أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد وردي - الحداثة الإماراتية نموذج بناء مجد الإنسان الحضاري















المزيد.....

الحداثة الإماراتية نموذج بناء مجد الإنسان الحضاري


محمد وردي

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 10:06
المحور: قضايا ثقافية
    


إن مقولة "الحداثة الإماراتية نموذجُ بناء الإنسان الحضاري"، تفترض مركزية الإنسان كقيمة عليا في الوجود، فهو المستخلف والمكلف بعمارة الأرض بالخير والجمال. ولكن هذه المركزية لم تسلم من أخلال في بعض مسارات الحضارة الراهنة، تمثلت بمنح الإنسان القوة في المظهر، وزادته هزالاً في الجوهر، على ما يقول العديد من فلاسفة الأخلاق.
وإذْ لم تُكمل دولة الإمارات بعدُ إنجاز "استراتيجية 2030"، كما حددتها بتحقيق الصدارة في المؤشرات العالمية، فالمؤكد أنها أصبحت اليوم علامة كونية في التنمية الشاملة، اقتصادياً وأخلاقياً؛ مجسدة الحكمة القديمة التي تعتبر أن "الإنسان مقياس كل شيء"، والتي أكدها المنطوق القرآني في التقويم والتكريم والتفضيل. فجمعت الحداثة الإماراتية بين "العقل" و"النقل" في مشروع بناء مجد الإنسان الحضاري؛ بمعنى أن عقلها المعاصر أو الحداثي لم يبتعد عن عقلها الأصيل أو الثقافي الموروث.
ولسنا بحاجة للاستفاضة فيما هو معروف ومتداول؛ فجائحة "كورونا" شكلت اختباراً للبعد الإنساني في الضمير الكوني، وحينها وقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، مخاطباً المواطنين والمقيمين من دون استثناء: "لا تشلون هم". وفعلت الدولة ما قالت بكفاءة مشهودة عالمياً.
وقبل ذلك، شُكّلَت وزارتا "التسامح" و"السعادة"؛ باعتبار أن التسامح شرط العمران، وأن السعادة غاية الإنسان، وهي خطوة نادرة في التجارب الحكومية المعاصرة؛ ما يعكس إدراكاً عميقاً بمركزية الإنسان.
أما البعد الأهم في فلسفة التمكين الإماراتية، فيتجلى في رؤية استراتيجية هيأت بيئة جاذبة للاستثمار والابتكار عبر مسارين:
الأول: بناء بنية تحتية مادية، وترسيخ حوكمة كفؤة بمعايير النزاهة والشفافية وسيادة القانون الذي يضمن الجاذبية في الاستثمار.
والثاني: ما يمكن أن نسميه "بنية ثقافية" تموضع روح الابتكار، وتبث نبض الازدهار في الوجدان الجمعي، وتُقعّد التسامح والتعايش السعيد في النفوس، بموازاة التشريعات والقوانين في النصوص.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما أحب أن أسميه "الأعوام الزاهرة" بدءاً من العام 2015، حيث تحول العام في التجربة الإماراتية إلى منصة قيمية ومعرفية؛ فكان "عام الابتكار" و"عام القراءة" تثويراً للقدرات المعرفية، و"عام الخير" و"عام زايد"، و"عام التسامح" ترسيخاً قيمياً في الممارسة اليومية، و"عام الاستعداد للخمسين" و"عام الخمسين" و"عام الاستدامة" تمهيداً أو استعداداً للمستقبل، و"عام المجتمع"، و"عام الأسرة" 2026، تعزيزاً للتماسك الاجتماعي.
وهكذا تصبح الدولة - في كل عام - حزمة برامج ومبادرات لبناء الإنسان في أبعاده المعرفية والأخلاقية والجمالية. ويتعزز هذا المساق باحتضان معارض دولية للكتاب، ومهرجانات للسينما والمسرح والشعر والموسيقى والفنون التشكيلية، التي تُسهم في هندسة النفس وتثوير المخيال. وهو نهج تمتد جذوره إلى بدايات تأسيس الدولة؛ حيث رسّخ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، هذا الوعي المبكر بقيمة الإنسان محوراً للعمران، فأثمر "الأعوام الزاهرة"، حيث يقول الشيخ محمد بن زايد، رئيس الدولة خلال لقاء مع الفائزين بجائزة "الشيخ زايد للكتاب عام 2016": نحن في دولة الإمارات نعتبر العلم والثقافة جزءاً لا يتجزأ من أرثنا الحضاري، ومن العملية التنموية، ومن بناء الإنسان والهُوية المنفتحة الواثقة بنفسها؛ دون تنكر لقيمها وأصالتها وتراثها.
لقد أزهرت فلسفة التمكين وأثمرت، فانفتحت الآفاق للاستثمار وتوسع الابتكار في مختلف الميادين؛ فلم تعُد المرأة "شهرزاد الحكاءة"، وإنما شاركت في صنع القرار، ونافست "شهريار" في مواقع القيادة والمناصفة الحكومية وريادة الأعمال. كما تقدم الشباب، وهم رأس الحربة التنفيذية - إنْ صح التعبير - إلى أبحاث الفضاء؛ فكان إطلاق "مسبار الأمل" و(Falcon H1R 7B) شاهداً على بناء الإنسان الحضاري.
