أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟














المزيد.....

الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 00:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"الوحش العاقل": لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
​تخيل أنك تقف أمام مرآة السفر عبر الزمن. في كل عصر، كان هناك إنسان يقف مكانك، ينظر إلى انعكاس صورته، ويطرح السؤال المرعب والمثير ذاته: "من أنا.. وما الذي يطرد النوم من عيني؟"
​هذه ليست مجرد قصة فلسفية، بل هي قصة أعظم مطاردة في التاريخ.. مطاردة الإنسان لتعريف نفسه!
في البدايات السحيقة، لم يكن الإنسان يرى نفسه بطلاً. تحت سماء بابل ومصر القديمة، نظر الإنسان إلى الرعد والبرق والفيضان واهتز رعبًا. عرّف نفسه يومها بأنه "كائن صغير محكوم بإرادة الآلهة". كانت قيمته تكمن في مدى طاعته للنظام الكوني.
​حتى ظهر رجل حافي القدمين في شوارع أثينا يُدعى سقراط. نظر إلى السماء ثم نظر إلى عيون الناس وقال كلمته الأيقونية: "أيها الإنسان، اعرف نفسك بنفسك!". هنا، ولدت المعجزة؛ نزل السؤال من الفلك إلى أعماق النفس البشرية. وجاء تلميذه أرسطو ليضع الختم الأول: "الإنسان حيوان عاقل.. وحيوان سياسي لا يعيش إلا في مجتمع".
​مرت القرون، ودخلت البشرية عصر الأديان الكبرى، معركة الروح والطين. تغيرت المرآة تمامًا. لم يعد الإنسان مجرد "حيوان عاقل"، بل أصبح "مركز الكون والمخلوق المكرّم". ف​عاش إنسان العصور الوسطى صراعًا تراجيديًا؛ فهو يرى نفسه ممزقًا بين "طين الأرض" (شهواته وجسده الفاني) وبين "النفخة الإلهية" (روحه الخالدة). أصبح تعريف الإنسان هنا مرتبطًا بـ "الأخلاق والخلاص". أنت إنسان بقدر ما تنتصر روحك النورانية على جسدك الطيني.
وفي لحظة فارقة من القرن السابع عشر، ولدت ثورة العقل؛ أطل فيلسوف فرنسي يُدعى رينيه ديكارت من نافذته، وقرر أن يشك في كل شيء، حتى في وجوده نفسه! لكنه وصل إلى حقيقة واحدة لا تقبل الشك: "أنا أشك، والشك تفكير، والتفكير يتطلب مُفكّرًا". وأطلق صرخته التي غيرت وجه العالم: "أنا أفكر، إذن أنا موجود".
​منذ تلك اللحظة، خلع الإنسان عباءة الخوف. لم يعد خائفًا من الطبيعة، بل أصبح "سيدًا ومفسرًا لها" بقوة العلم والعقل.
​لكن الغرور البشري لم يدم طويلاً. في القرن العشرين، جاء طبيب نمساوي يُدعى سيجموند فرويد ليوجّه طعنة لتعريف ديكارت العقلاني، قائلاً للبشرية: "إن عقلكم الواعي ليس إلا قمة جبل الجليد، أما سلوككم الحقيقي فتحركه وحوش قابعة في أعماقكم تُدعى (اللاوعي)".
​وفي نفس التوقيت، كان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر يصرخ في المقاهي الباريسية: "الوجود يسبق الماهية!". بمعنى: أيها الإنسان، أنت وُلدت أولاً كصفحة بيضاء، وليس لك تعريف مسبق، أنت صنيعة خياراتك وأفعالك فقط.
​واليوم.. وبولادة العصر الرقمي " الانسان المشفر"؛ ونحن نتصفح هذه الكلمات عبر الشاشات، يقف إنسان القرن الحادي والعشرين أمام مرآة مرعبة من نوع آخر. لقد تحولنا من "حيوان عاقل" إلى "خوارزميات وبيانات"، وعلى أعتاب دمج عقولنا بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، لنبدأ ما يُسمى عصر "ما بعد الإنسان".
​والآن.. دعونا ننزع قناع الغرور ونواجه.
أليس كل ما عرّف به الإنسان نفسه عبر التاريخ مجرد "وهم وكذب"؟ فما قيمة أن نكون "عبادًا للآلهة" أو "كائنات عاقلة وحرة"، بينما نحن الكائن الوحيد الذي يتفنن في قتل أخيه الإنسان، وإبادة الحيوان، وتدمير النبات؟ هل منعنا "العقل" أو "الوعي" من أن نكون الكائن الأكثر تدميرًا على هذا الكوكب؟
​ألم يكن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أكثرنا واقعية وعمقًا حين اختصر هذا التيه الفلسفي بتعريف أخلاقي كوني خارق وزلزل به كل النرجسية البشرية قائلاً:
الناس صنفان: "إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
​وكأنه يعيدنا إلى حجمنا الحقيقي بلا ادعاءات؛ فالإنسان في هذا الوجود إما كائن يشاركك الفكر والعقيدة والوعي (أخ في الدين)، أو كائن حي يشاركك حق الحياة والعيش على هذه الأرض كبقية المخلوقات (نظير في الخلق).
​السؤال هو: هل نحتاج لتعريف آخر للانسان؟



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل
- حين تتحول- الازدواجية- الى عذر جاهز
- العقد الإجتماعي للمرجعية الدينية في النجف الأشرف
- من شارل ديغول إلى رجب طيب أردوغان: سر لم يفهمه الاسلاميون ال ...
- العراق تجربة العالم للقرن الحادي والعشرين
- العراق تجربة العالم للقرآن الحادي والعشرين
- من القبيلة إلى الامبراطورية: نابليون بوتابرت نموذجا بين عبقر ...
- الجغرافيا وصناعة الفكر: المعتزلة بين البصرة والبروتستانتية
- الفلسفة والدين لعبة العقل والمعنى
- شارع المتنبي...طقوس جماعية تبحث عن المعنى
- هيئة الأمم المتحدة فكرة عراقية رافدينية بامتياز
- لغز خراسان من خبز الكاموت إلى حضارة الفكر
- قصتان من وادي الرافدين صنعتا الأساطير والمعتقدات والأفكار وا ...
- سورية الكبرى من إرث الامبراطوريات الى افول الدولة القومية
- العراق وطن...وانتماؤنا حكاية لا تنتهي!


المزيد.....




- لجنة الاستهلال التابعة لمكتب قائد الثورة الاسلامية تعلن يوم ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمعاً لجنود الاحتلال ...
- تفاصيل قرار إسرائيلي جديد لتهويد المسجد الأقصى
- القائد العام لحرس الثورة الإسلامية: على العدو الصهيوني الغاد ...
- القائد العام لحرس الثورة الإسلامية: استشهاد عزالدين الحداد ...
- بزشكيان لوزير الداخلية الباكستاني: وحدة الدول الإسلامية من ش ...
- إيران تدرب متطوعين على حمل السلاح ضمن حملة للدفاع عن الجمهور ...
- مستشار قائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي: تهديدات ترامب ...
- مفتي القدس يصدر فتوى بجواز التضحية بـ -العجول المسمنة- تيسير ...
- ترمب ومخطط -أمريكا المسيحية-.. هل انتهى عصر فصل الدين عن الد ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