عامر موسى الشيخ
شاعر وكاتب
(Amer Mousa Alsheik)
الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 20:47
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
في كل عام تعود ذكرى جريمة سبايكر لتوقظ واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في الذاكرة العراقية المعاصرة ، فالمجزرة التي وقعت في حزيران 2014 لم تغادر الوعي الجمعي، لأن آثارها ما زالت حاضرة في حياة العائلات التي فقدت أبناءها، وفي ذاكرة مجتمع وجد نفسه أمام حدث صادم تجاوز حدود الخسارة الفردية ليتحول إلى جرح وطني واسع.
يذهب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى أن الذاكرة تتشكل من علاقة الإنسان بتجاربه الماضية، وأن الأحداث الصادمة تترك آثاراً عميقة تستمر في الحضور عبر التذكر والاستعادة. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى سبايكر بوصفها نموذجاً لما يسميه ريكور «الذاكرة الجريحة»، وهي ذاكرة تتكون من وقائع مؤلمة تستقر في وجدان الأفراد والجماعات وتصبح جزءاً من تعريفهم لأنفسهم ولتاريخهم.
لقد بدأت المأساة كتجربة عاشتها عائلات الضحايا، ثم اتسع نطاقها لتصبح قضية مجتمع بأكمله. فالصور والشهادات وعمليات البحث الطويلة عن المفقودين صنعت سردية جماعية ما زالت تتناقلها الأجيال بوصفها شاهداً على مرحلة عصيبة من تاريخ العراق. وهكذا التقت الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية، إذ حمل كل فرد جزءاً من الألم العام، فيما استوعبت الذاكرة الوطنية آلام الأفراد وحولتها إلى قضية تتجاوز حدود المكان والزمان.
ويرى ريكور أن الذاكرة الجماعية تقوم على الانتقاء، فهي تستحضر من الماضي ما يمنح الحاضر معنى ودلالة. لذلك تبقى هذه المجزرة حاضرة في الوجدان العراقي لأنها ارتبطت بأسئلة العدالة والهوية والمصير المشترك. ومع مرور السنوات أصبحت الذكرى مناسبة للتأمل في معنى الفقد، وفي قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات التاريخية وتحويلها إلى دروس إنسانية.
وتكمن أهمية استذكار سبايكر في أنها تضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية تتجاوز الحزن ذاته. فالذاكرة هنا تؤدي وظيفة تتصل بحفظ الحقيقة وصون حقوق الضحايا وترسيخ الوعي بخطورة العنف والتطرف. ولهذا تكتسب الذكرى بعداً وطنياً يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم ما جرى ضمن سياقه التاريخي والإنساني.
لقد أصبحت سبايكر جزءاً من التاريخ العراقي الحديث، وجزءاً من ذاكرته الجريحة أيضاً. ومع كل استعادة لهذه الحادثة يتجدد السؤال حول كيفية تحويل الألم إلى معرفة، والخسارة إلى وعي، والذكرى إلى قوة أخلاقية تحمي المستقبل من تكرار المآسي التي صنعت هذا الجرح العميق في الوجدان العراقي
#عامر_موسى_الشيخ (هاشتاغ)
Amer_Mousa_Alsheik#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