أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - الموقف الدولي الراهن بين التعدد والقطب الواحد















المزيد.....

الموقف الدولي الراهن بين التعدد والقطب الواحد


الأسعد بنرحومة

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 23:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الموقف الدولي (نسخة الواقع الراهن 2026)

التفرد الأميركي بين سقف القوة وحدود التحمّل

كثير من القراءات السياسية تبدأ من الخارج: الأساطيل، القواعد، الحروب، العقوبات.
لكن الدولة الأولى في العالم لا تُقاس اليوم بقدرتها على الفعل وحده، بل بقدرتها على تحمّل كلفة هذا الفعل داخلها.

ولهذا فإن الموقف الدولي ليس توصيفًا للقوة المجردة، بل معادلة بين القرار والكلفة والمنع:
من يقرر؟
ومن يدفع؟
ومن يُمنَع من بناء بديل؟

هذه الوثيقة لا تقدّم نبوءة سقوط، ولا بيان اتهام، بل قراءة باردة للموقف الدولي كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

أولًا: تعريف الموقف الدولي (تعريف عملي)

الموقف الدولي هو الحالة التي تكون عليها الدولة الأولى في العالم، مقاسة بثلاثة عناصر متلازمة:

1. قدرتها على اتخاذ القرار الدولي النهائي في القضايا الكبرى.

2. قدرتها على تحمّل كلفة هذا القرار داخليًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

3. قدرتها على منع تشكّل نظام دولي بديل قابل للحياة.

اختلال أي عنصر لا يعني سقوطًا فوريًا، لكنه يحوّل التفرد من ميزة استراتيجية إلى عبءٍ مؤجَّل.

هذا التعريف يتقاطع مع ما خلص إليه روبرت غيلبن حين أكّد أن «الهيمنة لا تنهار حين تفقد القوة، بل حين تعجز عن تحويلها إلى نظام مستقر»
(Robert Gilpin, War and Change in World Politics).

ثانيًا: الولايات المتحدة… الدولة الأولى بلا منازع فعلي

بالمعايير الواقعية، لا تزال الولايات المتحدة:

الأقوى عسكريًا (تقليديًا، نوويًا، فضائيًا، سيبرانيًا).

صاحبة العملة المرجعية والنظام المالي الأكثر نفوذًا.

القادرة على المبادرة وفرض سقوف الصراع.

لا الصين ولا روسيا ولا أوروبا تملك اليوم القدرة على فرض نظام دولي بديل.
وهذا هو معنى التفرد، كما شرحه زبيغنيو بريجنسكي بوضوح:

> «التفوق الأميركي لا يعني السيطرة على كل شيء، بل منع أي قوة أخرى من تنظيم العالم من دونها»
(The Grand Chessboard – Foreign Affairs).

لكن هذا التفرد لم يعد يعمل بالآلية نفسها التي عمل بها بعد 1991.

ثالثًا: ما الذي تغيّر؟ وظيفة القوة لا حجمها

بعد الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة:

تفتح ملفًا ثم تُغلقه.

تُسقط نظامًا ثم تُنتج بديلًا.

تحوّل الحرب إلى تسوية.

اليوم تغيّرت الوظيفة:

ملفات تُفتح ولا تُغلق.

أزمات تُدار بلا حسم.

صراعات تُحافَظ على سخونتها دون انفجار.

هذا التحول لا يعني فقدان القوة، بل تغيّر استخدامها:
من بناء نظام → إلى تعطيل أي بديل محتمل.

وهذا ما تسميه وثائق البنتاغون الحديثة بـ إدارة التصعيد لا حسمه
(U.S. Department of Defense – Integrated Deterrence Strategy, 2022).

رابعًا: الداخل الأميركي… مركز الثقل الحقيقي

هنا يقع كثير من المحللين في التبسيط.
فالخارج لا يُفهم دون الداخل.

1) التماسك السياسي

الولايات المتحدة تعيش أعلى درجات الاستقطاب منذ الحرب الأهلية:

شلل تشريعي متكرر.

تسييس القضاء.

تآكل الثقة بالمؤسسات.

صعود شعبوية حادة من اليمين واليسار.