ولم تقف التجربة الإماراتية عند حدود التقنية بالمعنى المحض، وإنما تجاوزتها إلى محاولات تأطير الذكاء الاصطناعي ضمن ضوابط أخلاقية تحِدُّ برودته الأداتية، وتُعيد توجيهه لخدمة الإنسان لا الهيمنة عليه.
أما البعد الأعمق في التجربة الإماراتية، فحقيقته أن الانفتاح على الاستثمار والابتكار لم يكن إحياءً للفردية الأنوية، وإنما هو إعادة بعث لها في فضاء التفرد الإنساني؛ بسماته الأخلاقية الكونية كما فهمته الرواقية.
والمقصود بالأخلاق الرواقية ذلك التصور الذي يجعل الإنسان كائناً عاقلاً ينتمي إلى قانون أخلاقي كوني، ويحقق حريته عبر الانسجام مع هذا القانون، لا عبر التمرد عليه. فالحرية عند الرواقيين ليست انفلاتاً من القيود، بل تحرراً من الأهواء، وليست قدرة على السيطرة، بل قدرة على ضبط النفس. ومن هنا لم تكن الفردية في الفلسفة الرواقية أنوية مغلقة؛ بقدر ما كانت تفرداً أخلاقياً مسؤولاً، يرى في الإنسان عضواً في "مدينة كونية" تتأسس على العدالة والعقل.
ولهذا يمكن القول إن الرواقية قدمت نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته "الفردية الأخلاقية"، أي الفردية التي تجعل الفضيلة غاية الحرية، والواجب شرط الكرامة، والعقل مرجعية السلوك. وهو تصور يتقاطع مع الروح القرآنية في فلسفة "الإيثار" كما أسلفنا، حيث تتحقق إنسانية الإنسان بقدرته على تقديم الخير للآخرين، لا بقدرته على التفوق عليهم.
ولقد تحول ذلك الإرث في الحداثة الأوروبية إلى ليبرالية اقتصادية في الابتكار والإنجاز. ولكن المسار الغربي بدأ يتغاير مع "الكوجيطو" الديكارتي، عندما صارت الذات منبع الحقيقة وليست شاهداً عليها. ومع روسو تعمقت فلسفة "الشعور" أو "الإحساس"، فتحولت الذات إلى "إرادة قوة" مع شوبنهاور وكارليل ونيتشه، وبلغت مع هيغل ذروة مركزيتها في التاريخ. وهكذا لم تعُد الحرية تحققاً أخلاقياً للفردية؛ بقدر ما صارت قدرة على الهيمنة، فانقلبت الفردية إلى "فلسفة قوة"، أزاحت "قوة القانون" في بعض تجلياتها الحداثية. وهو ما نشهد تداعياته المريرة هذه الأيام.
أما إحياء "الفردية الأخلاقية" في التجربة الإماراتية، فقد ترسخ مساره في البنية الثقافية على مراحل، وبخاصة في العقد الأخير، حيث احتضت الدولة مؤسسات رائدة في المجال الإنساني؛ مثل: "منتدى أبوظبي للسلم"، و"المعهد الدولي للتسامح"، و"هداية"، و"صواب"، و"لجنة الإيمان والمجتمع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" الدولية، التي تواكب الدولة في ما يمكن توصيفه بمحاولات "خلقنة الذكاء الاصطناعي"، وإدراجه ضمن أفق إنساني قيمي، حيث يتوازى الاستثمار على قاعدة التناغم بين العمران والإنسان.
وهذا ما يجعلنا نعتقد أن التجربة الحداثية الإماراتية قد أعادت بعث "التفرد الإنساني" بسماته الأخلاقية الكونية، وهي تجربة متمايزة؛ لكونها قامت على "رافعة اجتماعية هادئة ومتدرجة" لا على صدمات أيديولوجية، كما شهدتها بعض تجارب التحديث في العالم؛ سواء مشروع بسمارك في ألمانيا، أو تحديث أتاتورك في تركيا، أو نهضة لي كوان يو في سنغافورة، أو تحولات دينغ هسياو بينغ في الصين.
إن مفهوم "الرافعة الاجتماعية الهادئة والمتدرجة" في التجربة الإماراتية لا يُفهم بوصفه مجرد سياسة إصلاحية فقط، وإنما أيضاً باعتباره "فلسفة في التغيير" تقوم على مبدأ التراكم القيمي قبل التراكم المؤسسي، وعلى بناء الثقة الاجتماعية قبل فرض التحولات البنيوية. فالحداثة هنا لم تُقدَّم باعتبارها قطيعة مع الماضي، ولا باعتبارها صدمة تاريخية، وإنما باعتبارها امتداداً واعياً للتقاليد الثقافية، يُعاد توظيفها في سياق معاصر.
وهذا يعني أن الرافعة الاجتماعية، في هذا المعنى، هي ذلك النسيج المتماسك من القيم والعلاقات والمؤسسات الذي يمنح المجتمع قدرة ذاتية على التحول دون أن يفقد توازنه. وهي تقوم على ثلاث ركائز متكاملة، حسبما نعتقد:
أولاً: الشرعية الثقافية للتغيير
