أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام بتهمة التواطؤ في إبادة فلسطين















المزيد.....


محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام بتهمة التواطؤ في إبادة فلسطين


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة: بين بروكسل وغزة.. مسافة التواطؤ

في قاعات المفوضية الأوروبية ببروكسل، حيث ترفرف أعلام الاتحاد الأوروبي السبعة وعشرين نجمة في تناغم مخادع، تُتخذ قرارات تبدو بعيدة عن نزيف الدماء الذي يلوث تراب غزة. لكن المسافة ليست جغرافية بقدر ما هي أخلاقية. فالمتاجرة بسلع الاحتلال، وتغليف انتهاكات القانون الدولي بورق التجارة المزخرف، وتحويل دماء الفلسطينيين إلى سلعة للتبادل التجاري، كلها وقائع تضع المفوضية الأوروبية اليوم على قفص الاتهام، ليس أمام محاكم لاهاي وحدها، بل أمام تاريخ لن يرحم، وأمام ضمير إنساني يئن تحت وطأة الصور القادمة من المستشفيات الممتلئة بالأطفال الجرحى.

هذه مادة صحفية معمقة، تسبر أغوار القضية الأكثر إيلاماً في العلاقات الأوروبية العربية: محاكمة المفوضية الأوروبية بتهمة التواطؤ في إبادة جماعية، عبر فتح أبواب أسواقها لسلع تُنتج على أنقاض الفلسطينيين، وتُشحن بدماء الشهداء، وتُباع باليورو بينما تحترق غزة تحت القصف.

……

أرض فلسطين 48... الجرح المفتوح الذي لا يندمل

1.1 فلسطينيو الداخل: شعب فوق أرضه لكن تحت نير الاحتلال

عندما نكتب عن "أراضي فلسطين 48"، فإننا نشير إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، التي أقيم عليها كيان الاحتلال الإسرائيلي. أما الفلسطينيون هناك، فهم مواطنون من الدرجة الثانية، يعيشون تحت نظام قانوني تمييزي، ويمنعون من العودة إلى قراهم التي هُجروا منها، وتُصادر أراضيهم لصالح المستوطنات والمشاريع الصناعية التابعة للاحتلال.

في هذه المناطق تحديداً، تُنتج سلع الاحتلال التي تتدفق بعد ذلك إلى الأسواق الأوروبية عبر اتفاقيات الشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. سلع تحمل علامات تجارية عالمية، لكنها تُصنع في مستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، وعلى أراضٍ سُلب أصحابها بالقوة.

1.2 الاحتلال التجاري: كيف تُصبغ التجارة طابع الشرعية على الجريمة؟

تزعم إسرائيل أنها تتبع قوانين التجارة الدولية، لكن الحقيقة أن منتجات المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان السوري المحتل، لا يمكن فصلها عن جريمة الاحتلال نفسها. فكل قرش يُدفع ثمناً لسلعة إسرائيلية، هو قرش يمول آلية القمع العسكرية، ويُبقي الاحتلال قادراً على الاستمرار.

وهنا يأتي دور المفوضية الأوروبية: فهي المسؤولة عن تنفيذ الاتفاقيات التجارية، وعن ضمان عدم استيراد سلع من المستوطنات. لكنها تغض الطرف، وتسمح بتمرير البضائع دون تمييز، وتتجاهل قرارات محكمة العدل الدولية التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان. هذا التجاهل ليس سلبياً، بل هو مشاركة فعلية في دعم نظام الفصل العنصري.

…….

2. الإطار القانوني... السلاح الذي قد يقتل التواطؤ

2.1 مبدأ التواطؤ في القانون الدولي: مساعدة الجاني جريمة بحد ذاتها

ينص القانون الدولي الجنائي على أن "المساعدة والتحريض" على ارتكاب جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، يشكل جريمة قائمة بذاتها. المادة 25 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تجرم أي شخص "يساعد أو يحرض أو يساهم بأي شكل آخر" في ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.

