عبد علي سفيح
باحث اكاديمي
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 14:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الشرق الأوسط... حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
في الشرق الأوسط، لا يبدو أن هناك خيارا مجانيا أو قرارا بلا ثمن. كل اختيار- سياسيا كان أم دينيا- غالبا ما يدفع مقابله دما. وكأن التاريخ هنا لا يعترف بالحياد، بل يفرض على الجماعات، خصوصا الطائفية والاقليات بدفع " ضريبة الوجود " من دماءها، وأن تتحمل كلفة وجودها وخياراتها. السبب في ذلك: يمكن فهم هذه الحالة من خلال عاملين عميقين يتداخلان في بنية المنطقة.
العامل الأول، وحدة البيئة، والعامل الثاني، وحدة المشيئة. فالمجتمع هنا لا يميل الى التعدد الهاديء، بل الى نوع من التمركز حول حقيقة واحدة، سواء كانت دينية أو فكرية أو سياسية. هذا التمركز ينتج بطبيعته نزوعا نحو الهيمنة، حيث تسعى كل جماعة الى فرض رؤيتها بوصفها الحقيقة النهائية.
جانب ذلك، تعيش المنطقة تحت وطأة التسلط بأشكاله المختلفة، من السلطة السياسية الى السلطة الرمزية للعقيدة. فالايمان، حين يتحول الى يقين مغلق، يمكن أن يصبح قوة حارقة، لا تكتفي بتوجيه الانسان، بل تحاصر العقل وتضيق أفقه. وهكذا، تتحول القناعات الى خطوط تماس، لم يكن غريبا أن يشهد الشرق الأوسط انقسامات متكررة داخل الجماعات نفسها. فالمسيحية الشرقية، على سبيل المثال، تفرعت الى السريانية والكلدانية والأرمينية والآثورية والمارونية، كما تعددت الطوائف داخل التشيع نفسه.
هذه الانقسامات لم تكن دائما نتيجة اختلافات لاهوتية عميقة، بل كثيرا ما كانت انعكاسات لصراعات على الهويةوالسلطة والنجاة.
النهاية، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط لا تزال تعيش معادلة قاسية: الوجود مشروط بالصراع، والاختيار محفوف بالكلفة. وبين نار اليقين وضغط الهيمنة، يجد الانسان نفسه أمام سؤال دائم: كيف يمكن العيش دون أن يكون الثمن هو الدم؟
ربما يبدا الجواب من اعادة الاعتبار للتعدد، لا بوصفه تهديدا، بل كشرط ضروري للحياة.
#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