حيث جرى تقديم التحديث بوصفه تحقيقاً لمقاصد المجتمع لا استيراداً لنماذج خارجية. فالتسامح، على سبيل المثال، لم يُطرح كقيمة غريبة، بل كامتداد لموروث عربي وإسلامي راسخ في الضمير الجمعي، يتمثل في "الشورى"، وهي ليست تجربة طارئة بالمعنى الكلي، وإنما تعود إلى مجالس الشور القبلية البدوية قبل الإسلام، ونموذجها الحوار بين الرسول الكريم مع أعيان قبيلة ربيعة، عندما طلب منهم الحماية لتبليغ رسالة ربه. (من يريد التوسع عليه العودة إلى كتابينا "من أين ندخل إلى التسامح"، و"الخصوصيات الثقافية ودورها في صناعة التسامح.. دول الإمارات العربية المتحدة نموذجاً".
ثانياً: التدرج المؤسسي
فالتغيير لم يحدث دفعة واحدة، وإنما عبر مراحل محسوبة، تبدأ ببناء البنية التحتية بالتوازي مع تطوير التعليم، ثم تمكين الإنسان معرفياً واقتصادياً، وصولاً إلى التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي. وهذا التدرج خفف من كلفة التحول الاجتماعي، ومنع تشكل ردود فعل مقاومة للتحديث.
ثالثاً: الاستثمار في رأس المال الاجتماعي
حيث أدركت الدولة أن الثقة بين الحاكم والمجتمع ليست مجرد قيمة أخلاقية فحسب، وإنما هي أيضاً مورد تنموي استراتيجي. فكلما ارتفع منسوب الثقة، تسارعت عملية التحديث؛ لأن المجتمع يصبح شريكاً في التغيير لا موضوعاً له.
ومن هنا يمكن القول إن الرافعة الاجتماعية في التجربة الإماراتية ليست مجرد أداة تنفيذية؛ بقدر ما كانت بنية معنوية - إنْ صح التعبير إلى جانب البنية التحتية المادية والبنية الثقافية - تجعل المجتمع نفسه قوة دفع للتحديث، لا عائقاً أمامه. ولذلك اتسمت الحداثة الإماراتية بالاستقرار والاستمرارية، بخلاف تجارب أخرى شهدت توترات اجتماعية حادة نتيجة تسارع التغيير أو فرضه بالقوة.
أما على مستوى التجارب الأخرى، وبخاصة ما يتعلق منها في حيثية إدراك خصوصية التجربة الإماراتية، يصبح من المفيد مقارنتها ببعض نماذج التحديث الكبرى في التاريخ الحديث، التي نجحت في تحقيق تحولات سريعة، لكنها اعتمدت في الغالب على بُعد إيديولوجي، وبخاصة على مستوى الصدمة السياسية أو الإدارية؛ بوصفها أداة رئيسة للتغيير.
أولاً: حداثة بسمارك في ألمانيا
قامت تجربة بسمارك على توحيد الدولة الألمانية عبر القوة السياسية والعسكرية، فيما عُرف بسياسة "الدم والحديد". وقد نجح في بناء دولة قومية قوية، وأرسى نظاماً إدارياً فعالاً، بل أسس أول نظام للتأمينات الاجتماعية في أوروبا، وبخاصة للعمال وضد الحوادث والشيخوخة. غير أن التحديث البسماركي كان موجهاً من أعلى إلى أسفل، ومقترناً بسلطة مركزية صارمة، ما جعل الدولة هي المحرك الوحيد للتغيير، لا المجتمع.
ثانياً: حداثة أتاتورك في تركيا
مثلت تجربة مصطفى كمال أتاتورك نموذجاً للتحديث الجذري الذي قام على قطيعة حادة مع الإرث العثماني، حيث جرى إلغاء الخلافة بالقوة، وتغيير الحروف العربية إلى اللاتينية، وفرض نمط ثقافي جديد في التعليم والقانون وحتى اللباس. وقد نجحت هذه الإصلاحات في بناء دولة حديثة، لكنها خلقت في الوقت نفسه توتراً دائماً بين الهوية التقليدية والهوية الحديثة، كانت من نتائجه إنقلابات عسكرية وخضات سياسية لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اللحظة الراهنة.
ثالثاً: نهضة لي كوان يو في سنغافورة
اعتمدت تجربة لي كوان يو على نموذج الدولة التنموية الصارمة بمعنى الرقابة والمساءلة والشفافية، التي جمعت بين الانضباط الإداري والكفاءة الاقتصادية، واستثمرت بقوة في التعليم والبنية التحتية. ولقد حصل كل ذلك بقيادة وإشراف حزب "العمل الشعبي"، الذي أسسه عام 1954، وتحوّل إلى جهاز مؤسسي لإدارة التنمية في الدولة. وبفضل هذا التنظيم الحزبي المركزي، تمكنت سنغافورة من تحقيق انتقال سريع إلى دولة متقدمة، واقترن ذلك بدرجة عالية من المركزية السياسية والرقابة على المجال العام وقد تحولت سنغافورة في عقود قليلة إلى مركز مالي عالمي.
رابعاً: إصلاحات دينغ شياو بينغ في الصين
جاءت تحولات دينغ شياو بينغ بعد مرحلة أيديولوجية قاسية، فانتقل بالصين من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، عبر سياسة "الإصلاح والانفتاح" على شكل دوائر جغرافية وسكانية، تتوسع في خطط من "خمسيات" متوالية. وقد حققت هذه السياسات نمواً اقتصادياً غير مسبوق، لكنها اعتمدت على تحولات هيكلية سريعة فرضتها الدولة، وأدت إلى تفاوتات اجتماعية ملحوظة.

