أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين بقاء النخب؟















المزيد.....

سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين بقاء النخب؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 07:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

من يربح معركة النفوذ الجديدة على حدود روسيا؟

في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل الأمن الأوروبي وإمكانية إعادة صياغة العلاقة بين موسكو وواشنطن، برزت خلال الأشهر الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت في سعي عدد من دول أوروبا الشرقية، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، إلى إستضافة مزيد من القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية، بل وحتى طرح فكرة نشر أسلحة نووية أمريكية على أراضيها.
هذه الظاهرة كانت محور مقال تحليلي نشره المفكر الروسي تيموفي بورداشوف، مدير البرامج في منتدى فالداي، في الرابع من حزيران/يونيو 2026 تحت عنوان «إلى أين يقود السباق نحو القواعد الأمريكية؟».
ويقدم الكاتب قراءة تتجاوز التفسير الأمني التقليدي، معتبراً أن القضية لا تتعلق فقط بالدفاع والردع، بل ترتبط أيضاً بطبيعة السلطة والسيادة ومستقبل النخب السياسية الحاكمة في عدد من دول شرق أوروبا.
ورغم أن أطروحته تنطلق من رؤية روسية واضحة، فإنها تثير أسئلة أوسع تتعلق بمفهوم السيادة، وحدود التحالفات العسكرية، والعلاقة بين الأمن الخارجي والإستقرار الداخلي، في قارة لا تزال تعيش على وقع إرث الحرب الباردة وصراعات التاريخ.

القواعد العسكرية كضمانة سياسية

يرى بورداشوف أن بعض الحكومات في أوروبا الشرقية لا تنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي بإعتباره مجرد وسيلة دفاعية، بل بإعتباره ضمانة سياسية طويلة الأمد.
فبحسب قراءته، يمنح الإرتباط المباشر بالولايات المتحدة لهذه الحكومات إجابات جاهزة عن أسئلة معقدة تواجهها أي دولة: كيف تؤمن نفسها؟ وما هو موقعها الإستراتيجي؟ وكيف تحافظ النخب الحاكمة على إستقرار النظام السياسي في مواجهة الضغوط الداخلية؟
ويذهب الكاتب إلى أن نقل جزء كبير من مسؤولية الأمن الوطني إلى قوة عظمى خارجية يخفف من الأعباء الملقاة على الدولة، ويمنح النخب الحاكمة شعوراً أكبر بالإستقرار، خصوصاً في المجتمعات التي تواجه تحديات إقتصادية أو إجتماعية متزايدة.
ومن هنا يفسر الحماس البولندي لإستضافة قوات أمريكية إضافية يجري الحديث عن نقلها من ألمانيا، كما يفسر التصريحات الليتوانية المتعلقة بإمكانية إستضافة أسلحة نووية أمريكية.

السيادة والأمن: معادلة معقدة

أحد المحاور الرئيسية في المقال يتمثل في العلاقة بين السيادة الوطنية والحماية الخارجية.
فالكاتب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع الدولة أن تحتفظ بإستقلالها الكامل عندما تصبح مسؤولية أمنها مرتبطة بشكل وثيق بقوة أجنبية؟
في نظره، يؤدي الإعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية إلى تقليص هامش القرار الإستراتيجي الوطني، حتى وإن وفر شعوراً أكبر بالأمان.
غير أن المدافعين عن هذه الترتيبات يطرحون رؤية مختلفة، مفادها أن التحالفات العسكرية الحديثة لا تنتقص من السيادة بقدر ما تعززها، لأن الدول الصغيرة والمتوسطة تجد فيها وسيلة لحماية أمنها ضمن منظومات دفاع جماعي واسعة.
ومن هنا يتحول النقاش حول القواعد العسكرية إلى نقاش أعمق حول مفهوم السيادة في عالم تتشابك فيه المصالح والتحالفات الدولية.

