|
|
خلقنة العنف.. ابتذال المعنى وامتهان الكرامة الإنسانية
محمد وردي
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 11:48
المحور:
قضايا ثقافية
في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه مظاهر الاضطراب القيمي على المستوى الكوني، لم يعد الانحدار الأخلاقي يتجلى في الأفعال وحدها، وإنما بات حاضراً بقوة في اللغة ذاتها أيضاً، حيث يتعرض المعنى لعمليات تشويه منهجية، وتتحول الكلمات من أدوات للفهم إلى وسائل للتبرير والتزييف، ومن حوامل للحقيقة إلى أقنعة للعدوان. ومن أخطر مظاهر هذا التحول، إعادة توصيف الحروب العدوانية بلغة أخلاقية، كما يجري هذه الأيام، وهي محاولات لا تكتفي بتحريف المعنى؛ بقدر ما تتقصد تجريف القيم والاستهانة بالقانون أو فلسفة الحق، واستباحة الكرامة الإنسانية. في هذا الزمن العجيب، الذي تتوالى فيه علامات الانحدار الإنساني - من حيث الانحطاط القيمي- على المستوى الكوني، وبوتائر متسارعة، تتواصل عمليات مسخ الذاكرة وتسخيف اللغة التي هي أسمى ما أنجزه الإنسان وابتذال المعنى كتعبير عن حقيقة العالم؛ بأكثر الأشكال قباحة ونذالة، وأقبح الصور ضعة وخساسة. ولعل آخر عجائب هذا الزمان الشائه، ما فاضت به حكومة زعيمة "العالم الحر" هذه الأيام - كما تصف الولايات المتحدة نفسها- وهو أمر بات مشكوك به؛ سواء على مستوى دقة التوصيف اللغوي؛ باعتبار العالم الغربي فعلاً "عالم حر"، في ضوء ما شاهدناه من قمع واعتقالات وترحيل لطلبة أبرز الجامعات الأميركية - مثل هارفرد – من المتظاهرين ضد جرائم الإبادة الإنسانية في غزة، فضلاً عن الاعتقالات في لندن التي تمتد لأكثر من سنة مع بعض نشطاء جماعة "الحرية لفلسطين"، وبعضهم من العجزة والمعوقين، أو على مستوى القدرة الفعلية في زعامة هذا العالم الحر؟!. ومع ذلك فهذا موضوع آخر. أقول: ولعل آخر الغرائب في هذا الزمان الأغبر ما فاضت به حكومة الرئيس دونالد ترامب، متمثلة في وزارة الحرب الأميركية، ولا مفارقة في ذلك، فتغيير مسمى "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب"، إنما هو اعتراف وبوضوح ساطع؛ بحقيقة ما كان مضمراً في الحكومات السابقة، من حيث ممارسة فلسفة القوة بدل قوة الحق على مدى تاريخ طويل من الممارسات الامبريالية، فهو اعتراف جلي بأن إعداد القوة العسكرية الهائلة، المجهزة بأحدث ما أبدعه العقل الإنساني من وسائل الإبادة التقنية، الفائقة في الدقة والسرعة في الإنجاز، إنما هو لشن الحرب وليس للدفاع، أي للعدوان على الآخرين، وليس لصد العدوان دفاعاً عن النفس، كما حددته المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وفصلته في المادة واحد وخمسين. أما بالعودة إلى علامات الانحطاط التي تترى تباعاً في هذا الزمن العجيب، فيتمثل بالتعبير الذي لا يقتصر التفاخر به على إدارة "زعيمة العالم الحر" فحسب، وإنما تتباهى به أيضاً؛ نخبها على اختلاف مستوياتهم المعرفية، وعلى تباين طبقاتهم السياسية والعسكرية والإعلامية وحتى الفكرية، فهم على شاكلة أولئك المهووسين بالقتل في النخبة الحاكمة بما يسمى دولة إسرائيل، ألا وهو مصطلح "الغضب الملحمي"، وهو شعار سياسي يتكرر على ألسنة وزير الحرب والرئيس ونائبه في الخطاب الرسمي، بما يمنحه صفة التعبير المؤسسي لا المجازي العابر. ويجري ترديد هذا التعبير المسخ بعنفوان وإباء، يخالطه قدر ليس بقليل من الزيف والرياء، وربما قدر أكبر من السذاجة والغباء. ذلك لأن الغضب لا يكون لدى الإنسان - كما لدى الحيوان - إلا احتجاجاً على المسِّ بالذات؛ سواء أكان الأمر معنوياً أو مادياً، فهو في الحالين عدوان على الذات يستدعي الغضب، فتثور النفس على الظلم الناشئ، وهي ثورة مشروعة، تحفظها الأعراف البشرية والقوانين الدولية أو النوامس الإنسانية الكونية قاطبة. وقد يكون الغضب في بعض الأحيان نزقاً، وفي هذا الحالة لا يعبر عن البأس والعزم أو الحزم، وإنما يدل على الحماقة، وهو ما يختزله المأثور النبوي الشريف: "ليس