تقرير صادر عن RAND خلص إلى أن:

> «أكبر قيد على الاستراتيجية الأميركية ليس الخصوم الخارجيين، بل الانقسام الداخلي»
(RAND – Internal Divisions and U.S. Grand Strategy).

2) الاقتصاد: قوة ضخمة، هشاشة تراكمية

الاقتصاد الأميركي لا ينهار، لكنه أقل قدرة على امتصاص الصدمات:

دين فدرالي يتجاوز الناتج القومي.

تضخم دوري مع كل أزمة.

توسّع نقدي لتمويل الدور العالمي.

صندوق النقد الدولي حذّر بوضوح من أن

> «التوترات الجيوسياسية باتت ترتد إلى داخل الاقتصادات المتقدمة وتُفاقم هشاشتها»
(IMF – Geoeconomic Fragmentation, 2023).

3) المجتمع: ارتداد الكلفة

ما كان يُدار خارج المركز بدأ يعود إلى الداخل:

عنف مسلح.

عسكرة الشرطة.

هشاشة شبكات الأمان الاجتماعي.

وهذا ما لخصه بول كينيدي قبل عقود بقوله:

«التمدد الإمبراطوري لا يُسقط الدول بالهزيمة، بل بالإرهاق»
(The Rise and Fall of the Great Powers).

خامسًا: لماذا لا حرب شاملة؟

القول إن الولايات المتحدة لا تستطيع فتح جبهات متعددة غير دقيق.
والقول إنها لا تريد فقط تبسيط مخلّ.

الصياغة الأدق:

الولايات المتحدة تستطيع فتح الجبهات، لكنها لا تستطيع تحمّل الانفلات.

الفرق بين الفتح والانفلات هو الفرق بين سياسة محسوبة وحرب تُسقط سقف الاحتمال الداخلي.

سادسًا: الشرق الأوسط… إدارة توتر لا إدارة نصر

الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة حسم، بل ساحة ضبط إيقاع:

لا حرب شاملة مع إيران.

لا كسر نهائي لأي فاعل إقليمي.

لا إغلاق كامل للممرات الاستراتيجية.

السبب ليس ضعف القدرة، بل كلفة النتائج:
أي انفجار شامل يعني صدمة طاقة عالمية، وارتدادًا اقتصاديًا مباشرًا، وتسييسًا داخليًا حادًا داخل الولايات المتحدة.

سابعًا: إيران… فاعل وظيفي داخل هندسة الصراع

الخطأ المنهجي هو تصوير إيران إما كدولة متمرّدة خارجة عن الضبط، أو كدولة عميلة فاقدة للإرادة.

الواقع أدق وأخطر:

إيران تملك مشروعًا إقليميًا خاصًا.

لكنها أُدرجت منذ عقود داخل هندسة صراع أميركية بسقوف واضحة.

لم يُحسم ملفها النووي، ولم تُكسر، ولم يُسمح لها بفرض معادلة مستقلة.

ما جرى في نيسان/أبريل 2024 نموذج واضح:
تصعيد محسوب، رد معلن، ثم تدخل أميركي مباشر لإغلاق الجولة خلال ساعات.
هذا ليس انفلاتًا، بل ضبط سلم التصعيد
(Brookings – The Logic of Controlled Confrontation with Iran).

إيران ليست أداة طيّعة، لكنها أيضًا ليست لاعبًا حرًا؛
إنها فاعل وظيفي يُدار داخل سقف يمنع الحسم والانفجار معًا
(International Crisis Group – Iran’s Role in Regional Escalation).

ثامنًا: روسيا، الصين، أوروبا… الاستنزاف المقصود

روسيا:
الحرب الأوكرانية استنزاف طويل الأمد، يقطع الطريق على تقارب روسي–أوروبي مستقل، ويُبقي أوروبا مربوطة أمنيًا بواشنطن
(Council on Foreign Relations – Ukraine and the Future of Europe).

الصين:
تايوان ورقة ضغط لا نقطة تفجير. الصين دولة تراكم لا مقامرة، وأي انفجار مبكر يُفسد مسارها
(Henry Kissinger, On China).

أوروبا:
الخاسر الأكبر: طاقة أغلى، استقلال أقل، اعتماد أعمق على المظلة الأميركية.

