أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زاهر بولس - الإيقاع البنيوي لرواية حسين كنانة* -فتى أمّ الطوابين-














المزيد.....

الإيقاع البنيوي لرواية حسين كنانة* -فتى أمّ الطوابين-


زاهر بولس

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


في البدء:
دومًا نبدأ من النهايات، وهذا ما ختم به الكاتب حسين كنانة، اقتباسًا أورده العلّامة أبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني:
"إنّي رأيتُ أنّه لا يكتب أحدٌ كتابًا في يومه إلّا قال في غدِهِ لو غيّرتُ هذا لكان أحسن، ولو زدت هذا لكان يستحسن، ولو قدّمت هذا لكان أفضل، ولو تركتُ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر على استيلاء النّقص على جملة البشر". انتهى الاقتباس، ويضيف كنانة "والحمد لله على ضعفنا نحن البشر". ولكن هي طبيعة البشر، البحث عن الكمال الموهوم، مثل الانسان الأعلى الذي بحث عنه فريدريك نيتشه حين تكلّم زرادشت.

فما الذي يحدث؟!
هنالك علاقة جدليّة تفاعليّة بين الكاتب والنّص، بين الكاتب وشخوص الرواية، متخيّلة كانت أو واقعيّة أو ما بين الحالين. فما معنى الجدليّة، أو مقصدنا من استعمال المصطلح الفلسفي هنا؟

أنتَ تكتب أيّها الرّوائيّ "أو أنت أيّتها الرّوائيّة"، وتترك النّص في سيرورة الرّواية إلى حين، وتعود إليه مرّة أخرى، والحين قد يطول أيامًا أو أشهرَ أو سنوات، ومن مارس فعل الكتابة يعرف هذه المعضلة، وعند العودة يكون الكاتب قد كبر بعض الشيء، ورَاكَم تجارب إضافيّة، وازدادت مطالعاته وعلمه، والفرضيّة الخاطئة جزئيًّا أنّ الكتّاب يطالعون، لكن لنقبلها، فيتعمّقُ فكرُه وتتسعُ سبلُ تفكيره ومداركه، فلا يعود ذاتُ الكاتب إلى نصّه، لأنّ شيئًا فيه قد تغيّر، وهذا ما يوجب التغيير، وهو يحدث بسيرورة تكامليّة.

يُذكر في هذا السياق أنّ الكاتب الرّوسي فيودور دوستويفسكي كتب روايته "المقامر" في مدّة ثلاثة أسابيع، "لكنّه مُرغَم أخاك لا بطل"، لاحتياجه إلى المال، فهو أيضًا ابتُلي بآفة القمار، ولكنّها ليست القاعدة. وعادة ما يستمر فعل الكتابة الإبداعيّة الروائيّة مدّةً أطول، والتغيير سنّة الزمن.

وبهذا المنطق أرى في الرواية مقطعين بينهما غياب، وتطوّر بين أسلوبين في الكتابة، وقفزة نوعيّة، وكأنّ الرابط بينهما شخصيّة "يوسف العلي"، فتى أمّ الطوابين، فتى يافة النّاصرة، التي قد نجد مثيلها، بتصرّف، في بلدات أخرى، بطل شعبي ينتمي لفترة معيّنة. وأرى هذه القفزة تحدث مع بداية الشظيّة الرّابعة، صفحة 194، وساتحدّث عن التحوّل.

ثانيًا:
تبدأ القصّة بالحديث عن شخصيّات نَمَا وكَبُر ورَبَى بينها وعلى أساطيرها يوسف العلي، لتؤسّس القاعدة النفسيّة لتَشَكُّل شخصيّته. وهي مجموعات قصصيّة منفصلة، تربطها علاقات قرابة الدم أو الجيرة والصداقة، لكنّها لا تشكّل حلقة سببيّة في تطوّر البناء الدرامي للقصّة، ألّلهم إلّا التأسيس لظاهرة يوسف العلي في وعي المتلقّي. وكلّ قصّة منفردة تصلح لان تكون قصّة قصيرة مستقلّة ناجحة وممتعة وجميلة بفنيّتها، ولكن ترتبط بعامود فقري واحد اسمه يوسف العلي، يستخدمه الكاتب منظارًا لتوصيف مرحلة تاريخيّة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، قصّة مقتل فايز، الأخ الأكبر لمسعدة أبو الفريحات الملقّبة بِ"الحودة"، أمّ حسن، ووالدة يوسف العلي، ونزولها إلى البئر المهجورة لرفع جثّة أخيها، حين وجل الرّجال من فعل هذا: "حملته على كتفها، أو فلنقل: حملت ما تبقّى منه على كتفها، فلقد كان اللحم والأعضاء تتساقط بفعل الأسابيع التي رزح فيها في هذا القبو"، صفحة 33. صورة فنيّة ترسخ في ذهنيّة وذاكرة المتلقّي، فتتفتح الآفاق عن شخصيّة نسويّة أصيلة، تحفظ عاداتها وتقاليدها، وتتجرأ حيث يعجز الرّجال، دون تمويل من صناديق الغرب وتعريفاته المشوّهة لمفهوم النسويّة. فهذه قصّة قصيرة مستقلّة بذاتها، ولها دور وظيفي في بناء صورة يوسف العلي في ذهنيّة المتلقّي، فلا نستغرب جسارته إن كانت الحودة والدته، وتعزّز مفهوم أصالة النسويّة في حضارتنا. لكنّ هذه القصّة لا تغذّي التنامي الدرامي في الرواية، ولا تعتبر حلقة سببية مباشرة لما يأتي بعدها من أحداث الرواية.