خصوصية التجربة الإماراتية
بالمقارنة مع هذه النماذج، يتضح أن الحداثة الإماراتية لم تعتمد على الصدمة السياسية، ولا على القطيعة الثقافية، ولا على المركزية الصارمة بوصفها أدوات وحيدة للتغيير، وإنما سلكت طريقاً مختلفاً يقوم على الانسجام بين الدولة والمجتمع، وعلى التدرج في التحول، وعلى تحويل القيم الأخلاقية إلى طاقة حضارية. بمعنى أن التجربة الإماراتية لم تُحدث التحديث ضد المجتمع أو فوق المجتمع، وإنما معه، ولم تُلغِ الماضي؛ بقدر ما أعادت تأويله، ولم تفرض الحداثة بوصفها نموذجاً جاهزاً، وإنما صاغتها بوصفها مشروعاً إنسانياً متجدداً.
ولهذا يمكن القول إن الحداثة الإماراتية تمثل نموذجاً لما يمكن تسميته، "الحداثة التمكينية الأخلاقية"، أي الحداثة التي تجعل الإنسان غايتها، والقيم رافعتها، والاستقرار شرطها، والاستدامة أفقها.
ونعتقد أن التجربة الإماراتية أصيلة، ممتدة بخصوصيتها الثقافية، وتعود إلى بدايات تأسيس الدولة، وتواكبت - بالمعنى لا بالتنظير - مع تنبيه "مدرسة فرانكفورت" إلى مخاطر تغول "العقل الأداتي" على "العقل الأخلاقي"؛ بما ينعكس سلباً على الإنسان، فأدرك الشيخ زايد – بحس فطري حضاري مستقل - أن التطاول بالعمران والتقاصر بالإنسان من مثالب الحضارة، عندما أكد أن "الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال"، وأن البناء الأسمى هو "بناء الإنسان"؛ فاستحق - في الوعي العربي - توصيفه "حكيم العرب".
وتأكدت القدرة على تحويل "القيم" إلى قوة حضارية فاعلة، من خلال فلسفة التمكين بمقتضى "مكارم الأخلاق" التي أعاد الإسلام بعثها؛ وفق المأثور النبوي الشريف: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، أي بمقتضى أخلاق العرب العقلانية - لأنها لا تزال تكتسب مشروعيتها الإنسانية في الوعي الكوني حتى اللحظة الراهنة – والإيمان، التي أرساها الشيخ زايد بإيمانية عفوية وبساطة فطرية، من خلال التركيز على الإنسان. وهو ما يمكن أن يُحيلنا دلالياً إلى خلاصة فلسفية، تختزلها "عقلانية إيمانية"، تفيد بأن "لا عزّة من دون علم، ولا علم من دون إنسان عزيز"، أو بتعبير الأحنف بن قيس: "كل عزّ لم يؤيد بعلم فإلى ذل يصير" (من يريد التوسع يعود إلى كتابنا "من أين ندخل إلى التسامح").
ومن هذا الوعي الأصيل، واصل الشيخ زايد اهتمامه ببناء الإنسان، وتحقيق الكرامة والعدالة والبيئة الثقافية والجمالية الملائمة؛ باعتبار الصورة الجميلة تؤسس عقلاً خلاقاً وتكوِّن خيالاً مبدعاً. وقد روى المهندس البريطاني "جون إليوت" - الذي رافقه في تخطيط مدينة أبوظبي- كيف كان زايد يرسم بعصاه على الرمل مسارات الشوارع التي تحفها الأشجار، والتركيز على زيادة المساحات الخضراء؛ لأنه يريد تصميم "مدينة حديقة"، تضمن للناس فضاءً رحباً وبيئة نظيفة كما جاء في كتاب "بقوة الاتحاد – صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – القائد والدولة" (ص322). فالإنسان عند زايد الخير هو الغاية والميزان، وكرامته زهرة العمران. وهكذا صارت الإمارات اليوم مهوى الأفئدة من كل جهات الأرض؛ لأنها باتت واحة جاذبة كفرصة للنجاح والسعادة والعيش الكريم.
ومع ذلك فالتحدي الأصعب ليس بالإنجاز فحسب، وإنما بديمومته وتطويره؛ فكل تجربة إنسانية مهددة بفتنة نجاحها إنْ لم تُحسن مساءلة نفسها وتجديد روحها. والمؤكد أن المشوار طويل في مسارات الحداثة الإمارتية. ولن يكتمل النموج الحضاري قبل تخفيف قلق المقيمين، وبخاصة منهم الذين لم يعرف أبناؤهم موطناً لهم سوى هذا التراب الطيب.



