أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتمع العراقي














المزيد.....

عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتمع العراقي


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 16:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة إنتاج المجتمع العراقي
إعداد: عبد علي سفيح

المقدمة
ليست كل الأحداث التاريخية متشابهة في أثرها الاجتماعي. فبعضها ينتهي بانتهاء زمنه، ولا يبقى منه سوى ما تحفظه كتب التاريخ، بينما يتحول بعضها الآخر إلى جزء من الذاكرة الجمعية، ويستمر في تشكيل حياة المجتمعات بعد قرون طويلة من وقوعه. ومن هنا يبرز سؤال سوسيولوجي بالغ الأهمية: كيف يتحول حدث تاريخي إلى مؤسسة اجتماعية قادرة على إعادة إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل؟
تمثل ملحمة كربلاء واحدة من أبرز النماذج العالمية لهذه الظاهرة. فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عشر قرناً على استشهاد الإمام الحسين، لم تبق الواقعة مجرد ذكرى تاريخية أو مناسبة دينية، بل أصبحت في العراق منظومة اجتماعية متكاملة، تُستعاد كل عام من خلال شبكة واسعة من الشعائر والطقوس والعمل الجماعي، يشارك فيها ملايين الناس، وتنتقل خبراتها وقيمها وأنماط تنظيمها من جيل إلى آخر.
ومن اللافت للنظر أن كثيراً من الأحداث الكبرى في التاريخ الإسلامي، بل وفي التاريخ الإنساني، احتفظت بأهميتها في الكتب أو في الدراسات التاريخية، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة اجتماعية حية بالمعنى الذي تحولت إليه عاشوراء في العراق. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال آخر أكثر عمقاً: لماذا نجحت كربلاء في أن تصبح مؤسسة اجتماعية مستمرة، بينما لم تحقق أحداث تاريخية أخرى الاستمرارية نفسها؟
إن هذه الدراسة لا تهدف إلى مناقشة الجوانب العقدية أو الفقهية لواقعة كربلاء، كما لا تسعى إلى إعادة تقييم شخصياتها التاريخية أو إصدار أحكام أخلاقية بشأنها، لأن هذه الموضوعات تنتمي إلى ميادين أخرى. وإنما تنطلق من منظور علم الاجتماع، الذي يهتم بدراسة الوظائف التي تؤديها الظواهر الاجتماعية في حياة المجتمعات، بغض النظر عن أصولها التاريخية أو الدينية.
وانطلاقاً من هذا المنهج، تنطلق الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن سر استمرار عاشوراء لا يكمن في الحدث التاريخي وحده، بل في توافق هذا الحدث مع البنية الحضارية العميقة للمجتمع الرافديني، بما يحمله من أنماط خاصة في التنظيم والتضامن والرمزية الجماعية. فالأحداث التاريخية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول إلى مؤسسات اجتماعية إلا إذا وجدت بيئة ثقافية قادرة على إعادة إنتاجها باستمرار.
ومن هذا المنطلق، لا تُقرأ الشعائر الحسينية بوصفها مجرد ممارسات تعبدية أو طقوس حداد، بل بوصفها آليات اجتماعية تسهم في إعادة إنتاج المجتمع نفسه. فهي تعيد تنظيم العلاقات بين الأفراد، وتوزع الأدوار والمسؤوليات، وتجدد قيم التعاون والتكافل، وتربط الحاضر بالماضي، والفرد بالجماعة، واليومي بالمقدس. وبهذا المعنى، تصبح عاشوراء مؤسسة اجتماعية تؤدي وظيفة تتجاوز حدود التذكر، لتشارك في بناء النظام الاجتماعي والمحافظة على استمراره.
وتقترح هذه الدراسة تفسيراً لهذه الظاهرة بالاستناد إلى مفهوم الشخصية الرافدينية، الذي تطور في دراسات سابقة ضمن إطار نظري أوسع يرى أن البيئة المائية في بلاد الرافدين لم تنتج اقتصاداً زراعياً فحسب، بل أسهمت أيضاً في تكوين أنماط خاصة من التفكير والتنظيم والرمزية، ما زالت آثارها الثقافية والاجتماعية ممتدة في المجتمع العراقي المعاصر. وفي هذا السياق، لا يُطرح هذا المفهوم بوصفه تفسيراً وحيداً أو نهائياً، وإنما بوصفه إطاراً تحليلياً يسعى إلى فهم العلاقة بين الجغرافيا والحضارة واستمرار المؤسسات الاجتماعية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يحكم هذا البحث ليس: كيف استشهد الإمام الحسين؟ فذلك سؤال أجاب عنه المؤرخون منذ قرون، وإنما السؤال هو: كيف استطاع استشهاد الإمام الحسين أن يتحول إلى مؤسسة اجتماعية تعيد إنتاج المجتمع العراقي عاماً بعد عام، وقرناً بعد قرن؟
والإجابة عن هذا السؤال هي ما تحاول الفصول الآتية أن تقدمه، من خلال قراءة سوسيولوجية تربط بين التاريخ والبيئة والحضارة والرمز، وصولاً إلى فهم أعمق للدور الذي أدته عاشوراء في تشكيل الهوية الاجتماعية العراقية واستمرارها.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل
- حين تتحول- الازدواجية- الى عذر جاهز
- العقد الإجتماعي للمرجعية الدينية في النجف الأشرف
- من شارل ديغول إلى رجب طيب أردوغان: سر لم يفهمه الاسلاميون ال ...
- العراق تجربة العالم للقرن الحادي والعشرين
- العراق تجربة العالم للقرآن الحادي والعشرين
- من القبيلة إلى الامبراطورية: نابليون بوتابرت نموذجا بين عبقر ...
- الجغرافيا وصناعة الفكر: المعتزلة بين البصرة والبروتستانتية
- الفلسفة والدين لعبة العقل والمعنى
- شارع المتنبي...طقوس جماعية تبحث عن المعنى
- هيئة الأمم المتحدة فكرة عراقية رافدينية بامتياز
- لغز خراسان من خبز الكاموت إلى حضارة الفكر


المزيد.....




- بقائي: الجمهورية الاسلامية أكثر حرصاً على الأمن الجماعي للمن ...
- -خطوة تاريخية غير مسبوقة-.. بدء ترميم المقبرة اليهودية في دم ...
- الناطق باسم حركة المُقاومة الإسلامية-حماس- حازم قاسم: الاتصا ...
- بقائي: ينبغي مساءلة الجيران في الجنوب: لماذا انخرطوا هم أنفس ...
- التلفزيون الإيراني: 3 ناقلات نفط أجنبية حاولت عبور مضيق هرمز ...
- مقر قيادة خاتم الأنبياء المركزي: الجمهورية الإسلامية الإيران ...
- مقر قيادة خاتم الأنبياء المركزي: نعتبر تحركات ووجود الطائرا ...
- عراقجي: لن ننسى ولن نغفر استشهاد سيد شهداء الثورة الإسلامية ...
- كواليس توبيخ ترامب لنتنياهو: -الجميع سئم منك حتى اليهود-
- أدلة تاريخية وأركيولوجية: هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كول ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتمع العراقي