أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ














المزيد.....

نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 13:08
المحور: الادب والفن
    


لم تكن المناهج النقديّة الكبرى التي عرفها القرن العشرون مجرّد طرائق مختلفة لقراءة النصوص، إنّما كانت تعبيرًا عن تحولات أعمق في مفهوم المعرفة الإنسانيّة. فالنقد التاريخيّ ارتبط بصعود الوعي التاريخيّ في القرن التاسع عشر، والبنيويّة كانت ثمرة التحوّل اللغويّ الذي أعاد النظر في بنية العلامة والنسق، أمّا التفكيكيّة فقد جاءت في سياق نقد المركزيات الفلسفيّة واللغويّة التي حكمت الفكر الغربيّ الحديث. ومن ثم، فإنّ كلّ تحوّل منهجيّ في النقد الأدبيّ كان في جوهره انعكاسًا لتحوّل إبستمولوجيّ أوسع.
وانطلاقًا من هذا المنظور، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ لا ينبغي أن يقرأ باعتباره تقنيّة جديدة تضاف إلى أدوات الناقد، لكن بوصفه أحد تجليات التحوّل المعرفيّ الذي يشهده العالم المعاصر. وهذا ما يدفعنا إلى إعادة النظر في السؤال التقليديّ: ما وظيفة النقد الأدبيّ؟ فالسؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: كيف ينتج النقد معرفته في عصر أصبحت فيه الخوارزميات شريكًا في معالجة اللغة وتحليل البيانات؟
إنّ أهميّة هذا السؤال لا تكمن في طابعه التقنيّ، إنّما في نتائجه الفلسفيّة. فإذا كانت المعرفة النقديّة تقوم، منذ نشأتها، على فعل القراءة والتفسير، فإنّ دخول الخوارزميات إلى هذا المجال يفرض إعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والأداة، وبين التحليل والتأويل، وبين الإنسان والآلة.
ومن هنا، فإنّ هذا المقال لا يدافع عن استبدال الناقد بالخوارزميّة، ولا عن الاكتفاء بالأدوات الرقميّة، بل يقترح أن التحوّل الحقيقيّ يقع في إعادة توزيع الوظائف المعرفيّة داخل العمليّة النقديّة. فالخوارزميّة توسع مجال الرصد والتحليل، لكنّها لا تلغي الحاجة إلى الوعي التأويليّ الذي يمنح النصّ معناه داخل سياقه التاريخيّ والثقافيّ والجماليّ.
يستخدم مفهوم "التحوّل الإبستمولوجي" كثيرًا في الدراسات المعاصرة، لكنّه يستعمل أحيانًا للدلالة على أيّ تغيير في الوسائل أو المناهج، وهو استعمال يفتقر إلى الدقّة. فالإبستمولوجيا لا تعنى بالأدوات في ذاتها، وإنّما تدرس الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، والأسس التي تقوم عليها، وحدود صلاحيتها.
وعندما نصف ما يحدث اليوم بأنّه تحوّل إبستمولوجي، فإنّنا لا نعني أنّ الناقد صار يستخدم الحاسوب أو قواعد البيانات، وإنّما نعني أنّ شروط إنتاج المعرفة النقديّة نفسها قد تبدلت. فلم يعد النصّ هو المصدر الوحيد للمعرفة، بل أصبحت البيانات المحيطة بالنصّ، وسياقات تداوله، وشبكات التفاعل معه، عناصر تدخل في بناء الفهم النقديّ.
ومن ثمّ، فإنّ الانتقال إلى البيئة الرقميّة لم يغيّر موضوع النقد، لكنّه غيّر أفقه المعرفيّ. وهذه التفرقة ستكون حجر الزاوية في النظرية التي نقترحها.
هيمنت على النقد الحديث، باختلاف مدارسه، فكرة أنّ النصّ هو المركز الذي تدور حوله العمليّة النقديّة. فاختلفت المناهج في طريقة قراءة النصّ، لكنّها اتفقت غالبًا على أنّ النصّ هو الوحدة الأساسيّة للتحليل.
غير أنّ البيئة الرقميّة كشفت أنّ النصّ يعيش داخل شبكة من العلاقات: علاقته بالنصوص الأخرى، وبوسائط النشر، وبأنماط التلقي، وبالبيانات التي تنتج حوله. ولم يعد بالإمكان فهم العمل الأدبيّ فهمًا كاملًا إذا اقتصرنا على بنيته الداخليّة وحدها.
ولا يعني ذلك العودة إلى المناهج السياقيّة القديمة، إنّما الانتقال إلى تصوّر جديد يرى أنّ المعنى يتشكّل من تفاعل النصّ مع شبكاته المعرفيّة والثقافيّة. وهنا يصبح دور الناقد هو تحليل هذه العلاقات دون أن يفقد النصّ خصوصيته الجماليّة.
إنّ هذا التحوّل من "مركزيّة النصّ" إلى "مركزيّة العلاقة" لا يلغي منجزات البنيويّة أو السيميائيات، لكنّه يوسّع مجال اشتغالها، ويمنحها أدوات جديدة تسمح بقراءة النصّ في ضوء بيئته الرقميّة.
من السمات اللافتة للثقافة الرقميّة أنّها أعادت تعريف مفهوم إنتاج المعرفة. ففي النموذج التقليديّ، كان الباحث يعمل غالبًا في إطار فرديّ، مستندًا إلى مكتبته الخاصّة وإلى خبرته المباشرة بالنصوص. أمّا اليوم، فإنّ المعرفة تتشكّل داخل شبكات بحثيّة، وقواعد بيانات، ومختبرات رقميّة، وأدوات تحليل متقدّمة.
وهذا يعني أنّ الفرد لم يفقد دوره، وأن المعرفة أصبحت نتاجًا لتفاعل الإنسان مع بيئة معرفيّة أكثر تعقيدًا. وهذا ينعكس مباشرة على النقد الأدبيّ؛ إذ لم يعد الناقد وحده مصدر جميع المعطيات، وإنّما أصبح مسؤولًا عن اختيار الأدوات، وتقويم نتائجها، وصياغة التأويل الذي يمنحها قيمتها العلميّة.
ومن هنا، فإنّنا نقترح إعادة تعريف المعرفة النقديّة بأنّها: عمليّة تأويليّة تشاركيّة، يشترك فيها الإنسان والأداة الرقميّة، بحيث يظلّ إنتاج المعنى فعلًا إنسانيًا، بينما تتولى التقنيّة توسيع إمكانات الرصد والتحليل والاكتشاف.
ويعدّ هذا التعريف، في تقديري، أحد الأعمدة التي ستقوم عليها نظريّة النقد الأدبي الذكي، لأنّه يحافظ على مركزيّة الإنسان، وفي الوقت نفسه يعترف بأنّ أدوات المعرفة لم تعد هي نفسها التي عرفها النقد في القرن العشرين.

29.6.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضوءان... وجرح واحد: شعريّة الحوار ووحدة الوجع الفلسطينيّ قرا ...
- الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء ...
- الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأ ...
- الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا ...
- الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
- فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن ...
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...


المزيد.....




- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...
- فيلم مايكل جاكسون يصبح فيلم السيرة الذاتية الأعلى إيرادا على ...
- فيلم جديد يعيد إحياء رواية -12 كرسيا- الكلاسيكية في السينما ...
- أمريكا: المحادثات الفنية مع إيران لا تزال في مسارها الصحيح
- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