المفوضية الأوروبية، من خلال استمرارها في تقديم التسهيلات التجارية والمالية لإسرائيل، وهي ترتكب أفعالاً ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في غزة، تكون قد وضعت نفسها في دائرة المتهمين بهذه الجريمة. ليس بفعل مباشر، بل بتوفير الغطاء الاقتصادي الذي يسمح لآلة القتل بالعمل دون توقف.

2.2 خرقتان لا تغتفران: معاهدة الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة

الخرق الأول: المادة 21 من معاهدة الاتحاد الأوروبي
تنص هذه المادة صراحة على أن "إجراءات الاتحاد على الساحة الدولية تسترشد بمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان". عندما تسمح المفوضية باستيراد سلع الاحتلال، فإنها تنتهك مبادئها المعلنة، وتُظهر ازدواجية معايير فاضحة: حقوق الإنسان للفلسطينيين غير ذات أولوية أمام المصالح التجارية.

الخرق الثاني: المادة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية
هذه الاتفاقية، الموقعة عام 1995، جعلت من احترام حقوق الإنسان "عنصراً أساسياً" في العلاقات. وتنص المادة الثانية على أن أي انتهاك جسيم لحقوق الإنسان يمكن أن يؤدي إلى تعليق الاتفاقية. إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان يومياً، وترتكب جرائم حرب، وتُتهم أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب إبادة جماعية. فلماذا لم تُعلق المفوضية الاتفاقية بعد؟

2.3 تجاهل تدابير محكمة العدل الدولية: ازدراء لضمير العالم

في يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارات مؤقتة في الدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، طالبت فيها إسرائيل بمنع أعمال الإبادة الجماعية، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. المفوضية الأوروبية، بدلاً من أن تضغط على إسرائيل لتنفيذ القرارات، واصلت علاقاتها التجارية وكأن شيئاً لم يحدث.

بعض أعضاء البرلمان الأوروبي وصفوا ذلك بأنه "ازدراء صارخ للمؤسسة القضائية الدولية العليا". والأخطر أن المفوضية قامت في فترات سابقة بتجميد مساعداتها للأونروا، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، بناءً على اتهامات إسرائيلية غير مثبتة، مما زاد من معاناة سكان غزة المحاصرين.

…….

3. من غزة إلى لبنان إلى إيران... الإبادة لا تعترف بالحدود

3.1 غزة: مختبر الإبادة المفتوح

عندما نتحدث عن الإبادة الجماعية، فإننا لا نستخدم كلمة فضفاضة. غزة تقدم الدليل اليومي: أكثر من 40 ألف شهيد حتى كتابة هذه السطور، غالبيتهم من النساء والأطفال. تدمير شامل للبنية التحتية: مستشفيات، مدارس، جامعات، مساجد، كنائس. تجويع ممنهج، ومنع للمياه والغذاء والدواء. كل هذا يحدث أمام كاميرات العالم، وتحت أنظار المفوضية الأوروبية التي تطلق تصريحات مستنكرة لكنها تواصل استيراد سلع الاحتلال.

سؤال مباشر: كيف يمكن لدولة أوروبية أن تستورد طماطم من مستوطنة إسرائيلية، بينما أطفال غزة يموتون جوعاً؟ كيف يمكن لتاجر أوروبي أن يبيع زيتوناً من الجولان المحتل، بينما قنابل إسرائيلية تحول منازل غزة إلى ركام؟ هذا ليس مجرد عمل تجاري. هذا تواطؤ بالمعنى القانوني والأخلاقي للكلمة.

3.2 لبنان: التمدد الإقليمي للإبادة

لم تقتصر آلة القتل الإسرائيلية على غزة. الاغتيالات في لبنان، والقصف الذي يستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، واستهداف القوات الدولية اليونيفيل، كلها وقائع تؤكد أن إسرائيل تعمل على توسيع نطاق الإبادة لتشمل كل من يعارض مشروعها.

المفوضية الأوروبية، التي تزعم أنها شريك للبنان في الاستقرار، تقف مكتوفة الأيدي. بل الأسوأ، أن التكنولوجيا العسكرية الأوروبية الصنع تُستخدم في قصف لبنان. قطع غيار الطائرات الحربية الأوروبية، وأنظمة المراقبة، والإلكترونيات، كلها تصل إلى إسرائيل عبر قنوات تجارية تسمح بها وتسهلها المفوضية.