الشديد بالصُرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". وقد يكون الغضب في حالات أخرى للثأر أو الانتقام والإيغال في العدوان. وهذا يعود إلى أزمنة الهمجية والتوحش، التي اعتقدنا أنها انطوت إلى غير رجعة. أما تعبير "الملحمي" الذي يأتي مردوفاً على أكتاف "الغضب"، الذي يستحضر الدماء والأشلاء خلال الفتك بالأعداء في ساحات الوغى، فهو توصيف بلاغي يستعيد التاريخ والأساطير في سياق الدفاع عن النفس والشرف أو الذود عن الحمى والأوطان عموماً. وهو بهذا المعنى يحيل إلى الشجاعة والبطولة المحمودة أو النبالة والفضيلة السامية. أما أن يجري توصيف الحرب العدوانية التي تشنها زعيمة "العالم الحر"، وربيبتها إسرائيل الاستيطانية الاستعمارية على إيران، تحت خانة "الغضب الملحمي"، فباطل؛ بل فاجر ويستدعي الوقوف عنده مطولاً، ليس باعتباره ابتذالاً للغة من حيث هو تحريف فج للمعنى، أو تشويه سافر للوعي فحسب، وإنما لأنه يتجاوز ذلك إلى الاستخفاف بالقيم والمسِّ بالروح الإنسانية. وهذا يعني أن الخطر الأكبر في هذا الزمن الشائه لا يكمن في العنف ذاته فقط، وإنما أيضاً في اللغة التي تبرره، وفي المفاهيم التي تمنحه شرعية أخلاقية زائفة. فحين يُعاد توصيف العدوان باعتباره "غضباً ملحمياً"، لا يجري تشويه المعنى فحسب، وإنما يجري تقويض الأساس الأخلاقي للكرامة الإنسانية. ومن هنا تبرز الإشكالية: هل يمكن أن يتحول تحريف اللغة إلى شكل من أشكال العنف الرمزي؟ وهل يصبح ابتذال المعنى مقدمة لابتذال الإنسان نفسه، تمهيداً لاغتيال قيمته الوجودية وحُرمته الإنسانية؟
اللغة بوصفها حارساً للكرامة الإنسانية لم تكن اللغة في تاريخ الإنسان مجرد وسيلة للتخاطب أو أداة للتفاهم وتبادل المعلومات فحسب، وإنما كانت منذ نشأة الوعي البشري؛ الإطار الذي تتشكل داخله القيم، والمعيار الذي يُقاس به حضور الإنسان في العالم. فالإنسان لا يعيش في الأشياء وحدها؛ بقدر ما يعيش في معانيها. كما لا تُصان كرامته بالوجود الفيزيائي فحسب، وإنما بالاعتراف الرمزي الذي تمنحه له اللغة، حين تسميه إنساناً، وتخاطبه بوصفه ذاتاً لها قيمة وحرمة وحق ومكانة مقدَّرة، تحيل إلى الفاعلية والتكليف والاستخلاف في الأرض. ولهذا لم يكن غريباً على الوعي أن ترتبط فكرة الكرامة الإنسانية، في أعمق مستوياتها، بفكرة الاعتراف. ذلك لأن الكرامة ليست صورة مادية من خلال صفة بيولوجية، وإنما هي منزلة أخلاقية، يُقرّها المجتمع ويصونها القانون، وتترجمها اللغة في ألفاظها ومفاهيمها. وحين تُحترم الكلمات التي تصف الإنسان، تُحترم إنسانيته؛ وحين تُبتذل تلك الكلمات، أو يُفرغ معناها من محتواه الأخلاقي، يبدأ التآكل الصامت لكرامته، حتى وإن ظل جسده آمناً من الأذى المباشر. لقد أدرك الفلاسفة مبكراً أن العلاقة بين اللغة والإنسان ليست علاقة تقنية أو أداتية، وإنما هي علاقة وجودية تؤثر في كيفية إدراك الإنسان للعالم وفهمه. فحدود ما يمكن قوله، تعبّر في كثير من الأحيان، عن حدود ما يمكن إدراكه والاعتراف به، وهو ما بحثه لودفيك فيتغنشتاين في كتابين، "بحوث فلسفية"، و"الرسالة المنطقية الفلسفية"، مبيناً أن العالم الذي نعيش فيه يتجاوز كونه واقعاً مادياً إلى حقيقة أنه شبكة من المعاني تتشكل عبر اللغة، بحيث يصبح تشويه اللغة تشويهاً للعالم ذاته، لا مجرد خلل في التعبير عنه. وفي اتجاه قريب منه، بيّن ميشال فوكو في بحوثه حول سلطة الخطاب وتنظيم المعرفة، وبخاصة في كتابيه، "حفريات المعرفة" و"المراقبة والمعاقبة" أن الخطاب يمتلك سلطة تنظيمية على المتلقي؛ إذ يحدد شروط الحضور والفاعلية داخل المجال المعرفي والاجتماعي، ويقرر ما يمكن قوله ومن يملك حق قوله. ومن هنا يمكن القول إن اللغة تؤدي وظيفة إنسانية بالمعنى الأخلاقي البحت؛ قبل أن تؤدي وظيفة تواصلية. وبهذا تكون بمثابة الحارس الرمزي للكرامة الإنسانية، وهي تاج مملكة الإنسان؛ لأنها تمنح الأفعال أسماءها، وتحدد مواقعها في سلم القيم. والمقصود باللغة هنا ليس مجرد