تاسعًا: مؤشرات قراءة الموقف الدولي

لضبط التحليل بعيدًا عن الخطابة:

1. مؤشر الإغلاق: كم ملفًا أُغلق نهائيًا خلال 20 عامًا؟ شبه معدوم.

2. مؤشر الكلفة الداخلية: هل بقيت كلفة الدور العالمي خارج الداخل؟ لا.

3. مؤشر البديل: هل وُلد نظام دولي بديل مكتمل؟ لا.

4. مؤشر الخطأ: هل تقلّص هامش الخطأ؟ نعم وبوضوح.

الموقف الدولي اليوم يمكن تلخيصه بدقة:

تفرد أميركي قائم من حيث القدرة،
مقيَّد من حيث التحمّل،
مُدار بنمط استنزافي،
ومحكوم بسقف الداخل لا بسقف القوة النظرية.

وهذا لا يعني سقوطًا سريعًا، ولا سيطرة مطلقة، بل مرحلة وسطى خطِرة.

كما قال غراهام أليسون:

«القوى العظمى لا تسقط حين تضعف، بل حين تُخطئ في تقدير حدود قوتها»
(Destined for War).

الخطر في هذه المرحلة ليس في قراءة الواقع، بل في إسقاط الأمنيات عليه.
فمن يتوقع انهيارًا غدًا يُخطئ، ومن يراهن على تفرد أبدي يُخطئ أيضًا.
السياسة تُدار بالوعي بالمرحلة، لا بالرغبة في الحسم السريع.



#الأسعد_بنرحومة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب على إيران طريق نحو شرق أوسط جديد
- أميركا وتدويل المضائق والممرات المائية
- من ابراهيم القصاص وشورو الى موسي ومخلوف ، ماذا تخفي الصورة
- أزمة الأحزاب الاسلامية ومستنقع الفشل
- كوفيد 19 ... والحقائق المخفية
- حكومة كفاءات ام انتاج للروبوتات خدمة للكوفيد 19
- الموجة الثانية من عودة فيروس كورونا في تونس وأسرار التراخي ف ...
- التطبيع الاماراتي البحريني ... الأبعاد والملابسات
- الاحتجاجات الأمريكية ونظرية العقاب الالاهي
- بيوت الله تبكي فبكى معها كلّ جماد
- بين تفجير برجي التجارة والكورونا علاقة لا تنتهي
- الحكومة التونسية والاستثمار في الكورونا
- - الكورونا - عملية تضليل كبرى
- - لحظة التضحيات - في خطاب رئيس الحكومة الفخفاخ
- - الكورونا- و-الرقمنة- من أجل فرض الاقتصاد الوهمي على الشعوب
- هل فعلا الحجر الصحي العام معالجة لانتشار وباء الكورونا
- وباء الكورونا والاستثمار الأميركي من أجل نظام عالمي جديد
- تونس على وقع عملية ارهابية أخرى
- حكومة - باش ... - من تونس
- السلطة بين ضرورة الانسجام وواقع الاختلاف


المزيد.....




- ترامب: سأعلن -قريباً- عن الدول التي ستساعد في إعادة فتح مضيق ...
- الجيش الأمريكي يعلن عن حصيلة جديدة لجرحاه خلال حرب إيران: -أ ...
- اضطراب تاريخي في سوق النفط.. ووكالة الطاقة الدولية تلوح بطرح ...
- من عام 1982 إلى 2026.. أربعة عقود من المواجهة بين حزب الله ...
- -لا يمكن تحقيق أمن مطلق- في ممر هرمز.. حتى في حال مشاركة الن ...
- راهن على الاستقرار.. برشلونة يختار خوان لابورتا
- الجيش الإسرائيلي يعلن بدء نشاط عسكري بري محدود في جنوب لبنان ...
- الاحتلال يفرّق مصلين بمحيط الأقصى ويُبعد أحد حراسه
- بين هجمات إيران ومخططات إسرائيل.. كيف تحافظ دول الخليج على أ ...
- رمضان في الدوحة.. -كتارا- وجهة تجمع العائلات والأصدقاء وتكسر ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - الموقف الدولي الراهن بين التعدد والقطب الواحد