3.3 إيران: الهدف البعيد والورقة الرابحة

الحديث عن إيران في هذا السياق ليس تبريراً لسياساتها، بل هو إدراك للحقيقة: إسرائيل تعمل على إشعال حرب إقليمية تستهدف إيران وحلفاءها. وكل دعم تقدمه أوروبا لإسرائيل، سواء كان تجارياً أو تكنولوجياً أو سياسياً، يُقرأ في تل أبيب كضوء أخضر لتوسيع العدوان.

المنطق واضح وبسيط: كل يورو يذهب لجيب الاقتصاد الإسرائيلي عبر التجارة، هو يورو يتحول إلى قنبلة تسقط على طفل في غزة، أو على منزل في الضاحية الجنوبية، أو على موقع عسكري في إيران. لا توجد تجارة محايدة مع دولة ترتكب إبادة جماعية. التجارة مع القاتل هي شهادة وفاة إضافية لضحاياه.

……

4. آليات المحاكمة... كيف يمكن مساءلة المفوضية؟

4.1 أمام محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ: المعركة الأولى

محكمة العدل الأوروبية هي الجهة المختصة بالنظر في شرعية أعمال مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما فيها المفوضية. لرفع دعوى ضد المفوضية، هناك عدة سبل:

الدعوى المباشرة من الدول الأعضاء: يمكن لدولة مثل أيرلندا أو إسبانيا أو بلجيكا، التي تتخذ مواقف أكثر تقدماً تجاه حقوق الفلسطينيين، أن ترفع دعوى إلغاء (Action for Annulment) ضد قرارات المفوضية بتمديد الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل. هذه الدول يمكنها أن تثبت أن استمرار هذه الاتفاقيات يشكل خرقاً للمادة 2 من اتفاقية الشراكة وللمادة 21 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.

دعوى المؤسسات والبرلمانيين: يمكن لربع أعضاء البرلمان الأوروبي على الأقل، أو للجنة من مؤسسات الاتحاد، رفع دعوى تطالب بتجميد التفويض التجاري الممنوح للمفوضية مع إسرائيل. هذا السبل لم يُستخدم بعد، لكن ضغط الرأي العام قد يدفع باتجاهه.

إشكالية الصفة المباشرة (Locus Standi): المشكلة الأكبر أمام الأفراد والمنظمات غير الحكومية هي شرط الصفة المباشرة. محكمة العدل الأوروبية تشترط أن يكون رافع الدعوى متضرراً بشكل شخصي ومباشر من القرار. وهذا صعب جداً في قضايا السياسة الخارجية. لكنه ليس مستحيلاً: إذا تمكنت منظمة فلسطينية أوروبية من إثبات أن استيراد سلع من مستوطنة معينة أدى إلى حرمان عائلتها من أرضها، فقد يكون ذلك كافياً.

4.2 أمام المحاكم الوطنية: الإستراتيجية غير المباشرة التي أثبتت نجاحها

هذا هو المسار الواعد. ففي هولندا، تمكنت منظمات حقوقية (من بينها منظمة "أوكسفام" و"PAX") من إقناع محكمة الاستئناف في لاهاي في فبراير 2024 بمنع الحكومة الهولندية من تصدير قطع غيار طائرات F-35 إلى إسرائيل، مستندة إلى خشية واضحة من استخدامها في انتهاك القانون الإنساني الدولي في غزة.

هذا الحكم كان زلزالاً قانونياً، لأنه وضع سابقة: يمكن للمحاكم الوطنية أن تمنع حكوماتها من تزويد إسرائيل بأي منتج يمكن استخدامه في انتهاك القانون الدولي. وبتوسيع المنطق نفسه، يمكن رفع دعاوى مماثلة في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، تطالب حكوماتها بمنع استيراد أي سلع إسرائيلية تأتي من المستوطنات أو التي تُمول آلة الحرب.