#محمد_وردي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلقنة العنف.. ابتذال المعنى وامتهان الكرامة الإنسانية
- مركزية الإنسان أن يكون كما يريد أن يكون
- االإنسان يختار إيمانه ومعرفته بعقله
- الإنسان يختار إيمانه ومعرفته بالعقل
- الأدب والسلم المجتمعي المستدام
- ما بين الفلسفة والعلم عناق أم طلاق
- أخلال فلسفية أم مشكلات التفلسف
- في الفلسفة ووظيقتها وشروط التفلسف
- مآلات الحداثة.. تقدم الفرع وهرم النوع
- إشكاليات اصطلاحية أم قصور بالمعنى والوعي
- نتيجة المقارنة بين ابن رشد وابن بيه
- العقلانية الإيمانية ما بين ابن رشد وابن بيه
- التنوير بالمحبة والإحسان في بناء الإنسان
- شيخ الإنسانيين.. التنوير بالحكمة والشريعة
- سردية السلم وحوار الثقافات في فكر الشيخ عبدالله بن بيه
- سردية السلم والتنوير والأنسنة والغواية العقلانية الإيمانية


المزيد.....




- -برج الشياطين- في أمريكا..جبل غامض يتحول لوجهة سياحية عبر -ك ...
- جينيفر لوبيز تخطف الأنظار بفستان عمره 22 عامًا في لوس أنجلوس ...
- ضحايا بانفجار خزان مواد كيميائية في مصنع للورق والتغليف بولا ...
- من هرمز إلى لبنان.. المنطقة تهتز مجدداً ومخاوف من سقوط التفا ...
- خلاف بين البنتاغون و-سبيس إكس- على رفع أسعار ستارلينك
- تصعيد إسرائيلي في لبنان ومقتل قائد الجناح العسكري لحماس
- إزالة غابات الأمازون تتراجع إلى أدنى مستوى منذ 2019
- بأكثر من لغة.. العيدية -رسالة حب- تكتب بالعملات المحلية
- توسعة ضخمة بقاعدة أنغلز الروسية رغم الهجمات الأوكرانية المتك ...
- لمرضى القلب والسكري.. كيف تتجنب -الوجبة الخطرة- في عيد الأضح ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد وردي - الحداثة الإماراتية نموذج بناء مجد الإنسان الحضاري