الألفاظ أو وسائل التعبير، وإنما النظام الرمزي الذي يمنح الأفعال معانيها، ويحدد موقع الإنسان في سلم القيم داخل المجتمع. فالقتل - مثلاً - ليس مجرد فعل مادي، وإنما هو فعل تُدينُه اللغة قبل أن يُدينه القانون، من حيث أنها تصفه باعتباره اعتداءً على الحياة، لا مجرد حادثة عارضة. وكذلك الظلم، لا يصبح ظلماً إلا حين تُسميه اللغة باسمه، وتضعه في موقع الإدانة الأخلاقية. ومن ثمّ، فإن فهم العلاقة بين اللغة والكرامة لا يكتمل إلا بتحليل الكيفية التي تتشكل بها المعاني داخل الخطاب الاجتماعي، وهو ما يستدعي الانتقال إلى دراسة مفهوم الاعتراف بوصفه الأساس الذي تُبنى عليه الكرامة الإنسانية. غير أن هذا الدور الحارس للغة لا يبقى ثابتاً إذا تعرضت الكلمات لعمليات تشويه منهجية، أو جرى استخدامها لتبرير ما كان ينبغي إدانته. فعندما تُستبدل الكلمات التي تحمل حكماً أخلاقياً صريحاً بأخرى مخففة أو مزخرفة، يحدث تحول خطير في الوعي الجمعي؛ إذ ينتقل الفعل من دائرة الإدانة إلى دائرة التبرير أو التزييف، ومن موقع الجريمة إلى موقع الضرورة، ومن خانة العدوان إلى خانة البطولة. وهنا لا يتغير الواقع في ذاته؛ بقدر ما يتغير معناه، ومع تغير المعنى يتغير الحكم الأخلاقي عليه. إن أخطر ما يواجه الكرامة الإنسانية في عصرنا لا يقتصر على العنف المادي الذي يهدد الأجساد، وإنما يتجاوزه كذلك إلى العنف الرمزي الذي يهدد المعاني، وربما يكون هذا العنف أكثر خطورة؛ لأن الجسد قد ينجو من الضربة أو الطعنة، لكن المعنى إذا انهار، انهار معه الأساس الأخلاقي الذي يحمي الإنسان. ولهذا فإن معركة الكرامة الإنسانية لا تبدأ عند حدود القوة والسلاح والبطش أو الفتك، وإنما تبدأ عند حدود اللغة؛ حيث تتحدد قيمة الإنسان، وحيث يُصان أو يُنتهك اعتباره الأخلاقي أو الإنساني. وعلى هذا الأساس، يصبح الدفاع عن اللغة دفاعاً عن الإنسان ذاته. فالكلمات ليست مجرد أصوات عابرة، وإنما هي حدود أخلاقية تصون المعنى من الابتذال، وتحمي الكرامة من الامتهان. فإذا انهارت هذه الحدود، لم يعد العنف بحاجة إلى تبرير، بل يصبح - في نظر الناس - فعلاً عادياً، أو ضرورة تاريخية، أو حتى فضيلة أخلاقية. وعند تلك اللحظة تحديداً، لا يكون الخطر في السلاح الذي يُطلق، وإنما في الكلمة التي تشرعن إطلاقه. فاللغة ليست مجرد وسيلة لوصف العالم، وإنما مسؤولية أخلاقية في تشكيله.
حين تفقد الكلمات وزنها الأخلاقي إذا كانت اللغة هي الحارس الرمزي للكرامة الإنسانية، فإن أول ما يصيب الكرامة بالوهن لا يكون في الجسد، بل في المعنى. فالكلمات - في أصلها - ليست مجرد أصوات أو إشارات (كما أسلفنا)، وإنما هي حوامل لأحكام أخلاقية تراكمت عبر التاريخ؛ حتى صارت لكل لفظة وظيفة قيمية، تحدد موقع الفعل في ميزان الخير والشر أو الخطأ والصواب. ولكن هذه الوظيفة لا تبقى ثابتة إذا تعرضت الكلمات لعمليات تفريغ تدريجي من محتواها الأخلاقي، وهو ما يمكن تسميته ابتذال المعنى. وابتذال المعنى لا يحدث فجأة، ولا يقع بقرار صريح؛ بقدر ما يتسلل إلى الوعي على نحو هادئ ومتدرج، عبر تكرار استعمال كلمات تحمل دلالات إيجابية لوصف أفعال سلبية، أو استخدام ألفاظ محايدة لتغطية وقائع تستوجب الإدانة. ومع الزمن، تفقد الكلمات حساسيتها الأخلاقية، ويتحول ما كان صادماً في الماضي إلى أمر مألوف يمكن قبوله والتعايش معه. وهنا لا يتغير الواقع الاجتماعي في ذاته، وإنما يتغير الإحساس به؛ لأن اللغة أعادت تشكيل حدوده النفسية والأخلاقية. لقد لاحظت حنة أرندت في كتاب "آيخمان في القدس: تقرير في تفاهة الشر" في تحليلها لظاهرة الشر في القرن العشرين أن الأخطر من العنف أو القسوة الظاهرة للعيان، هو الاعتياد عليها حين تُقدَّم في لغة عادية محايدة أو بيروقراطية. بمعنى أن الجرائم حين تُختزل في مصطلحات إدارية باردة، يفقد الفعل طابعه المأساوي أو الشيطاني، ويتحول إلى إجراء روتيني، لا يثير استنكاراً ولا يوقظ ضميراً، كما حصل