آلية الإحالة التمهيدية (Preliminary Ruling): عندما ترفع دعوى أمام محكمة وطنية، يجوز لتلك المحكمة أن تسأل محكمة العدل الأوروبية عن تفسير قانوني معين. على سبيل المثال، يمكن للمحكمة الهولندية أن تسأل محكمة العدل الأوروبية: "هل استمرار المفوضية في تطبيق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، في ضوء قرارات محكمة العدل الدولية، يشكل خرقاً للقانون الأوروبي؟" إجابة محكمة العدل الأوروبية ستكون ملزمة للمفوضية، ويمكن أن تؤدي إلى تعليق الاتفاقية.

4.3 أمام المحكمة الجنائية الدولية: المساءلة الفردية

المحكمة الجنائية الدولية لا تحاكم المؤسسات، بل الأفراد. لكن هذا لا يعني أن مسؤولي المفوضية في مأمن. إذا ثبت أن مفوضاً أوروبياً معيناً (مثل مفوضة التجارة أو مفوض الشؤون الخارجية) كان يعلم بشكل مؤكد أن استمرار الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل يساعد في ارتكاب جرائم حرب، واستمر في ذلك رغم العلم، فإنه يمكن أن يُتهم بـ "المساعدة والتحريض" على هذه الجرائم.

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، فتح تحقيقاً في جرائم إسرائيل في فلسطين منذ عام 2021. إذا تمكن من جمع أدلة على دور أوروبي في تسهيل هذه الجرائم، فإن بعض المسؤولين الأوروبيين قد يجدون أنفسهم في قفص الاتهام بجانب القادة الإسرائيليين.

………

5. العقبات... لماذا لم تتم محاكمة المفوضية حتى الآن؟

5.1 السلطة التقديرية السياسية: الدرع الحصين

المفوضية الأوروبية تتمتع بهامش واسع من السلطة التقديرية (Discretionary Power) في إدارة العلاقات الخارجية. والمحاكم، سواء الأوروبية أو الوطنية، مترددة تقليدياً في التدخل في القرارات السياسية العليا. تفضل المحاكم أن تترك هذه القضايا "للسلطة السياسية" وتكتفي بمراقبة الشكل القانوني لا الجوهر.

هذا التردد القضائي هو أكبر عقبة. فالقضاة يخافون من أن يتهموا "بسياسة القانون" أو بتجاوز دورهم. لكن مع تصاعد حجم الجرائم في غزة، قد يضطر القضاة إلى تغيير موقفهم، لأن التزام الصمت في وجه الإبادة الجماعية ليس حياداً، بل تواطؤاً من نوع آخر.

5.2 الانقسام الأوروبي الداخلي: ألمانيا كالحجر الثقيل

داخل الاتحاد الأوروبي، هناك انقسام حاد حول إسرائيل. ألمانيا تعتبر دعم إسرائيل "سبباً وجودياً" مرتبط بمسؤوليتها التاريخية عن الهولوكوست. هذا الموقف الألماني يوفر غطاءً سياسياً قوياً للمفوضية، ويجعل اتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل صعباً جداً.

دول أخرى مثل النمسا والمجر والتشيك تحذو حذو ألمانيا. في المقابل، هناك دول مثل أيرلندا وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا تطالب باتخاذ موقف أكثر حزماً. هذا الانقسام الداخلي يجعل المفوضية تتخذ مواقف وسطية محبطة، لا ترضي أحداً، وتجعلها تبدو ضعيفة ومنافقة.

5.3 قوة الضغط الاقتصادي الإسرائيلي واللوبي الأوروبي

إسرائيل ليست مجرد دولة صغيرة. هي لاعب اقتصادي وتكنولوجي مهم في أوروبا. شركات التكنولوجيا الإسرائيلية تتعاون مع عمالقة الصناعة الأوروبية (سيمنز، إيرباص، تاليس، وغيرها). واللوبي الإسرائيلي في بروكسل نشط وقوي، ويتحكم في الكثير من القنوات الإعلامية والسياسية.

رفع قضية ضد إسرائيل يعني مواجهة هذا الثقل الاقتصادي، ودفع ثمن سياسي واقتصادي باهظ. بعض الدول الأوروبية تخشى من أن تؤدي مقاطعة إسرائيل إلى فقدان آلاف الوظائف وخسائر بمليارات اليورو. لكن السؤال الأخلاقي يبقى: بأي ثمن نبيّض وجه التجارة بينما تُذبح الأرواح؟

…….


