أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الأسعد بنرحومة - الحج تجديد عهد وليس حركة مشاعرية مجردة














المزيد.....

الحج تجديد عهد وليس حركة مشاعرية مجردة


الأسعد بنرحومة

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 23:48
المحور: قضايا ثقافية
    


الحج ليس رحلةَ مشاعرٍ عابرة، ولا طقوسًا تُؤدَّى ثم تُنسى، بل هو مدرسةٌ سياسيةٌ إيمانيةٌ عملية، يُراد للمسلم فيها أن يعيد ترتيب ولائه وعدائه، وأن يراجع حقيقة علاقته بالله، وحقيقة موقفه من الشيطان وحزبه، ومن الطواغيت الذين يصدّون عن سبيل الله.

فحين يقف المسلم بعرفات، مجردًا من زخارف الدنيا، تاركًا وراءه ماله وولده وتجاراته ومناصبه، فإنه يعلن عمليًا أن العبودية لله فوق كل رابطة، وأن قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بمن يطيع.

ثم تأتي اللحظة العظيمة… اللحظة الانقلابية بحق؛ لحظة رمي الجمرات

فهنا يتحول الحج من مجرد تلبيات تُقال بالألسنة، إلى موقفٍ يُعلن فيه المسلم البراءة من الشيطان وحزبه، ومن كل فكرةٍ أو نظامٍ أو هوى يصرف الناس عن طاعة الله.

ولذلك لم يكن أول ما يفعله الحاج يوم النحر طوافًا ولا ذبحًا، بل إعلان الحرب الرمزية على الشيطان:

إنها ليست حجارةً تُرمى على عمود، كما يتوهم بعض الناس، وإنما هي إعلان موقف، وتجديد عهد، وتوجِّيه للأمة على أن الإسلام ليس موالاةً لله فقط، بل موالاةٌ وبراءة، ولاءٌ للحق، وعداءٌ للباطل.

ومن هنا نفهم السر العظيم في انقطاع التلبية بعد الرمي.

فالحاج منذ خرج من بلده وهو يقول: “لبيك اللهم لبيك”، أي: أستجيب لك يا رب، أستجيب لأمرك، أستجيب لشرعك.

لكن حين يرمي الشيطان، ويُظهر البراءة من الهوى والطغيان، فكأنما ثبُت صدق استجابته، فيتحول النداء من “لبيك” إلى “الله أكبر”.

وهنا تبدأ تكبيرات العيد.

وكأن الأمة كلها، في مشارق الأرض ومغاربها، تشارك الحجيج هذا الإعلان العظيم:
أن الله أكبر من الطغاة، وأكبر من الجبابرة، وأكبر من الشهوات، وأكبر من كل نظامٍ يحكم بغير ما أنزل الله.

ولهذا كان العيد الحقيقي ليس عيد بطونٍ وثياب، بل عيد ثباتٍ على الطاعة، وعيد براءةٍ من الشيطان، وعيد تجديد العهد مع الله.

ثم تأملوا كيف جعل الله قصة إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام جزءًا من شعائر الحج؛ ليعلّم الأمة أن العقبة الكبرى التي تصد الناس عن حمل الإسلام ليست دائمًا الخوف من الموت، بل التعلق بالدنيا والولد والمصالح.

فالشيطان لم يأتِ إبراهيم عليه السلام من باب الإلحاد، بل من باب العاطفة:
هذا ولدك الذي انتظرته سنين طويلة، فكيف تذبحه؟

ولم يأتِ إسماعيل عليه السلام من باب العقيدة، بل من باب الرحمة بالنفس:
كيف تسلم رقبتك للذبح؟

ولم يأتِ هاجر عليها السلام من باب الكفر، بل من باب الأمومة:
كيف تتركين ولدك يُذبح؟

لكنهم جميعًا انتصروا على شهوة التعلق بغير الله، فصاروا أئمةً للناس.

أما اليوم، فكثير من الناس يتركون العمل للإسلام بحجة:
“نريد تربية أولادنا”،
“نريد بناء مستقبلنا”،
“نريد تأمين حياتنا”.

حتى أصبحت الدنيا عند كثيرٍ من المسلمين أعظم من الدين، وأصبحت المصالح مقدَّمة على أوامر الله، وكأن الآية نزلت في واقعنا اليوم:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾.

ثم يأتي الذبح والحلق، لا بوصفهما عاداتٍ شكلية، بل بوصفهما إعلانًا أن العبد كله لله؛ ماله لله، وجسده لله، وحتى شعر رأسه يُقدَّم طاعةً لله.

