عبد علي سفيح
باحث اكاديمي
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 02:53
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حين تتكلم الأشجار عن الدولة والسلطة، ويصبح الزمن هو الفاصل بين العاجل والآجل، ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن تشتغل السياسة في مجتمعاتنا بالعاجل، بينما تشتغل الدولة في الغرب بالآجل. فالفارق بين التجربتين ليس سياسيا فحسب، بل هو أعمق من ذلك: إنه فارق في النظرة الى الزمن نفسه.
السلطة، بطبيعتها، تفكر في اللحظة الراهنة: كيف تمسك بالحكم؟ كيف تدير الأزمة؟ كيف ترضي الجمهور الآن؟.
أما الدولة، فهي تفكر ما بعد اللحظة، في الاستقرار والاستمرارية، والمستقبل البعيد، حتى لو لم تجن ثمار ذلك فورا.
السؤال الجوهري هنا: لماذا تمكن الغرب من بناء دولة تعلو على السلطة، بينما بقيت السلطة في مجتمعاتنا تعلو على الدولة؟.
المفاتيح لفهم هذا الاختلاف يكمن خارج السياسة نفسها...في البيئة.
لننظر الى مثال بسيط لكنه بالغ الدلالة: الشجرة
في الغرب، انتشرت زراعة شجرة البلوط. شجرة ثمينة بخشبها وثمارها، لكنها بطيئة العطاء. لا تصل الى ذروة انتاجها إلا بعد قرابة 100 عام، وقد تعيش أكثر من 1000 عام.
الفلاح الذي يزرع البلوط يعرف يقينا أنه لن يجني ثمارها، وربما لن يراها في أوج عطائها أصلا، ومع ذلك، يزرعها، لأنه يفكر في الأجيال القادمة، في مستقبل يتجاوز ثمره الشخصي.
العلاقة مع الطبيعة تعلم الصبر، وترسخ قيمة التخطيط الطويل الأمد، وتطبع الوعي.الجمعي بفكره أن العمل الحقيقي هو ما يخدم المستقبل، لا ما يرضي الحاضر فقط. ومن هنا، لم يكن غريبا أن تتشكل دولة فكر بعقل مؤسساتي، وتضع قواعد تتجاوز الأشخاص والسلطات المتعاقبة.
في المقابل، لننظر الى بيئتنا، وخصوصا في العراق، حيث نخلة التمر هي الشجرة المركزية في الحياة والاقتصاد والثقافة.
النخلة شجرة كريمة وسخية، تعطي أوج انتاجها بعد نحو 10 سنوات، ويمكن أن تعيش حتى 100 عام. أي أن الزارع يزرعها وهو واثق أنه سيجني ثمارها بنفسه، وفي زمن قريب نسبيا. أي تتشكل علاقة مختلفة مع الزمن وهي العاجل هو الأساس. العائد السريع يصبح معيارا، والنتيجة القريبة تقدم على التخطيط البعيد. ومع تراكم القرون، تتحول هذه العلاقة البيئية الى سلوك إجتماعي، ثم الى ثقافة سياسية، حيث تغلب السلطة- بما هي إدارة العاجل- على الدولة - بما هي مشروع الآجل.
ليس المقصود هنا تفضيل بيئة على أخرى، ولا التقليل من قيمة النخلة التي كانت ولا تزال رمزا للحياة. بل المقصود هو فهم كيف تسللت الطبيعة، بهدوء، الى وعينا الجمعي، وكيف أسهمت في تشكيل علاقتنا بالزمن، وبالسياسة، وبفكرة الدولة نفسها.
ربما لا يمكننا تغيير الجغرافيا، لكن يمكننا إعادة التفكير في الزمن.
#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