6.أبعاد إنسانية... قصص من قلب الإبادة

6.1 غزة: رنا وعائلتها تحت الأنقاض

في ديسمبر 2023، قصفت طائرات إسرائيلية منزلاً في خان يونس كان يأوي عائلة رنا (34 عاماً)، المعلمة الفلسطينية التي لم تجد ملاذاً آمناً مع أطفالها الأربعة. أنقذت رنا نفسها وطفليها الأصغرين، لكنها فقدت زوجها وابنيها الأكبر. تقول رنا الآن، وهي ترقد في مستشفى ميداني بلا أطراف: "كل يوم أسمع أن دولاً أوروبية تبيع لإسرائيل أسلحة وتستورد بضائعها... لماذا؟ ماذا فعلنا نحن؟ أليس أطفالي بشراً؟"

قصة رنا ليست استثناء. هي مئات الآلاف من القصص المتشابهة. كل قنبلة إسرائيلية تحمل توقيعاً أوروبياً في مكوناتها أو تمويلها أو غطائها السياسي. كل سلعة إسرائيلية تُباع في أسواق برلين وباريس وروما، هي قطرة دم إضافية تسيل من جسد غزة المنهك.

6.2 لبنان: جنازة جماعية في بيروت

في سبتمبر 2024، اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في غارة استخدمت فيها قنابل أمريكية الصنع تُقدر كل واحدة بمئات الآلاف من الدولارات. في الغارة نفسها، قُتل العشرات من المدنيين اللبنانيين، بينهم نساء وأطفال كانوا يسكنون في مبانٍ سكنية قريبة.

لبنان يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي خانق. الحرب الإسرائيلية تزيد الطين بلة. والاتحاد الأوروبي، بدلاً من أن يضغط لوقف إطلاق النار، يواصل إرسال المساعدات المالية للحكومة اللبنانية من جهة، ويواصل تزويد إسرائيل بالتكنولوجيا العسكرية من جهة أخرى. ازدواجية تقطر نفاقاً.

6.3 فلسطينيو 48: المواطنون لكن ليسوا متساوين

في أراضي فلسطين 48، يعيش الفلسطينيون تحت نظام قمعي يُخضعهم لقوانين مختلفة عن اليهود. مصادرة الأراضي، هدم المنازل، التمييز في التوظيف والتعليم، كلها ممارسات يومية. المفوضية الأوروبية، التي تدّعي أنها تحمي الأقليات، تصمت عن كل هذا. بل وتساعد في استيراد منتجات تُصنع على أراضٍ مصادرها من هؤلاء الفلسطينيين أنفسهم.

علي (52 عاماً)، مزارع من قرعة في المثلث، صودرت أرضه لصالح بناء مستوطنة صناعية تنتج زيت الزيتون الذي يُصدر إلى أوروبا. يقول علي: "هذا زيتوني. أرضي. أهلي الذين زرعوا هذه الأشجار منذ مئة عام. والآن، أرى ملصقات أوروبية على علب زيت الزيتون الإسرائيلي في المتاجر... كل مرة أراها، أشعر وكأنهم يسرقون روحي."

……..

7.تحليل سياسي... لماذا تصر المفوضية على موقفها؟

7.1 رهان استراتيجي على مستقبل الشرق الأوسط

تؤمن النخبة الحاكمة في بروكسل بأن إسرائيل هي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وأن التعاون معها ضروري لمكافحة الإرهاب، وللحفاظ على استقرار المنطقة، وللتقدم التكنولوجي والعلمي. هذا الرهان الاستراتيجي جعل المفوضية تتجاهل الانتهاكات الإسرائيلية لعقود، وتعتبرها "أضراراً جانبية" مقبولة في سبيل تحقيق مصالح أكبر.

هذا المنطق خاطئ من أساسه. فاستقرار المنطقة لن يتحقق بإدامة الاحتلال والقمع، بل بإنهائه. ومكافحة الإرهاب لن تنجح بتغذية الاستياء الفلسطيني، بل بإزالة أسبابه. والتقدم التكنولوجي لا يمكن أن يبرر المشاركة في الإبادة الجماعية.