ولذلك كان الحج تدريبًا عمليًا على خلع الكِبر، وتحطيم الأنانية، وإعادة صياغة المسلم ليكون عبدًا لله وحده.

ثم تأملوا عظمة منى…

أيامٌ طويلة ظاهرها الأكل والشرب، لكن حقيقتها صناعة الأمة.

فالإسلام لم يُرِد من المسلمين أن يبقوا شعوبًا متفرقة؛ هذا مصري، وهذا شامي، وهذا مغربي، وهذا تركي، بل أرادهم أمةً واحدة، تتعارف مباشرة، بلا حدودٍ مصطنعة، ولا قومياتٍ ضيقة، ولا إعلامٍ يزوّر وعيها.

ولهذا كان الحاج يُجبر على الخروج من خيمته، ليرى المسلمين من كل جنسٍ ولسان، حتى يشعر أن قضيته ليست قضية بلدٍ وحدود، بل قضية أمةٍ كاملة.

إن الحج، في حقيقته، مؤتمر الأمة السنوي، الذي يُراد له أن يذكّر المسلمين بحقيقة وحدتهم، وبأن الإسلام ليس عبادةً فردية معزولة، بل مشروع حياةٍ كامل، يوحّد الأمة تحت عقيدةٍ واحدة، ورايةٍ واحدة، وغايةٍ واحدة.

وفي ختام هذه المعاني العظيمة، نتقدم إلى الأمة الإسلامية عامة، وإلى الحجاج خاصة، بأصدق التهاني بحلول عيد الأضحى المبارك.

نسأل الله أن يجعله عيد عزةٍ وتمكين، لا عيد غفلةٍ ولهو، وأن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا، وأن يرزق الأمة قيادةً مخلصة تحمل الإسلام مشروعًا للحياة، لا مجرد شعائر موسمية.

كل عام وأنتم بخير،
وتقبل الله من الحجاج حجهم، ومن المسلمين طاعتهم،
وجعل أيامكم تكبيرًا لله، وثباتًا على الحق، وبراءةً من الشيطان وحزبه.

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾



#الأسعد_بنرحومة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القمة الأمريكية الصينية تحرك صيني داخل المظلة وليس ضدها
- عندما تتحول الجمعيات لأعشاش للانتهازيين
- أميركا من إدارة النظام الى ادارة الفوضى...
- هل انسحبت أميركا؟؟
- هل انهزمت أميركا؟ هل بداية انحدارها؟ أ
- امرأة تنتحر في مصر
- هل العالم يتغير ؟ قطب أم اقطاب في وجه الصراع
- المعركة على نشرات الاخبار ليست تلك التي في الواقع
- إيران والصراع الدائر ، مشىوع تحرر يستوجب الاصطفاف وراءه ؟؟
- الموقف الدولي الراهن بين التعدد والقطب الواحد
- الحرب على إيران طريق نحو شرق أوسط جديد
- أميركا وتدويل المضائق والممرات المائية
- من ابراهيم القصاص وشورو الى موسي ومخلوف ، ماذا تخفي الصورة
- أزمة الأحزاب الاسلامية ومستنقع الفشل
- كوفيد 19 ... والحقائق المخفية
- حكومة كفاءات ام انتاج للروبوتات خدمة للكوفيد 19
- الموجة الثانية من عودة فيروس كورونا في تونس وأسرار التراخي ف ...
- التطبيع الاماراتي البحريني ... الأبعاد والملابسات
- الاحتجاجات الأمريكية ونظرية العقاب الالاهي
- بيوت الله تبكي فبكى معها كلّ جماد


المزيد.....




- مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي يشن غارات جديدة على إيران
- إسرائيل تصدر أوامر إخلاء لمناطق واسعة في جنوب لبنان
- رويترز عن مسؤول أمريكي: الجيش الأمريكي أسقط مسيرات إيرانية ش ...
- الزيدي يدعو فصائل العراق إلى الانضواء تحت مظلة الدولة
- واشنطن تدرس علاج مصابي إيبولا الأميركيين في كينيا
- صاروخ إيراني يشعل أزمة بين سيول وطهران
- تصعيد ليلي في هرمز.. غارات أميركية وانفجارات ببندر عباس
- ترامب -غير راضٍ- عن المقترحات الإيرانية.. ويهدد بـ-تفجير- عُ ...
- ترامب يحذر إيران: أبرموا اتفاقا وإلا -سننهي المهمة-
- إيران تسخر من صورة تذكارية لوزير الخارجية الأمريكي في الهند. ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الأسعد بنرحومة - الحج تجديد عهد وليس حركة مشاعرية مجردة