عندما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة ترحيل سكان غزة من إجل إقامة ريفييرا، أو كما فعلت إسرائيل بفتح الباب لِما سمته "الهجرة الطوعية" تحت سطوة القتل الدموي اليومي لنحو عامين، أو حين يجري توصيف الجرائم ضد الإنسانية بمصطلحات إدارية مثل "جزِّ العشب"، التي تحول القتل المتكرر إلى عملية دورية أشبه بإجراء صيانة، أو "تحييد الهدف"، أو "أضرار جانبية" أو "إدارة الأزمة"، وفي مثل هذه الحالات لا تُلغى الجريمة فحسب، وإنما يُعاد تعريفها لغوياً بحيث تبدو فعلاً عادياً أو ضرورياً. إن هذه اللغة، أو هذه المصطلحات تتميّز بثلاث خصائص أساسية: أولها "التجريد"، أي حذف الإنسان من العبارة وتحويله إلى موضوع أو رقم. وثانيها "التلطيف"، أي تخفيف وقع الفعل على النفس عبر استخدام ألفاظ إدارية باردة أو تقنية محايدة. وثالثها ما يمكن أن نسميها"الروتنة"، أي تحويل الأفعال أو القرارات – حتى الخطيرة منها مثل الجرائم ضد الإنسانية – إلى إجراءات عادية متكررة تُنفَّذ وفق قواعد ثابتة، دون تفكير أخلاقي متجدد. وقد أطلقت أرندت على هذا التحول وصفاً شهيراً هو "تفاهة الشر"، أي ذلك الشر الذي يصبح عادياً؛ لأنه لم يعد يُرى بوصفه شراً، بل باعتباره مجرد مهمة إدارية أو إجراء روتيني داخل جهاز بيروقراطي. وعلى هذا النحو، يصبح ابتذال المعنى عملية أخلاقية خطيرة؛ لأنها لا تكتفي بتغيير الكلمات، وإنما تغيّر أيضاً الضمير ذاته. فحين يُستبدل وصف "العدوان"؛ بعبارة "عملية عسكرية"، أو "حرب استباقية" تبريرية تحت مسمى "الدفاع عن النفس"، أو يُستعاض عن كلمة "ضحايا"؛ بتعبير "أضرار جانبية"، أو تلميذات مدرسة ابتدائية؛ بتعبير "بنات" أو "طالبات"، فإن الفعل لا يتبدل في جوهره، لكن موقعه في الوعي الأخلاقي يتبدل جذرياً. إذ تنتقل الجريمة من فضاء الإدانة إلى فضاء التفسير، ومن دائرة المسؤولية إلى دائرة الضرورة، ومن خانة الخطأ إلى خانة الحتمية القسرية، أو الكرهية. إن أخطر ما في ابتذال المعنى أنه لا يخلق الكذب الصريح؛ بقدر ما يخلق لغة رمادية، تذيب الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الدفاع والعدوان. وهذه اللغة الرمادية لا تصدم الضمير؛ لأنها لا تنكر الحقيقة مباشرة، وإنما تعيد صياغتها في صورة أقل حدة، وأكثر قابلية للتبرير. وهنا يتحقق التحول الأخلاقي الأعمق؛ إذ لا يعود الإنسان محتاجاً إلى إنكار الخطأ، وإنما يكفيه تغيير اسمه. وقد تنبه جورج أورويل في "مزرعة الحيوان" و"1984" إلى هذه الظاهرة مبكراً، حين أشار إلى أن السلطة لا تحتاج دائماً إلى إخفاء الحقيقة، وإنما يكفيها أن تغيّر اللغة التي تُوصف بها الحقيقة. فالحرب يمكن أن تُسمى "سلاماً بالقوة"، والقمع يمكن أن يُسمى حماية، والعدوان يمكن أن يُسمى ضرورة إنسانية، كما يحصل في تدمير إيران بذريعة منعها من حيازة أسلحة نووية لإنقاذ العالم من شرها. وعندئذ لا يعود التضليل قائماً على تزوير الوقائع، وإنما على إعادة تعريفها، بحيث يبدو الفعل مقبولاً؛ حتى وهو يناقض أبسط المبادئ الأخلاقية أو القانونية والإنسانية عموماً. وبهذا المعنى لا يكون ابتذال المعنى مجرد انحراف لغوي بسيط، وإنما هو تحوّل حضاري عميق؛ لأنه يضرب الأساس الذي تقوم عليه القيم الإنسانية؛ باعتبار أن القيم لا تعيش في الفراغ، فهي محمولة بالكلمات، تحيا فيها وتتجدد باستخدامها، وإذا فقدت الكلمات معناها، فقدت القيم قدرتها على التمييز، وأصبح الإنسان عاجزاً عن الحكم الأخلاقي السليم. وعندما يحدث هذا العجز، يصبح المجتمع أكثر استعداداً لتقبل ما كان يرفضه، وأكثر قابلية لتبرير ما كان يدينه. وهكذا؛ يمكن القول إن ابتذال المعنى هو المرحلة التي تسبق دائماً امتهان الكرامة الإنسانية، فالكرامة لا تُنتهك دفعة واحدة، وإنما تُستنزف تدريجياً، عبر سلسلة من التحولات اللغوية التي تجعل الظلم أقل فظاعة، والعنف أقل قسوة، والعدوان أقل إثارة للاشمئزاز. وفي هذه اللحظة لا يكون الخطر في الفعل ذاته؛ بقدر ما يكون في اللغة التي جعلته عادياً.