7.2 الخوف من الفراغ الأمريكي

أوروبا تخشى أن أي مقاطعة جادة لإسرائيل ستؤدي إلى ملء الفراغ من قبل الصين وروسيا. تخشى أن تخسر موقعها كشريك تجاري وتكنولوجي لإسرائيل، لصالح منافسيها العالميين. هذا الخوف حقيقي، لكنه لا يبرر الصمت. فالدول الأوروبية تستطيع أن تضع شروطاً واضحة لتجارتها مع إسرائيل، وأن تعلق الاتفاقيات حتى تلتزم إسرائيل بالقانون الدولي. بدلاً من ذلك، اختارت مسار الاستمرار، وهو مسار الجبان والخائن لقيمها المزعومة.

……..

8. الطريق إلى المحاكمة... سيناريوهات متوقعة

8.1 السيناريو الأول: نجاح الدعوى أمام محكمة العدل الأوروبية

إذا تمكنت مجموعة من الدول الأعضاء (أيرلندا، إسبانيا، بلجيكا، سلوفينيا) من رفع دعوى ناجحة أمام محكمة العدل الأوروبية، فقد تصدر المحكمة حكماً تاريخياً يلزم المفوضية بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بشكل فوري، أو على الأقل تعليق البنود التجارية المتعلقة بالمنتجات القادمة من المستوطنات.

هذا السيناريو ليس مستحيلاً، خاصة في ظل تزايد الأدلة على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية قوية من تلك الدول، وإلى جرأة قضائية من المحكمة الأوروبية.

8.2 السيناريو الثاني: تراكم السوابق القضائية الوطنية

هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير. مع كل حكم تصدره محكمة هولندية أو بلجيكية بمنع تصدير منتج معين إلى إسرائيل، ومع كل حكم بمنع استيراد سلع من المستوطنات، تتراكم السوابق. هذا التراكم سيخلق ضغطاً لا يُحتمل على المفوضية، وسيجبرها على تغيير سياساتها تدريجياً.

فالمفوضية لا تريد أن تُتهم صراحة بانتهاك القانون الأوروبي. عندما تصبح الأحكام القضائية الوطنية كثيرة ومترابطة، سيصبح من المستحيل على المفوضية تجاهلها. عندها، قد تضطر إلى فتح تحقيق داخلي في شرعية اتفاقياتها مع إسرائيل.

8.3 السيناريو الثالث: ضغط الرأي العام الأوروبي

لا نستطيع أن نغفل دور الرأي العام. المظاهرات التي عمت المدن الأوروبية دعماً لغزة، والمقاطعة الشعبية للمنتجات الإسرائيلية، والضغط الإعلامي المتزايد، كلها عوامل تخلق مناخاً سياسياً معادياً للاستمرار في دعم إسرائيل.

الأحزاب السياسية الأوروبية بدأت تستشعر هذا التحول. بعض الأحزاب الخضراء واليسارية تتبنى الآن مواقف واضحة بضرورة مقاطعة إسرائيل اقتصادياً. مع الانتخابات الأوروبية المقبلة، قد تتغير تركيبة البرلمان الأوروبي لصالح قوى أكثر انتقاداً لإسرائيل، مما سينعكس على تعيين المفوضين الجدد وسياساتهم.

……

التاريخ ينتظر... وأرواح غزة تراقب

أمام المفوضية الأوروبية طريقان لا ثالث لهما: إما أن تستمر في سياسة التواطؤ، فتكون شريكاً في الإبادة الجماعية، وتتحمل مسؤولية كل قطرة دم تسيل في غزة ولبنان وإيران؛ وإما أن تراجع حساباتها، وتعلن وقفاً فورياً لاستيراد سلع الاحتلال، وتعلق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل حتى تلتزم بالقانون الدولي، وتستخدم ثقلها الاقتصادي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

القضاء الأوروبي، رغم بطئه ومحافظته، يظل أمل الملايين من الفلسطينيين والعرب والمحررين في العالم. فمحاكم لاهاي ليست مجرد مبانٍ من زجاج وإسمنت. هي آخر معاقل العدالة في عالم يعبد القوة ويقدس المصالح. إن أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكماً ضد المفوضية، فسيكون حكماً لصالح الإنسانية جمعاء، وسيكون رسالة بأن لا أحد فوق القانون، حتى لو كانوا يحملون رايات الاتحاد الأوروبي.