الذاكرة التاريخية الروسية

لا يمكن فهم الموقف الروسي من توسع الوجود العسكري الغربي في شرق أوروبا من دون العودة إلى الخلفية التاريخية التي تشكلت عبر قرون.
ففي الوعي الإستراتيجي الروسي تحتل مسألة الغزوات القادمة من الغرب مكانة مركزية. ويستشهد المؤرخون الروس بالغزو البولندي ـ الليتواني لموسكو في مطلع القرن السابع عشر، والحرب الشمالية الكبرى مع السويد في القرن الثامن عشر، وحملة نابليون عام 1812، ثم الغزو الألماني خلال الحربين العالميتين، وخاصة الهجوم النازي عام 1941 الذي كلف الإتحاد السوفياتي خسائر بشرية ومادية هائلة.
ومن هذا المنطلق، يرى العديد من المفكرين الروس أن البحث عن عمق إستراتيجي وضمانات أمنية على حدود روسيا الغربية يمثل إستجابة تاريخية لتجارب متكررة من الحروب والغزوات التي هددت وجود الدولة الروسية نفسها.

الذاكرة التاريخية في أوروبا الشرقية

في المقابل، تنطلق دول أوروبا الشرقية من تجربة تاريخية مختلفة.
فبالنسبة لعدد من النخب السياسية في بولندا ودول البلطيق، ترتبط مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بإندراج بلدانها ضمن المجال السياسي والأمني السوفياتي الذي تشكل في أوروبا عقب إنتصار الحلفاء على ألمانيا النازية. وترى هذه النخب أن إستقلال قرارها الإستراتيجي تعزز بعد إنتهاء الحرب الباردة وإنضمامها إلى المؤسسات الأوروبية والأطلسية، الأمر الذي يفسر تمسكها بالشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
ومن المهم التمييز هنا بين مسألتين مختلفتين تاريخياً: فمن جهة، شهدت روسيا عبر تاريخها حروباً وغزوات واسعة النطاق إستهدفت أراضيها ووجودها السياسي، ومن جهة أخرى شهدت أوروبا ما بعد عام 1945 نشوء منظومة نفوذ ومجالات أمنية تشكلت في إطار التوازنات التي أفرزها إنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. والخلط بين هاتين الظاهرتين يؤدي غالباً إلى تبسيط مفرط للتاريخ الأوروبي المعقد.

يالطا والنظام الأوروبي بعد الحرب

تشكل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الدراسات التاريخية والسياسية.
فالنظام الأوروبي الذي نشأ بعد عام 1945 لم يكن نتيجة قرارات سوفياتية أو أمريكية منفردة، بل جاء في إطار تفاهمات القوى المنتصرة في الحرب، ولا سيما في مؤتمري يالطا وبوتسدام، حيث جرى رسم ملامح النظام الأمني والسياسي الجديد في القارة.
ويرى بعض الباحثين أن مناطق النفوذ التي تشكلت لاحقاً كانت إمتدادًا طبيعياً لهذه التفاهمات، فيما يرى آخرون أن تلك الترتيبات قيدت قدرة العديد من الدول على ممارسة إستقلالها الكامل. وبين هذين التفسيرين ما زال الجدل التاريخي قائماً حتى اليوم.

مفارقة الإنسحاب الروسي والبقاء الأمريكي

بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، إنسحبت القوات الروسية من دول أوروبا الشرقية ومن ألمانيا الشرقية السابقة، وإنتهت المنظومة العسكرية التي كانت تقودها موسكو في القارة، أي تم حل حلف وارسو .
في المقابل، إستمر الوجود العسكري الأمريكي كما كان في الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا وغيرها، ضمن إطار حلف الناتو.
ويرى بعض المحللين أن هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول طبيعة النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب الباردة، وحول ما إذا كان إنتهاء المواجهة بين المعسكرين قد أدى بالفعل إلى توازن جديد، أم إلى إنتقال مركز الثقل العسكري في القارة نحو بنية أمنية تقودها الولايات المتحدة.
أما التفسير الغربي السائد فيؤكد أن هذا الوجود العسكري يتم بناءً على إتفاقات وتحالفات قائمة بين دول ذات سيادة، ويستند إلى إعتبارات الدفاع الجماعي والإستقرار الإقليمي.

المادة الخامسة وحدود الضمانات

رغم المكانة الرمزية الكبيرة للمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، فإن بعض دول أوروبا الشرقية تسعى إلى ما هو أبعد من الضمانات القانونية.
فوجود قوات أمريكية فعلية على الأرض يُنظر إليه في وارسو وفيلنيوس وريغا وتالين بوصفه ضمانة أكثر صلابة من النصوص والإلتزامات النظرية.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار المتزايد على إستضافة قواعد ومنشآت وقوات إضافية، خصوصاً في ظل إستمرار التوتر بين روسيا والغرب.

