أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - حين يتحدث الأرشيف... ماذا يقول للعالم اليوم؟















المزيد.....

حين يتحدث الأرشيف... ماذا يقول للعالم اليوم؟


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 13:07
المحور: القضية الفلسطينية
    


الوثائق البريطانية شاهدة على التاريخ... فهل آن أوان إنصاف الشعب الفلسطيني؟
قراءة سياسية واستراتيجية وتاريخية في ضوء الوثائق التي رُفع عنها السرية

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

ليست قيمة الوثائق التاريخية في أنها تعيد سرد الماضي، بل في قدرتها على تفسير الحاضر ورسم ملامح المستقبل. فالتاريخ، حين يستند إلى الوثائق الرسمية، يتحول من رواية قابلة للجدل إلى شهادة قانونية وسياسية وأخلاقية على ما جرى. ولهذا تكتسب الوثائق البريطانية التي رُفع عنها السرية أهمية استثنائية، لأنها صادرة عن الدولة التي حملت مسؤولية الانتداب على فلسطين، وكانت صاحبة القرار في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.

وبعد مرور أكثر من سبعة وسبعين عاماً على النكبة، لم تعد هذه الوثائق مجرد مادة للباحثين والمؤرخين، بل أصبحت مرجعاً أساسياً لفهم جذور الصراع، وتحديد المسؤوليات التاريخية، واستشراف ما ينبغي أن يكون عليه الموقف الفلسطيني والعربي والدولي لإنصاف شعب ما زال يعيش تداعيات تلك المرحلة حتى اليوم.

لقد كشفت الوثائق، إلى جانب أرشيفات الأمم المتحدة والدراسات الإسرائيلية والغربية، أن النكبة لم تكن حادثة عابرة وقعت في الخامس عشر من أيار عام 1948، بل كانت مشروعاً سياسياً وعسكرياً بدأ قبل ذلك بسنوات، سبقته عمليات تخطيط استخباري دقيقة، وإعداد مؤسساتي وعسكري للحركة الصهيونية، وتزامن مع اختلال واضح في موازين القوى خلال فترة الانتداب البريطاني.

وتبين الوثائق أن التنظيمات الصهيونية لم تتحرك بعشوائية، وإنما بنت منذ عشرينيات القرن الماضي منظومة معلومات شاملة عن فلسطين، شملت القرى والطرق والمياه والأراضي والبنية الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما وفر لها تفوقاً استخباراتياً انعكس لاحقاً على سير العمليات العسكرية. كما تؤكد الوثائق أن السياسة البريطانية اتسمت بتناقضات عميقة، إذ لم تنجح في تحقيق التوازن الذي كان يفرضه عليها صك الانتداب، الأمر الذي أسهم في تكريس اختلال ميزان القوى عشية حرب 1948.

كما تكشف الوثائق أن تدمير مئات القرى الفلسطينية، والاستيلاء على الممتلكات، ومصادرة المكتبات والأرشيف الثقافي، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل ارتبط في كثير من الحالات بإعادة تشكيل الجغرافيا والذاكرة، بحيث يصبح تغييب الرواية الفلسطينية جزءاً من إعادة تشكيل الواقع السياسي والديموغرافي.

إن هذه الحقائق لا تعني أن التاريخ يمكن تغييره، لكنها تؤكد أن العدالة التاريخية لا تسقط بالتقادم، وأن الحقوق التي أقرتها قواعد القانون الدولي لا تزول بمرور الزمن أو بفرض الأمر الواقع.

من معركة الرواية إلى معركة الحقوق

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولاً مهماً في فهم القضية الفلسطينية. فبعد أن كان الصراع يُقدَّم باعتباره نزاعاً سياسياً بين طرفين، أصبحت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تنظر إليه من زاوية القانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة بعد صدور تقارير أممية وأحكام وآراء قانونية دولية أكدت عدم مشروعية الاحتلال والاستيطان وضرورة احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وهنا تكمن أهمية الوثائق التاريخية؛ فهي لم تعد مجرد إثبات لما وقع في الماضي، بل أصبحت جزءاً من الأدلة التي تعزز المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية أمام المحافل الدولية.

ماذا يفرض التاريخ على الفلسطينيين اليوم؟

إن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تتحول إلى اجترار للمأساة، بل إلى مراجعة نقدية تستخلص الدروس. وأهم هذه الدروس أن الانقسام الوطني كان، وما يزال، أحد أخطر عوامل إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني.

فلا يمكن مواجهة مشروع استيطاني منظم يمتلك رؤية طويلة الأمد، في ظل انقسام سياسي ومؤسساتي يبدد عناصر القوة الفلسطينية. ولذلك فإن الأولوية الوطنية اليوم تتمثل في استعادة الوحدة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة، وتعزيز منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتجديد شرعياتها عبر آليات ديمقراطية وتوافقية، وبناء استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي.

كما أن المطلوب فلسطينياً هو الاستثمار في معركة الرواية والوثيقة، وتوثيق الجرائم والانتهاكات، وإنتاج خطاب قانوني وإعلامي قادر على مخاطبة العالم بلغة الأدلة لا بلغة الشعارات.

وماذا يفرض التاريخ على العرب؟

لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية ليست قضية حدود فحسب، بل قضية استقرار إقليمي وأمن جماعي عربي. وكلما تراجعت مركزيتها، ازدادت المنطقة اضطراباً.

