أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عامر موسى الشيخ - منابع بنية العنف المجتمعي في العراق














المزيد.....

منابع بنية العنف المجتمعي في العراق


عامر موسى الشيخ
شاعر وكاتب

(Amer Mousa Alsheik)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 02:51
المحور: قضايا ثقافية
    


في واحدة من حلقات بودكاست "شي منسي" ، قدّم الروائي علي بدر، خلال حواره مع صلاح منسي، قراءة لافتة لتاريخ الجريمة في العراق، استند فيها إلى بحث طويل في ملفات الشرطة العراقية. تلك الملفات، غير المنشورة، تكشف مسارًا موازيا للتاريخ الرسمي، مسارًا يعبّر عن التحولات العميقة في بنية المجتمع وسلوكه.
يبدأ هذا المسار مع تأسيس الدولة العراقية في العهد الملكي، حيث ارتبطت الجريمة بالفقر والحاجة، فغلبت السرقات ذات الدوافع المعيشية. ومع تغيّر النظام السياسي، تحوّلت الجريمة إلى طابع سياسي، وصار الاختلاف مع السلطة تهمة جاهزة تُلصق بصاحبها، عنوانها العمالة ومحاولة قلب الحكم. مرحلة طويلة ومرهقة، رسّخت الخوف وأنتجت لغة عنف من نوع آخر.
ومع صعود البعث بصيغته الصدامية، شهد المجتمع تحوّلًا أكثر خطورة، إذ انتشرت أنماط من الجرائم اليومية: تحرّش، اعتداءات لفظية وجسدية، وسلوكيات خشنة باتت جزءًا من المشهد العام. كان ذلك انعكاسًا مباشرًا لطبيعة سلطة تدار بعقلية القوة العارية، وتستند إلى خطاب يمجّد الفظاظة ويكافئها.
هذه المراحل الثلاث، الممتدة من 1921 حتى 2003، ترسم تاريخا اجتماعيا موازيا، لا يقل أهمية عن تاريخ الانقلابات والحروب. تاريخ يُقرأ من خلال ما سجّلته الأجهزة الأمنية، لا من خلال الخطب والشعارات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز توصيف المراحل: كيف تشكّلت فئات مجتمعية شديدة التطرّف، سريعة الانفعال، منغلقة على ذاتها، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التأمل العقلي؟
للإجابة، لا بد من التوقف عند مطلع التسعينيات. بعد حرب الخليج الثانية، واجه النظام صدمة الانتفاضة الشعبية، التي كشفت هشاشة السيطرة وأربكت الداخل والخارج معًا. القمع الذي أعقبها كان عنيفًا، شاملا، ومصحوبًا بإعادة هندسة المجتمع من أعلى.
في عام 1993، أُعلنت ما سُمّيت ب"الحملة الإيمانية الوطنية" حملة سياسية اتخذت من الدين واجهة، وأدخلت الرموز الدينية في الفضاء العام بطريقة فجّة. كُتبت عبارة "ألله أكبر" على العلم بخط يد الرئيس، ثم تطوّر المشهد إلى كتابة المصحف بدمه، في استعراض غرائبي للقداسة والسلطة.
ترافقت هذه التحولات مع إعادة تشكيل قسرية للحياة الاجتماعية والتعليمية: فصل الجنسين في المدارس الابتدائية، إدخال مناهج تركز على الجهاد ورباط الخيل وقصص الفتح، خطاب ديني أحادي يقدَّم للأطفال بوصفه الطريق الأوحد إلى الخلاص. في الإعلام، أدعية مشبعة بثقافة الموت، وبرامج تمجّد "القائد المؤمن" وتقدّم رموز العنف العالمي في صورة المنقذ.
في الفضاء العام، انتشرت التكايا والجوامع الوافدة إلى بيئات غريبة عنها، وأُجبر مسؤولون معروفون بسلوكياتهم الليلية على أداء طقوس تدين استعراضي. مشهد واحد تتجاور فيه اللحية الطويلة مع الفساد، والخشوع المعلن مع القسوة اليومية.
كل ذلك أنتج مجتمعًا مأزوما نفسيا: يفكّر بطريقة، يتكلم بأخرى، ويمارس نقيضهما معًا. هذا الاضطراب لم يتوقف عند جيل واحد، بل انتقل إلى الأبناء، في زمن انفتاح عالمي، وتقنيات توثّق كل شيء، وتحوّل العنف إلى مادة استعراض وإذلال.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا على سقوط النظام، ما زلنا نقف عند عتبة التأسيس الأولى. مشكلاتنا ليست طارئة، وليست وليدة لحظة عابرة كليلة رأس السنة، بل هي نتيجة تراكم طويل من التشويه التربوي والثقافي.
الحاجة باتت ملحّة إلى مراجعة شاملة للمناهج الدراسية في جميع المراحل، وإلى تشريعات رصينة يصوغها مختصون مستقلون، بعيدا عن حسابات السياسة. فالمدرسة، قبل أي مؤسسة أخرى، تملك القدرة على إعادة التوازن.
هذا المقال لا يقدّم أحكامًا نهائية، وإنما يطرح قراءة قابلة للنقاش. وإن الاختلاف مرحّب به، شرط أن يُقرأ الكلام في سياقه الكامل، وأن يُناقش بوصفه بنية مترابطة، دون الحكم عليه مسبقا إذ أن المحبة تبقى أعلى من كل خلاف.



