مدينة قامشلو ضد سوء الأوضاع الاق ...
- المجلس الوطني الكردي: ضرورة التجديد ورهان الممارسة السياسية؟
- سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟


المزيد.....




- أمريكا تتوقع إعلان إيران فتح مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة.. ...
- تحقيق لـCNN: صور أقمار صناعية جديدة تكشف احتمال قيام إيران ب ...
- ترامب يهدد بإبادة إيران بالكامل في حال استهدافه
- الاستخبارات الوطنية الأمريكية تبدأ موجة جديدة من تقليص الوظا ...
- مساعد بوتين: يتزايد دور القوة البحرية في العالم اليوم بوتيرة ...
- قتيل بهجمات أوكرانية على سفن في بحر آزوف
- الدفاع الروسية: استهدفنا بضربات جماعية ليلا مواقع مرتبطة بال ...
- معلقا على العقوبات الأمريكية الأخيرة.. عراقجي: الحل يكمن في ...
- -رويترز-: تصنيع صواريخ -باتريوت- سيتم في ألمانيا وقد ينقل إل ...
- مباشر- ترامب: الولايات المتحدة -ستبيد بالكامل- إيران إذا تم ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - في ضرورة استعادة مشعل التمو فكرياً وسياسياً