والمطلوب عربياً ليس الاكتفاء ببيانات التضامن، وإنما صياغة استراتيجية عربية موحدة تجعل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية شرطاً لأي سلام دائم، مع تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي والقانوني لصمود الشعب الفلسطيني، وحماية مدينة القدس، ورفض جميع الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير هويتها أو وضعها القانوني.

وماذا يفرض التاريخ على المجتمع الدولي؟

إن المجتمع الدولي يقف اليوم أمام اختبار تاريخي وأخلاقي. فإذا كانت الوثائق قد كشفت مسؤوليات الماضي، فإن استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار يضع العالم أمام مسؤولية الحاضر.

ولم يعد كافياً الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو إصدار البيانات، بل المطلوب ترجمة مبادئ القانون الدولي إلى سياسات عملية، تضمن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وإنهاء الاحتلال، وحماية المدنيين، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات وفق قواعد العدالة الدولية، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بما ينسجم مع قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين.

خاتمة

إن الوثائق البريطانية التي رُفع عنها السرية لا تعيد الفلسطينيين إلى أرضهم، لكنها تعيد الحقيقة إلى مكانها الصحيح. وهي تذكر العالم بأن القضية الفلسطينية لم تكن نتيجة صراع عابر، بل حصيلة سياسات دولية وقرارات تاريخية تركت آثارها على أجيال متعاقبة.

واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، لم يعد السؤال: ماذا جرى في فلسطين؟ فالوثائق تجيب عن جانب كبير من هذا السؤال. وإنما السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة السياسية لتحويل المعرفة التاريخية إلى عدالة قانونية، والاعتراف بالحقوق إلى إجراءات ملزمة، والقرارات الدولية إلى واقع ينهي أطول احتلال عرفه العصر الحديث؟

إن إنصاف الشعب الفلسطيني لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبح اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإما أن تبقى الوثائق حبيسة الأرشيف، وإما أن تتحول إلى أساس لمصالحة التاريخ مع العدالة، ولإقامة سلام عادل وشامل يضمن الأمن والكرامة والحقوق لجميع شعوب المنطقة، بعيداً عن منطق القوة، وقريباً من منطق القانون والإنصاف.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلام العادل مسؤولية إنسانية عالمية... ونداء لدعم تطلعات ال ...
- الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية
- تصريحات سموتريتش... من خطاب التطرف إلى مشروع إقليمي يهدد أمن ...
- لبنان بين السيادة والتسوية... هل يقود الاتفاق الإطاري إلى إع ...
- التعبئة والتنظيم بين استحقاق الإصلاح وضرورة تجديد الشرعية ال ...
- الكنيست يبحث -تجريم الآبار الفلسطينية-: المياه في الضفة الغر ...
- طولكرم بين استحقاقات الصمود ومواجهة مخططات الاستيطان: رؤية و ...
- من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: نحو مجلس وطني استراتيجي ...
- الى القيادة الفلسطينية: فلسطين أكبر من الجميع
- دلالات تصريحات أحمد الشرع بشأن حزب الله ولبنان: مقاربة سورية ...
- هل ترفع واشنطن الغطاء عن نتنياهو؟
- من مريم أدلسون إلى اليمين الإسرائيلي: هل بدأ التصدع في جدار ...
- الأسرى الفلسطينيون والتعليم المقاوم: رسالة دكتوراه توثق صناع ...
- يوم اللاجئ الفلسطيني: سبعة وسبعون عاماً من النكبة المستمرة ب ...
- هل المطلوب إصلاح السلطة أم إعادة صياغة دورها تحت سقف الاحتلا ...
- مذكرة إسلام آباد: هل ترسم واشنطن وطهران خرائط الشرق الأوسط ا ...
- عندما يتحول السفير من ممثل دبلوماسي إلى طرف في معركة الهوية ...
- إلغاء بروتوكول الخليل: خطوة نحو الضم الفعلي وتقويض النظام ال ...
- الأسرى المحررون المبعدون... بين رمزية التضحيات واستحقاق الرع ...
- بين شعارات القدس وموائد التفاوض: لماذا غابت فلسطين عن الاتفا ...


المزيد.....




- تنورة تيانا تايلور الضخمة تخطف الأنظار في حفل جوائز BET Awar ...
- أين تقف حركة العبور في مضيق هرمز بعد التصعيد الأخير بين أمري ...
- مسؤول أمريكي: تهدئة مؤقتة مع إيران.. ومحادثات مرتقبة في الدو ...
- أنقرة: مستعدون لاستضافة مفاوضات روسية أوكرانية فور تلقي إشار ...
- ماليزيا تمدد البحث عن حطام الطائرة MH370 لمدة عام إضافي وتدف ...
- باحثون يكتشفون آلية عصبية تربط النيكوتين بزيادة الرغبة في تن ...
- الولايات المتحدة وإيران تتفقان على وقف الأعمال القتالية وعبو ...
- قصف إسرائيلي مستمر على لبنان.. الولايات المتحدة وإيران تتفقا ...
- بين تحذيرات فانس وانتقادات ترامب لنتنياهو.. هل تتجه واشنطن ف ...
- إسرائيل تتراجع عن الانسحاب من 3 قرى لبنانية.. وقطيعة بين بري ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - حين يتحدث الأرشيف... ماذا يقول للعالم اليوم؟