#عامر_موسى_الشيخ (هاشتاغ)       Amer_Mousa_Alsheik#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استراتيجية النص الموازي وصناعة التوتر في مجموعة - بائع القلق ...
- من تاريخ حركة الطباعة والتأليف في مدينة السماوة العراقية
- ترند الكتب!!
- وسائل التوحش الاجتماعي !!
- هل كلّ أديب مثقف؟
- لقد هزم العرب إسرا..ئيل!!
- حماسة التعليقات... حين تتحول الكلمات إلى معارك!
- -ما بعد الإنسان- حقل جديد يحفره علي جميل في مدينة السماوة
- قطيعة الأجيال !!
- الذاكرة المجتمعية وفعل المواجهة
- كرنفال الشتائم الوطني!!
- من أدب السيرة الذاتية - ق.م سيرة سجين سياسي - للؤي عمران مثا ...
- بين يوسف الرفاعي وعبد الحميد السماوي
- قراءة في أدب مدينة السماوة التسعيني ... ديوان - مآرب أخرى - ...
- لذة اللبان الوطني المرّ
- في الذكرى الثانية على رحيله ... حامد فاضل الراسخ المجرّب
- أتذكر الدرويش ( إلى محمود درويش وهو يتذكر السياب )
- المغسلة الانتخابية
- سيرة الوطن والمواطن ... قراءة في مذكرات الدكتور غازي الخطيب
- التاريخي والأدبي .. في -صورة أخرى لجمشيد - لنعيم شريف


المزيد.....




- كيم جونغ أون وابنته يشرفان على ثاني تجربة صاروخية خلال أسبوع ...
- -مطر أسود- فوق طهران: الغارات الجوية تسبب تلوثاً -غير مسبوق- ...
- بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
- عائلات تعيش بين الحرب والصراع من أجل البقاء في شمال إسرائيل ...
- -جريح حرب رمضان-... ما سر عدم ظهور مجتبى خامنئي منذ انتخابه ...
- في زمن الأزمات.. كيف نحافظ على الأمان النفسي داخل المنزل؟
- حرب إيران تربك أمريكا.. انقسامات في الكونغرس ومعسكر ترمب وال ...
- بيروت نازحة وغزة جائعة ثمن آخر لحرب إيران
- بسرب من المسيرات.. طهران تهاجم حزبا كرديا إيرانيا في السليما ...
- إيران تستهدف مركزا للاستخبارات الإسرائيلية وإصابة 29 إسرائيل ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عامر موسى الشيخ - منابع بنية العنف المجتمعي في العراق