أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر موسى الشيخ - بين مالك بن الريب و محسن الخياط موتٌ واحد… ومصيرٌ واحد














المزيد.....

بين مالك بن الريب و محسن الخياط موتٌ واحد… ومصيرٌ واحد


عامر موسى الشيخ
شاعر وكاتب

(Amer Mousa Alsheik)


الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


استقرّ اسم الشاعر الأموي مالك بن الريب (توفي 75هـ) في تاريخ الأدب بوصفه واحدا من شعراء الصعلكة ، وما يصلح عليهم في تاريخ الشعر العربي بـ ( الفُتّاك ) ، وهم الذين تمرّدوا على السلطة ومنطق الثروة الفاحش ، واختاروا بالضد من ذلك هامش الحياة بدلا من مركزها .
وعاش مالك حياةً قلقة ، وغير مستقرة ، تتنازعها العزلة والإغارة على القوافل ، في بوادي الجنوب العراقي، وعلى طرق القوافل الممتدة بين الحجاز والعراق وخراسان ، وكانت بادية السماوة فضاءه المفتوح، ومسرح وجوده، ومختبر تحوّلاته النفسية والروحية.
وفي آخر قصيدة له في حياته، والتي يرثي فيها نفسه، يتكثّف هذا الوعي على نحو لافت ، إذ يقول، في مطلعها :
"أسرب القطا هل أبيتنّ ليلةً… بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا"

في هذا الاستهلال، يحنّ الشاعر إلى المكان الذي تصعلك به ، وقضى فيها وطرا من حياته ، وفي هذه القصيدة يستدعي الشاعر منظومة كاملة من القيم المتضاربة في داخله منها : الحرية والتشرّد، والانتماء إلى فضاء رحب وواسع و إنّ نبتة "الغضا" تمثل هنا هوية مكانية تشكّلت لدى الشاعر بوصفها علامة مكانية تخالف أنساق المدن والقرى التي فيها استقرار اجتماعي .
تسجل هذه القصيدة نقطة تحول بارزة في حياة الشاعر ، وهذا التحول يتجلى في انتقاله من الصعلكة والتمرد على السلطة إلى الالتحاق بها ، وذلك حينما التحق ابن لريب بجيش سعيد بن عثمان بن عفان سنة (56هـ)، قائلاً:
"ألم ترني بعت الضلالة بالهدى… وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا" ، لكن هذا الاندماج لم يسهم في محو القلق الوجودي ، ومحنة الانتماء إلى فضاءات الاستقرار ، وأنساق العائلة والعشيرة ، والإحساس بالعزة ، حتى وهو على مشارف الموت ، ففي لحظة الاحتضار، يعود الشاعر إلى جوهر تجربته الأولى ، ويندب نفسه وحظه وما تركت فيه العزلة من أثر بالغ ، يقول:
"تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ… سوى السيفِ والرمحِ الرُّدينيِّ باكيا".
يعبر هذا البيت عن حزن فردي معزول و يكشف عن خلل عميق في الذات ورؤيتها للعالم ، إذ غاب القريب منه عن لحظة موته ، بوصفه باكيا ومشيعا ومُعزى ، لتحلّ محلّه الممتلكات والأسلحة الشخصية ، وكأنّ الشاعر هنا يعلن عن أن اندماجه في الجماعة لم ينجح في إعادة إنتاج انتمائه الحقيقي، فظلّ غريبا حتى وهو في قلب الجيش ، فالحقيقية التاريخية تقول إن معاوية قد عزل سعيد بن عثمان بسبب قوته ونفوذه ، وهو ما انعكس على علاقة مالك بالجيش ودعوة سعيد التي انتهت لدى مالك بعد عزله ، ليعود فريدا وحيدا !.
إنّ فكرة الموت في عزلة، لم تنقطع في الثقافة العربية، بل تجلت في أنماط وصور مختلفة ، ونجدها بوضوح في العديد من التجارب الشعرية عبر تاريخ الأدب ، لكن ما يهمنا هنا ، هو تجلي هذه الفكرة في الوعي المعاصر لدى الشعراء المعاصرين ، وتجليها في الشعر الشعبي العراقي ، سيما في تجربة الشاعر الشعبي العراقي اليساري الراحل محسن الخياط ( توفي 2020م) وتحديدا في قصيدته الشهيرة "شوك الغريب"، ( شوق الغريب ) التي يستهل مطلعها بــ
"أنا شوك الغريب الگرّب ولاح… أنا حسرة هذاك الأيس وراح"
رغم الفارق الزمني بين الشاعرين ، والفارق اللغوي والبلاغي إلا أن دلالة الغريب والموت الغريب في "شوك الغريب" تمثل رمزية وكناية عن الكائن البشري الذي عاش غربة ، وابتعاد عن أهله ، واختار أن يعيش على الهامش حياة ، بقرار ذاتي ، يعود بنتائجه على ذات الشاعر ، وتجربته.
تستدعي هذه المفاهيم ، العودة إلى قراءة سيرة حياة الشاعرين ، والأمكنة التي عاشا فيها ، وضمن هذا السياق نجد أن ثمة تتطابق بين تجربة محسن الخياط الحياتية و تجربة مالك بن الريب ، يمثل تطابقا كليا إلى حد كبير ، فثمة كبير تشابه في سيرة الشاعرين ، فكلاهما عاشا خارج الأطر الاجتماعية المستقرة في المدن والقرى ، من خلال اختيار المكان المعزول ، وهو البادية واختيار التمرّد والابتعاد والعزلة، والانحياز إلى فضاء البادية بوصفه بديلا عن المجتمع ، وكأنّ البادية هنا تمثل الهوية الثقافية التي تُعيد تشكيل وعي من اختارها مكانا عبر العصور.
في ختام قصيدته " شوگ الغرب " يقول محسن:
"أنا الما مش وراها اجنازته صياح"
يبلغ الوعي هنا لدى الخياط إلى ذروته الكبرى في استباق لحظة الموت، مع توقّع غياب الطقس الاجتماعي المصاحب للتشيع بعد الموت وهذا ما حدث فعلا؛ إذ تحوّل تشييعه بعد رحيله إلى لحظة تجسد صورة المعنى الذي أراده الخياط في قصيدته ،إذ كانت الأصوات المصاحبة إلى تشييعه ، هي صوت الشاعر وهو يلقي قصائده ، إذ لا أصوات نائحات وباكيات ، وكأن الشاعر هنا ، مثل سلفه القديم ابن الريب ، فلم يجد من يبكيه إلا صدى صوته ، ومالك لم يجد من يبكي عليه سوى أسلحته !!.
وإذا نظرنا إلى الشاعرين من زاوية ثقافية ، نجد إنهما ينتميان إلى نسق واحد، وهو نسق العزلة الصحراوية والتمرد على السلطة ، مالك ضد بني أمية ، ومحسن ضد النظام البعثي ، وهنا تتم عملية اختبار الإنسا في أقصى درجات وحدته، ويُجبر على أن يكون شاهدا على نفسه، حيا وميتا.
هكذا اختصر الشاعران تجربة إنسانية كبيرة وعميقة أتت بين بيت من الشعر الفصيح وآخر من الشعر الشعبي، وكأن الزمن لم يتغير رغم مرور قرون من الزمن، لكن السؤال يبقى هو ذاته: من سيبكي؟
خاتما لا يشير هذا المقال إلى تعكز محسن على مالك ، وانما إلى تشابه التجارب في انتاج الوعي بالذات الإنسانية لدى الشعراء الكبار ..
نعم ، محسن كبير مثلما مالك كبير