الغضب الملحمي.. نموذج لخلقنة العنف من بين التعبيرات التي تكشف بوضوح عن ظاهرة ابتذال المعنى في هذا الزمن الأغبر، يبرز توصيف العمليات العسكرية العدوانية الأميركية والإسرائيلية على إيران بعبارة "الغضب الملحمي"؛ وهو تعبير يبدو للوهلة الأولى قوياً ومثيراً للإعجاب، فإيقاعه في الأذن مدوزن برخامة وفخامة فارهة، لكنه عند التأمل الرصين نجده ينطوي على مفارقة لغوية وأخلاقية عميقة؛ لأنه يجمع بين لفظين ينتميان إلى حقلين دلاليين مختلفين، ثم يجري توظيفهما معاً؛ لتبرير فعل يفترض أن يكون موضع مساءلة أخلاقية وقانونية بكل المقاييس الإنسانية، لا موضع تمجيد أو تفخيم وتعظيم. فالغضب، في أصل معناه اللغوي، انفعال أخلاقي دفاعي، ينشأ احتجاجاً على الظلم أو الاعتداء على الكرامة كما بينَّا ذلك آنفاً. ولذلك لا يمكن اعتباره رذيلة في ذاته، وقد يكون فضيلة إذا كان موجهاً نحو الظلم، ومقيداً بميزان العقل والعدالة. فالغضب يكون مشروعاً عندما يثور دفاعاً عن الحق، لا عندما يكون ذريعة للانتقام أو العدوان بأي حال من الأحوال. أما لفظ "الملحمي"، فيحيل إلى عالم البطولة والأسطورة والتاريخ المجيد، فهو توصيف بلاغي يُستخدم عادةً لتصوير أفعال تُنسب إلى الشجاعة والتضحية والسمو الأخلاقي. فالملحمة، في الوعي الثقافي الإنساني، ليست مجرد واقعة دموية، وإنما يُنظر إليها بوصفها حدثاً جديراً بالثناء والاحتفاء؛ لأنه يجسد قيماً عليا، تتجاوز المصلحة الفردية الضيقة. غير أن الجمع بين هذين اللفظين - الغضب والملحمي - في سياق العمليات العسكرية الهجومية في الخطاب الرسمي الأميركي، يؤدي إلى إعادة تعريف الفعل العدواني تعريفاً أخلاقياً مضللاً. فبدلاً من أن يُنظر إلى الحرب بوصفها فعلاً استثنائياً يُفرض عند الضرورة القصوى، يجري تقديمها بوصفها لحظة بطولة تاريخية، أو تعبيراً عن شرف قومي، أو استجابة أخلاقية نبيلة. وهنا لا يجري تجميل العنف وتبرير العدوان فقط، وإنما يُرفعان إلى مرتبة الفضيلة. وبهذا المعنى لا يقتصر التحول اللغوي على اختيار مفردة بعينها؛ بقدر ما يعكس بنية خطاب كاملة، تقوم على تحويل المعنى الأخلاقي للفعل. فالعدوان يصبح غضباً، والغضب يصبح بطولة، والبطولة تصبح ضرورة تاريخية. وبهذا التسلسل الدلالي، ينتقل الفعل من دائرة الإدانة إلى دائرة التمجيد، دون أن يتغير في واقعه المادي شيء. وهنا تكمن خطورة اللغة حين تتحول من أداة وصف إلى أداة إعادة تشكيل للضمير أو الناموس. وقد نبه نيتشه في كتاب "جينالوجيا الأخلاق" إلى أن أخطر أشكال القوة ليست تلك التي تفرض نفسها بالعنف المباشر، وإنما تلك التي تعيد تعريف القيم بحيث يصبح ما كان يُعد شراً في الماضي فضيلة في الحاضر. فالقيم - في نظره - ليست ثابتة بطبيعتها، وإنما يمكن إعادة تشكيلها عبر الخطاب والثقافة؛ حتى تتغير معايير الحكم الأخلاقي دون أن يشعر الناس بذلك. وعلى هذا الأساس، فإن وصف الحرب العدوانية بأنها "غضب ملحمي" لا يمثل مجرد مبالغة لغوية؛ بقدر ما يعبر عن تحول أخلاقي أعمق، يتمثل في تحويل العنف إلى قيمة، والعدوان إلى فضيلة، والقوة إلى معيار للحق. وهو تحول خطير؛ لأنه لا يكتفي بتبرير الفعل، وإنما يعيد صياغة الضمير الذي يحكم عليه. وأخطر ما في الأمر أن هذا النوع من التعبير لا ينكر المعاناة الإنسانية صراحة فقط، وإنما يهمشها ضمن سردية بطولية أوسع، بحيث تصبح الخسائر البشرية تفصيلاً ثانوياً في قصة انتصار كبرى. وهنا يفقد الإنسان مكانته بوصفه غاية في ذاته، ويتحول إلى وسيلة لخدمة رواية تاريخية أو مشروع سياسي أو طموح قومي. وعند تلك اللحظة، لا يكون الانتهاك موجهاً إلى الجسد فقط، بل إلى القيمة التي تجعل الإنسان إنساناً. وهكذا؛ يكشف تحليل تعبير "الغضب الملحمي" عن حقيقة أعمق، حقيقة أن ابتذال المعنى لا يبدأ بتزييف الوقائع، وإنما بتزييف اللغة التي تصف الوقائع. فإذا جرى تحويل العدوان إلى بطولة في الكلمات، أصبح من السهل تحويله إلى ضرورة في الواقع. وعندئذ لا يكون السؤال: لماذا حدث العنف؟ بل لماذا لم يحدث من قبل.