المادة الصحفية التي بين أيديكم، والتي امتدت لعشر صفحات، لم تكن مجرد سرد قانوني جاف، بل كانت محاولة لتجسيد مأساة إنسانية بكل تفاصيلها. كل اسم ورد فيها، كل قصة، كل تفصيل، هو شهيد يتهم. يتهم المفوضية الأوروبية. يتهم الصمت الأوروبي. يتهم التجارة الأوروبية التي تبيض وجه الجريمة الإسرائيلية.

ختاماً، نقفز قليلاً خارج النص المهني لنقول: التاريخ يراقب. والأجيال القادمة ستحكم علينا جميعاً. هل وقفنا مع الضحية أم مع الجلاد؟ هل تحدثنا أم صمتنا؟ هل قاطعنا أم شاركنا؟ كل واحد منا سيُسأل. والمفوضية الأوروبية، كياناً ومسؤولين، ستُسأل أولاً وقبل الجميع.

لنحلم قليلاً بيوم تُقام فيه محاكمة عادلة للمفوضية، ليس في لاهاي فقط، بل في وجدان كل أوروبي حر يرفض أن يكون اسمه مرتبطاً بجريمة إبادة جماعية. ذلك اليوم، سيبكي التاريخ فرحاً، وستتنفس غزة الصعداء، وستعود الطفولة إلى عيون أطفال فلسطين. وسيُكتب في سجلات العدالة: "لقد ربح الضمير أخيراً."

……

تمت المادة الصحفية بتاريخ: 5 حزيران 2026
المصادر المعتمدة: تقارير حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة، قرارات محكمة العدل الدولية، أحكام المحاكم الأوروبية الوطنية، شهادات توثيقية من غزة ولبنان وفلسطين 48.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطي ...
- نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا ...
- مسرحية -جنازة في فندق الكاردينال-.. كوميديا سوداء بأربعة فصو ...
- دراسة مقارنة -إتيان دافينيون، من اغتيال لومومبا إلى عراب الأ ...
- -إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية الع ...
- غرب آسيا بين أفول الهيمنة وصعود البدائل: ملحمة التحوّل الجيو ...
- -ما تبقى مني بعد أن فرغوني-..مشهد روائي في ثلاثة أصوات: صوته ...
- كتاب لإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده .. رواية وثائقية ...
- -أشباح لا تستظل-..سلسلة قصصية قصيرة من 7 قصص
- دراسة مقارنة لرواية ( البارون وبرميل كاتانغا) أو (ظل الحامض ...
- زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على ...
- بيروت: -تشريح الجمال المقاوم- – قراءة في قصيدة أحمد صالح سلو ...
- قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاو ...
- الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية
- حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
- قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي ...
- الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
- كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
- قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
- بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم


المزيد.....




- إيلون ماسك على وشك أن يصبح أول تريليونير في العالم.. ماذا يش ...
- توقعات بأن تتسبب حرب إيران في إفلاس المزيد من شركات الطيران ...
- نهاية مأساوية.. سمكة -خرم- تهاجم صيادا يمنيا وترديه قتيلا
- ما دلالة تدشين لبنان مطارا ثانيا في شمال البلاد؟
- رسائل عون وعراقجي.. اختبار جديد للعلاقة بين بيروت وطهران
- قائد الجيش اللبناني يزور إسلام آباد بدعوة من نظيره الباكستان ...
- فرنسا تدفع نحو عقوبات أوروبية منسقة على مستوطنين إسرائيليين ...
- حرب إيران مباشر.. رسالة باكستانية لمجتبى خامنئي وقائد الجيش ...
- لغز الأشرطة المحجوبة.. القصة الكاملة لختمة المنشاوي التي هزت ...
- مراهق على دراجة كهربائية يصطدم بدورية شرطة.. شاهد ما حدث


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام بتهمة التواطؤ في إبادة فلسطين