|
|
سوسيولجيا الغرق: الأستاذ الدكتور علاء العبادي
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 00:23
المحور:
الادب والفن
سوسيولوجيا الغرق في (صحراء زرقاء) الأستاذ الدكتور علاء العبادي في نص (صحراء زرقاء) لا يكتب مقداد مسعود قصيدة بالمعنى التقليدي، بل يؤسس لعالم سريالي تحت الماء يتسع لميتافيزيقيا الحكمة، ونقد السلوك البشري، ومأساة الجمود الثقافي، وهجاء المنتج الثقافي الجماهيري. يبدأ النص بمفارقة صارخة: كيف تكون الصحراء زرقاء؟ هذا المتناقض اللفظي يخلق فضاءً طوباوياً مضاداً، حيث يتحد اليبس بالسيولة، والعطش بالغمر، والموت بالحياة الأبدية. الماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، بل نسق فلسفي أخلاقي: (في هذا العمق المائي الهادئ كالحكمة، يكون الماء دفاقاً وشفيقاً) فالماء يحل محل البشر كحاضن وحيد للأمان، وتصبح (الطمأنينة لينة) على نحو ملموس، وكأن المشاعر المجردة تتحول إلى مادة قابلة للّمس. لكن المفارقة الكبرى تأتي في قوله (الوضوح في هذا القاع: جزيرة زنازينها لا تحتاج إلى أبواب، فالبحر باب دائري من اخترقه تلقفه باب الآخرة) هنا يقلب مسعود مفهوم السجن: الزنزانات بدون أبواب تعني أن الحرية المطلقة هي التي تحبس الإنسان في وضوحها القاتل، والباب الدائري يرمز إلى منطق مختلف تماماً عن المنطق البشري المستقيم الذي ألفناه، فالخروج من دائرة يؤدي إلى دائرة أخرى هي الآخرة. يمضي النص في ترسيم أخلاقيات هذا العالم المثالي: أعماق الماء لا تحدد نسل الزحام من (صخب المعادن وصلافة البشر) لا حظ استخدام كلمة(زحام) بدلا من (مجتمع) أو (جماعة) وكأن البشر في الأصل مجرد اكتظاظا مزعج. الماء يخلصهم من ثلاث آفات: صخب المعادن (الحضارة المادية، الأسلحة، العملات) وصلافة البشر (القسوة والجهل والغلظة) ثم يؤكد أن (لا تصادم بين الكائنات. لكل كائن طريقه وطريقته. أنفاق. شوارع. ساحات وأرصفة هندسها الماء) هذا المشهد الحضري تحت الماء هو نقيض المدن البشرية الفوضوية: هنا هندسة لا تتصادم، وتعددية حقيقية لا تنافسية. لكن هل هذا العالم خالٍ من الموت؟ كلا، الموت حاضر لكن بطريقة مغايرة تماما: (الكائنات أحياناً تتحلق حين ترى بقايا هياكل عظمية بشرية، هياكل صقلها الماء، وألبسها أكفانا من أعشابٍ خيطية، بهذه الأزياء النباتية يزور الموتى البحريون عوائلهم في حلم يابس). الماء هنا ليس مدمراً بل دفاناً، يصقل الموتى ويلبسهم أكفاناً جمالية، والأهم: الموتى هم من يزورون الأحياء في أحلامهم، وليس العكس. كلمة (يابس) لم تأتِ عبثاً عالم الأحياء هو اليبس، والموت تحت الماء هو الرطوبة والحياة الحقيقية. غير أن مثالية هذا العالم تتصدع مع دخول البدو الغرقى. هؤلاء ليسوا موتى طبيعيين. بل أناس ماتوا قبل أن يموتوا روحياً: (بدو غرقت سفينتهم بجمالها، ما زلوا يرون البحر صحراء بلا خيام، يفتشون عن نوقهم وخيامهم