#عامر_موسى_الشيخ (هاشتاغ)       Amer_Mousa_Alsheik#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معجم الشتائم العراقية السياسية الجديد
- منابع بنية العنف المجتمعي في العراق
- استراتيجية النص الموازي وصناعة التوتر في مجموعة - بائع القلق ...
- من تاريخ حركة الطباعة والتأليف في مدينة السماوة العراقية
- ترند الكتب!!
- وسائل التوحش الاجتماعي !!
- هل كلّ أديب مثقف؟
- لقد هزم العرب إسرا..ئيل!!
- حماسة التعليقات... حين تتحول الكلمات إلى معارك!
- -ما بعد الإنسان- حقل جديد يحفره علي جميل في مدينة السماوة
- قطيعة الأجيال !!
- الذاكرة المجتمعية وفعل المواجهة
- كرنفال الشتائم الوطني!!
- من أدب السيرة الذاتية - ق.م سيرة سجين سياسي - للؤي عمران مثا ...
- بين يوسف الرفاعي وعبد الحميد السماوي
- قراءة في أدب مدينة السماوة التسعيني ... ديوان - مآرب أخرى - ...
- لذة اللبان الوطني المرّ
- في الذكرى الثانية على رحيله ... حامد فاضل الراسخ المجرّب
- أتذكر الدرويش ( إلى محمود درويش وهو يتذكر السياب )
- المغسلة الانتخابية


المزيد.....




- غزة تتصدر المشهد: حضور فلسطيني وعربي بارز في مهرجان فينيسيا ...
- رئيس وزراء بريطانيا: سنسلم كييف حقوق الملكية الفكرية الخاصة ...
- إدراج -سبسطية- الفلسطينية على قائمة التراث المعرض للخطر.. هل ...
- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى
- من اليمن إلى كابل.. معلمون عرب يدرّسون اللغة العربية من جذور ...
- مثقفون بلا حدود ..خريطة جديدة بالإذاعة الثقافية المصرية  
- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر موسى الشيخ - بين مالك بن الريب و محسن الخياط موتٌ واحد… ومصيرٌ واحد