من تشويه المعنى إلى امتهان الكرامة الإنسانية لا يقف خطر تشويه اللغة عند حدود التضليل والتزييف أو التبرير، وإنما يتجاوز ذلك إلى المساس المباشر بجوهر الكرامة الإنسانية. فالكرامة ليست فكرة مجردة أو شعاراً أخلاقياً معلقاً في الفراغ، وإنما هي مبدأ عملي، يقوم على الاعتراف بقيمة الإنسان؛ بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. وحين يُعاد تعريف الأفعال العدوانية بلغة تبريرية أو تمجيدية، فإن أول ما يتعرض للتآكل ليس الحقيقة وحدها، وإنما تتآكل معها القيمة التي تجعل حياة الإنسان ذات حرمة. لقد أسس كانط في "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" أحد أهم المبادئ الأخلاقية في الفكر الحديث، حين قرر أن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. وهذا المبدأ - في جوهره - ليس قاعدة قانونية فحسب، وإنما قاعدة لغوية أيضاً؛ لأن احترام الإنسان يبدأ من الطريقة التي نصف بها أفعاله ومعاناته ومصيره. فإذا جرى اختزال الإنسان في رقم، أو توصيف موته باعتباره خسارة عرضية أو أضرار جانبية، أو تصوير تدمير حياته باعتباره ضرورة استراتيجية، فإن الكرامة لا تُنتهك بالفعل المادي وحده، وإنما تُنتهك أيضاً في اللغة التي نزعت عنه صفته الإنسانية. إن امتهان الكرامة الإنسانية لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يتشكل عبر سلسلة من التحولات الرمزية التي تبدأ بتخفيف وقع الكلمات، ثم تنتهي بتخفيف وقع الأفعال. فحين تُستبدل مفردة "الإنسان" بمفردة "هدف"، أو كلمة "الضحايا" بعبارة "أضرار جانبية"، أو لفظ "العدوان" بتعبير "عملية استباقية"، فإننا لا نغير الألفاظ فحسب، وإنما نعيد أيضاً ترتيب سلم القيم الذي يحكم علاقتنا بالآخرين. وهكذا يتحول الإنسان من كائن ذي حرمة إلى موضوع يمكن التعامل معه بلغة الحساب والتقدير والمصلحة. وقد تنبهت الفلسفة الأخلاقية الحديثة إلى أن أخطر أشكال العنف ليس ذلك الذي يُمارس بالقوة العارية وحدها، بل ذلك الذي يُمارس عبر نزع الصفة الإنسانية عن الآخر، أي عبر تحويله من ذات إلى شيء. وقد حللت حنة أرندت هذه الظاهرة حين ربطت بين اللغة البيروقراطية وبين القدرة على ارتكاب أفعال قاسية دون شعور بالذنب، لأن اللغة المحايدة تُخفي الوجه الإنساني للضحية، وتُحول المعاناة إلى مسألة تقنية أو إجرائية. إن العلاقة بين تشويه المعنى وامتهان الكرامة علاقة سببية عميقة؛ فحين تتآكل الكلمات التي تحمي الإنسان، تتآكل الحدود الأخلاقية التي تمنع الاعتداء عليه. فالقانون نفسه لا يستطيع حماية الكرامة؛ إذا فقدت اللغة قدرتها على تسمية الظلم باسمه؛ لأن العدالة تبدأ من الاعتراف، والاعتراف يبدأ من الكلمة. وإذا ضاعت الكلمة، ضاع الحكم الأخلاقي، وإذا ضاع الحكم الأخلاقي، يصبح العنف قابلاً للتبرير، ومبرراً للتكرار. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن امتهان الكرامة الإنسانية في عصرنا لا يتمثل فقط في انتهاك الحقوق أو استخدام القوة، وإنما في تحويل الإنسان إلى كيان يمكن التضحية به دون شعور بالمسؤولية الأخلاقية. وهنا لا يعود السؤال: هل وقع الظلم؟ وإنما يصبح السؤال: هل كان هذا الظلم ضرورياً؟ وهذا التحول في صياغة السؤال هو أخطر أشكال الانحدار القيمي؛ لأنه ينقل النقاش من مبدأ العدالة إلى مبدأ المنفعة، ومن معيار الحق إلى معيار القوة. إن الكرامة الإنسانية لا تنهار حين يُقتل الإنسان فحسب، وإنما تنهار حين يصبح قتله قابلاً للتبرير في الوعي العام، أو حين يُقدم موته باعتباره تفصيلاً ثانوياً في رواية أكبر. وعند تلك اللحظة، لا يكون الانتهاك موجهاً إلى فرد بعينه؛ بقدر ما هو موجه إلى الفكرة التي تجعل كل إنسان مستحقاً للحياة والاحترام. وعليه يمكن القول: إن الدفاع عن الكرامة لا يبدأ بمواجهة العنف وحده، وإنما أيضاً بمواجهة اللغة التي تشرعنه؛ لأن الكلمة هي الحد الأول الذي يفصل بين الإنسان والشيء، وبين الحق والقوة، وبين العدالة والعدوان. وبهذا تكتمل الصورة التي بدأناها من اعتبار اللغة حارساً للكرامة، لنصل إلى أن انهيارها هو المدخل الأعمق لانتهاكها.