في كل قصّة سيادة، تظهر للقارئ في شكل من الأشكال التالية، وهي: سيادة الحوادث، وسيادة الشخصيّة، وسيادة البيئة، وسيادة الفكرة.

إنّ القسم الأوّل من الرواية حتّى شظيّتها الرّابعة ينتمي إلى سيادة الحوادث، والحوادث المكثّفة، لتنتقل في مرحلتها الثانية، ما بعد الشظيّة الرابعة، إلى سيادة الفكرة، في أحداث سجن الجلبوع، والأسرى الأمنيين وتهديدهم بالإضراب، مما يذكّرنا بهروب الأسرى الأمنيين الستّة من السجن، وربما يكون هذا ما غيّر مجرى الرواية! مجرّد تخمين.

وبين سيادة الحوادث وسيادة الفكرة تربط سيادة الشخصيّة، وفي هذه الحالة شخصيّة يوسف العلي، بين جناحي الرواية، ما قبل الشظيّة الرّابعة، وما بعدها. ولا أضعها في خانة السيرة الغيريّة رغم المقوّمات التي تحويها، فالراوي، المتماهي مع الكاتب، جعل من الشخصيّة المركزيّة منظارًا يشرف من خلاله على أحداث مرحلة ما بعد نكبة فلسطين، في الداخل الفلسطيني، وعلى قِيَم يتدخّل الرّاوي في تشكيلها، على طريقة الواقعيّة في الأدب الرّوسي الكلاسيكي.

الناصرة 19.6.2026
*رواية "فتى أم الطوابين" للروائي حسين كنانة، الطبعة الأولى، 2024، مكتبة كل شيء، حيفا.



#زاهر_بولس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفيون وأدب وبارقة
- رواية 311 للكاتب يوسف حجازي العفيفي
- نبذة عن حياة الشاعر والكاتب الفلسطيني زاهر بولس، نائب الأمين ...
- الآن وكما كان(!): حول كتاب -الأطر التنظيميّة الأدبيّة في ال ...
- الشاعر مفلح طبعوني صفحة جديدة في كتاب داجون فلسطين
- غُض الطَّرف
- أَثِير
- ذَرَايَ
- -ضُمّةٌ من زعتر- و-الرجل الرمادي-: قراءة في ديواني الشّاعرة ...
- يوم دراسي حول الأدب النِّسوي المحلّي وتجليّاته في النُّظُم ا ...
- -بداية بلا نهاية- مجموعة قصص قصيرة للكاتب الفلسطيني عامر عود ...
- سيفنا قلم، ودمنا مِدَادٌ، وساحات معاركنا قرطاس الوعي والإدرا ...
- عُهُوْدُ الأسِنَّةِ
- رسالة إلى كاتب لم يولد بعد
- كلمة الكاتب زاهر بولس- المرشّح لموقع نائب الأمين العام لاتحا ...
- أندلسيّات غزّية (رباعيات)
- مَارِدٌ وأَصْنَام
- مَوْجُ النَّهْدِ
- مذبحة الساحل السوري ليست ضد العلويين!
- سِمْط عَمْرو بن كُلْثوم- مساهمة متواضعة


المزيد.....




- أبرز 5 خلاصات.. كأس العالم 2026 يفتح ملفات السياسة والاقتصاد ...
- تشوهات نفسية وجسدية في -أصل الأنواع- تكشف معاناة الإنسان الع ...
- اكتشاف آثار فريدة في المكسيك تعود إلى ما قبل الحقبة الاستعما ...
- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زاهر بولس - الإيقاع البنيوي لرواية حسين كنانة* -فتى أمّ الطوابين-