أوروبا بين سرديتين

في جوهر الأمر، لا يدور الجدل الحالي حول القواعد العسكرية فقط، بل حول قراءتين مختلفتين للتاريخ الأوروبي.
السردية الروسية تؤكد أن أخطر التهديدات التي واجهت الدولة الروسية جاءت من الغرب، وأن معظم الحروب الوجودية التي خاضتها روسيا عبر القرون إنطلقت من المجال الأوروبي.
أما السردية السائدة في بولندا ودول البلطيق فتركز على أهمية الإندماج في المؤسسات الغربية بإعتباره الضمانة الأساسية لأمنها وإستقرارها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وبين هاتين الرؤيتين تتشكل كثير من التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها القارة الأوروبية اليوم.

الخلاصة

يكشف الجدل حول القواعد الأمريكية في أوروبا الشرقية أن الصراع الدائر لا يتعلق فقط بالأسلحة والقوات والتحالفات، بل يمتد إلى مفاهيم أعمق تتعلق بالسيادة والذاكرة التاريخية والهوية الإستراتيجية.
فبالنسبة لروسيا، يمثل إقتراب البنى العسكرية الغربية من حدودها إمتدادًا لهواجس أمنية تشكلت عبر قرون من الحروب والغزوات القادمة من الغرب.
أما بالنسبة لبولندا ودول البلطيق، فإن تعزيز الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة يُنظر إليه بإعتباره إستثماراً في الأمن والإستقرار ضمن البيئة الإستراتيجية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة.
وبين هذين المنظورين المتعارضين، يبدو أن أوروبا لا تزال تبحث عن صيغة جديدة للأمن الجماعي، صيغة تستطيع التوفيق بين ذاكرة الماضي ومتطلبات المستقبل، وبين حق الدول في إختيار تحالفاتها وحق القوى الكبرى في البحث عن بيئة أمنية مستقرة على حدودها.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صفحات التاريخ - الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخب ...
- من هرمز إلى ملقا: كيف أصبحت المضائق ساحة الصراع الكبرى في ال ...
- ألكسندر دوغين - منتدى سانت بطرسبورغ المفصلي والحرب مع أوروبا ...
- بريكس على صفيح الشرق الأوسط الساخن: هل تكشف أزمة إيران والإم ...
- إعادة تموضع التنين: الصين بين الشراكة مع روسيا والإنفتاح مع ...
- أرمينيا بعد روسيا؟
- الإمبراطورية التي تحمل الحرب معها
- من «الحرب المحدودة» إلى «الحرب بلا قيود».. ماذا يكشف خطاب ال ...
- ألكسندر دوغين – حول ستالين
- بين مضيق هرمز وجبهة لبنان: هل ينهار الحوار الأمريكي ـ الإيرا ...
- هل إنتهى زمن «الأوليغارشية المحايدة» في روسيا؟
- بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات ...
- من صفحات التاريخ - أيار 1941: الحرب على الأبواب
- من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم ...
- نتائج الحرب على إيران - من إستنزاف الصواريخ إلى خرائط التجار ...
- ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا عل ...
- كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي ...
- ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
- الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون ...
- روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟


المزيد.....




- ماغيار يتعهد بـ-فضح- حكومة سلفه أوربان
- -تايمز أوف إسرائيل-: صفقة أمريكية-إيرانية وشيكة بنسبة نجاح 8 ...
- ترامب يعلن تصفية زعيم عصابة -ترين دي أراغوا- الفنزويلية (فيد ...
- مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين جراء هجوم مسيرة أوكرانية في إقلي ...
- نقطة تحول قطرية حاسمة مهدت لتوجه فانس إلى جنيف لتوقيع مذكرة ...
- إيلون ماسك أول تريليونير في العالم بعد بيع أسهم سبيس إكس، ما ...
- دراسة: تلوث الهواء يرفع خطر أمراض القلب حتى في المستويات -ال ...
- القيادة المركزية الأمريكية تعلن إسقاط مسيرات إيرانية حاولت م ...
- ترمب يعلن تصفية زعيم منظمة -ترين دي أراغوا- بعملية مشتركة مع ...
- كشف آخر تطورات جهود انتشال جثمان المتسلق اليمني -القعقاع-


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين بقاء النخب؟