الاعتراف بوصفه استعادةً للكرامة الإنسانية إذا كان تشويه المعنى هو المسار الذي يُفضي إلى امتهان الكرامة الإنسانية، فإن استعادتها لا يمكن أن تتم إلا عبر إعادة تأسيس العلاقة مع الآخر على قاعدة الاعتراف؛ لأن الكرامة لا تقوم في فراغ أخلاقي، وإنما تتجسد داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي تمنح الإنسان حضوره بوصفه ذاتاً معترفاً بها. فالإنسان لا يكتسب قيمته الأخلاقية فقط من وجوده البيولوجي، بل من كونه موضوعاً للاعتراف داخل اللغة والخطاب والمؤسسات، أي من كونه يُخاطَب ويُسمّى ويُفهم بوصفه غاية في ذاته لا مجرد أداة في منظومة المصالح. وفي هذا السياق، يقدّم بول ريكور في كتابه "مسار الاعتراف" تصوراً بالغ الأهمية للاعتراف بوصفه حركة متبادلة تتجاوز مجرد إدراك الآخر إلى الإقرار بقيمته ومنزلته الأخلاقية، بحيث يصبح الاعتراف فعلاً تأسيسياً للعدالة، لا مجرد موقف عاطفي أو اجتماعي. فالاعتراف لا يعني فقط رؤية الآخر، وإنما الاعتراف بحقه في أن يُرى كما هو، دون اختزال أو تشويه أو إنكار لذاتيته. ومن هنا، فإن استعادة الكرامة الإنسانية تمرّ حتماً عبر إعادة إصلاح المجال الرمزي الذي تتحرك فيه اللغة؛ لأن الاعتراف يبدأ من الكلمة، من الطريقة التي يُسمّى بها الإنسان، ومن موقعه داخل الخطاب. فإذا كانت اللغة قد انزلقت في بعض السياقات إلى أداة للتجريد أو التلطيف أو نزع الإنسانية، فإن إعادة الاعتبار للمعنى تصبح الشرط الأول لإعادة بناء الاعتراف. فالاعتراف الحقيقي لا يتحقق في الصمت؛ بقدر ما يتحقق في خطاب يعيد للإنسان اسمه، ويمنحه حضوره الأخلاقي الكامل داخل العالم. وقد بيّن هابرماس أن الفعل التواصلي القائم على الصدق والوضوح والاحترام المتبادل، يشكل الأساس الذي تُبنى عليه العقلانية الاجتماعية والعدالة؛ لأن التواصل حين يُحرَّر من الهيمنة والتضليل يصبح فضاءً للاعتراف المتبادل بين الذوات. وبهذا المعنى، فإن الاعتراف ليس مجرد علاقة بين فرد وآخر؛ بقدر ما هو بنية معيارية تنظم إمكان قيام مجتمع عادل، يقوم فيه الإنسان باعتباره طرفاً في علاقة تواصل لا موضوعاً للسيطرة أو التشييء. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الاعتراف هو اللحظة التي تستعيد فيها اللغة وظيفتها الأخلاقية الأصيلة؛ حين تتحول من أداة لتبرير القوة أو تزييف المعنى، إلى وسيلة لإعادة الإنسان إلى مركز القيمة. فهو الجسر الذي يعيد ربط الكلمة بالعدالة، والمعنى بالكرامة، واللغة بالإنسان. ولذلك فإن أي مشروع يهدف إلى حماية الكرامة الإنسانية لا يمكن أن يكتمل دون إعادة تأسيس ثقافة الاعتراف، بوصفها الشرط الذي يعيد للإنسان إنسانيته داخل اللغة، قبل أن يعيدها داخل القانون أو السياسة.
الكرامة الإنسانية في مواجهة العنف الرمزي إذا كان ابتذال المعنى هو المدخل الصامت إلى امتهان الكرامة الإنسانية، فإن الدفاع عن الكرامة لا يمكن أن يقتصر على رفض العنف المادي أو إدانة نتائجه، وإنما يجب أن يبدأ من مواجهة العنف الرمزي الذي يسبقه ويبرره. فالعنف لا يولد فجأة في ساحة المعركة، وإنما يتشكل أولاً في اللغة، حين تُغيَّر أسماء الأفعال، وتُخفف وطأة الكلمات، ويُعاد ترتيب المعاني بحيث يبدو الظلم أقل قسوة، والعدوان أقل فظاعة، والتضحية بالإنسان أمراً قابلاً للتبرير. ولذلك نعتقد أن حماية الكرامة الإنسانية تبدأ باستعادة المعنى؛ لأن المعنى هو الحصن الأول الذي يحمي الإنسان من التحول إلى مجرد أداة. فالإنسان لا يُهان حين يُعتدى عليه فقط، بل حين يُسلب اسمه، أو يُختزل وجوده في وظيفة، أو يُقدَّم موته باعتباره رقماً في إحصاء، أو نتيجة عرضية في معادلة سياسية. وعند تلك اللحظة، يصبح الدفاع عن الإنسان دفاعاً عن اللغة التي تصفه؛ لأن الكلمة هي أول اعتراف بوجوده، وأول ضمان لحقه في أن يُعامل بوصفه ذاتاً لا شيئاً. وهو ما أدركه بول ريكور في "مسار الاعتراف" عندما اعتبر أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الواقع، وإنما هي فضاء أخلاقي تُبنى داخله العلاقة مع الآخر. فالاعتراف - في نظره - هو أساس العدالة، ولا يتحقق الاعتراف إلا حين تُستخدم الكلمات بوصفها جسراً للإنصاف، لا ستاراً للتبرير. ولذلك فإن مقاومة العنف الرمزي تبدأ من استعادة قدرة اللغة على تسمية الأشياء بأسمائها، دون تزويق أو مواربة أو تحريف. غير أن استعادة المعنى ليست مهمة لغوية فحسب، وإنما هي مسؤولية ثقافية وأخلاقية مشتركة؛ لأن اللغة لا يحرسها الأفراد وحدهم؛ بقدر ما يحرسها الضمير الجمعي للمجتمع. فحين يتواطأ الخطاب العام على استخدام ألفاظ مخففة أو مضللة، يفقد المجتمع تدريجياً حساسيته الأخلاقية، ويصبح أكثر استعداداً لتقبل ما كان يرفضه. أما حين تُحافظ الكلمات على دقتها وصدقها، فإنها تؤدي وظيفة وقائية، تمنع الانحدار القيمي قبل أن يتحول إلى واقع ملموس. ومن هنا، يمكن القول إن الدفاع عن الكرامة الإنسانية في زمننا لا يتحقق فقط عبر القوانين أو المؤسسات أو الاتفاقيات الدولية، وإنما عبر الثقافة التي تحكم استخدام اللغة. فالقانون يستطيع أن يعاقب على الجريمة بعد وقوعها، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنع تشويه المعنى الذي يمهد لوقوعها. أما اللغة الصادقة، فإنها تؤدي وظيفة أخلاقية استباقية؛ لأنها تحافظ على الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، وبين الدفاع والعدوان، وبين الضرورة والجريمة. وقد أشار هابرماس في "نظرية الفعل التواصلي" إلى أن المجتمع العادل لا يقوم على القوة وحدها، وإنما أيضاً على ما سماه "الفعل التواصلي"، أي ذلك النمط من التواصل الذي يقوم على الصدق والوضوح والاحترام المتبادل. فحين تُستخدم اللغة بوصفها أداة للهيمنة أو التضليل، ينهار الأساس الأخلاقي للحوار، وتتحول العلاقة بين الناس من علاقة اعتراف إلى علاقة صراع. أما حين تُستخدم بوصفها أداة للفهم، فإنها تفتح المجال أمام العدالة والسلام. وعلى هذا الأساس، فإن مواجهة العنف الرمزي لا تعني الدخول في معركة لغوية شكلية، وإنما تعني الدفاع عن الحقيقة بوصفها قيمة أخلاقية. ذلك لأن الحقيقة ليست مجرد وصف دقيق للوقائع، بل شرط أساسي لصون الكرامة الإنسانية؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بكرامة في عالم تُشوَّه فيه المعاني، أو تُزوَّر فيه الكلمات، أو يُقدَّم فيه الظلم في صورة فضيلة. إن الكرامة الإنسانية، في نهاية المطاف، لا تُحمى بالسلاح وحده، ولا بالقانون وحده، بل بالكلمة التي ترفض أن تبرر الظلم، وبالضمير الذي يصر على تسمية العدوان باسمه، وبالثقافة التي ترى في الإنسان قيمة مطلقة لا يجوز اختزالها في مصلحة أو منفعة. وعند تلك اللحظة، تصبح اللغة خط الدفاع الأول عن الإنسان، ويصبح الحفاظ على المعنى حفاظاً على الكرامة؛ لأن سقوط المعنى هو البداية الحقيقية لسقوط الإنسان.
#محمد_وردي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مركزية الإنسان أن يكون كما يريد أن يكون
-
االإنسان يختار إيمانه ومعرفته بعقله
-
الإنسان يختار إيمانه ومعرفته بالعقل
-
الأدب والسلم المجتمعي المستدام
-
ما بين الفلسفة والعلم عناق أم طلاق
-
أخلال فلسفية أم مشكلات التفلسف
-
في الفلسفة ووظيقتها وشروط التفلسف
-
مآلات الحداثة.. تقدم الفرع وهرم النوع
-
إشكاليات اصطلاحية أم قصور بالمعنى والوعي
-
نتيجة المقارنة بين ابن رشد وابن بيه
-
العقلانية الإيمانية ما بين ابن رشد وابن بيه
-
التنوير بالمحبة والإحسان في بناء الإنسان
-
شيخ الإنسانيين.. التنوير بالحكمة والشريعة
-
سردية السلم وحوار الثقافات في فكر الشيخ عبدالله بن بيه
-
سردية السلم والتنوير والأنسنة والغواية العقلانية الإيمانية
المزيد.....
-
استلقى على ظهره مثل البشر.. مصور يوثق شبل أسد ظريف يشعر بالت
...
-
بعيدًا عن البروتوكولات الملكيّة.. ميغان ماركل ترتدي مئزر الم
...
-
أكثر مطارات العالم ازدحاماً لعام 2025.. هل ستتأثر حركة المسا
...
-
إعلام إيراني يكشف تكلفة الخسائر جرّاء الهجمات الأمريكية-الإس
...
-
لبنان وإسرائيل في أول لقاء رسمي منذ عقود: حكومةٌ تراهن على
...
-
كوريا الشمالية تختبر صواريخ بحرية -تحوّل الأهداف إلى رماد-..
...
-
كم قطعة بحرية تشارك في حصار إيران؟ تعرّف إلى أسماء السفن الأ
...
-
صفارات الإنذار تشل إسرائيل في يوم ذكرى المحرقة وسط تصاعد معا
...
-
حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية.. ما المقصود بالحصار البحر
...
-
ترامب يفرض حصارا بحريا على إيران: هل تستعر الحرب في الشرق ال
...
المزيد.....
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|