وكلا بهم) إنهم يرفضون رؤية البحر كما هو، ويصرون على قراءته صحراء لأن هذه هي لغتهم الوحيدة (الكائنات المائية تتحاشى بدواً بلا ربابة ودلة قهوة) إنهم معزولون حتى عن عالم الغرق لأنهم جلبوا معهم عباءاتهم وكلابهم التي(تعلمت السباحة ونسيت النباح) ها هي المفارقة المؤلمة: الكلاب تطورت وتكيفت، أما الإنسان البدوي فظل أسير صورته الذهنية عن القمر وسهيل، ينتظر (صيدلية الأعشاب) من الصحراء لتداويهم في قاع المحيط. هذا نقد لا ذع للجمود الثقافي، حيث يصبح التراث عائقا لا وعياً، حتى بعد الموت الجسدي. ثم يدخل القمر كشخصية ساخرة (القمر يبتسم فهو لا يحسن العوم، لذا يكتفي بالتزحلق على سطح الماء لعله يتزود بشيء من الملوحة، خوفا من هبوط الضغط) القمر هنا عاجز مثل القروي الذي يخاف البحر، يريد(الملوحة) كجرعة وقائية، وهو يبتسم لأنه يعرف أنه لن يغامر أبداً. في المقابل، (البحارة الغرقى لا يتوقفون عن تصليح السفن الميتة، يكدحون لبث الروح فيها بمعونة قبائل من الأخطبوطات) هؤلاء هم أرواح الكادحين المجهولة الذين لا يتوقفون حتى عن العمل بعد الموت، وكأن الإنتاج والعمل هما تعريف الوجود ذاته. الأخطبوطات هنا مخلوقات مساعدة غريبة، ربما ترمز إلى الذكاء اللاواعي أو القدرة على الإصلاح من خلال تعدد الأذرع والمرونة. في لحظة مفاجئة وعنيفة يدخل النص هجوماً سياسيا ثقافيا مباشراً(تايتنك: أكذوبة تجارية: أفيون المخرج: لسحب التوابل من السينما الهندية، ومسلسلات تركية : تنفي ناظم حكمت. كمال يشار. أسمي أحمر، حليب أسود) هنا يكسر أسلوب الشعر المائي ليقحم نفسه ناقداً ثقافيا غاضباً. فيلم (تايتنك) الذي أغرق سفينة ومات آلاف، يصبح أفيون يُستخدم لسرق السوق من السينما المنتجة للتوابل(أي الحياة واللون والبهارات)والمسلسلات التركية الاستهلاكية تنفي تراثا أدبيا عظيماً مثل ناظم حكمت وكمال يشار(الأديب التركي المعارض) وحليب أسود: إشارة لكتاب أليف شافاك تتناول فيه تجربتها الروائية والحياتية والتناقض في العنوان إشارة إلى تناقض العصر : الحليب رمز النقاء والبراءة، لكنه أسودـ أي فاسد ومسموم. ثم يعود النص إلى عالمه المائي ليقدم عنصراً مزعجا حقيقيا(ما يزعج الصحراء الزرقاء: هبوط تلك الكبسولة الطويلة الثقيلة الظل المرعبة تخترق رحِم المياه، كبسولة تحتوي بشراً يتلصصون على الماء وعلى بشر في كبسولات، يتلصصون على بشرٍ... إلخ) هذه الكبسولة هي الغواصة أو أي أداة استكشاف بشرية(تخترق رحم المياه) تحمل دلالات اغتصاب واختراق عنيف لعالم كان مثاليا. والبشر فيها ليسوا غرقى ولا موتى ولا باحثين عن حكمة، بل (يتلصصون) فعل التلصص هو نقيض المعرفة الحقيقية: إنه فضول بدون التزام، استكشاف بدون مشاركة. وتكرار(على بشر في كبسولات) يشير إلى أن هذه الكبسولات هي مرايا لبعضها: البشر يتلصصون على بشر يفعلون الشيء نفسه وكله يحدث فوق رأس عالم البحار الذي لا يبالي. ينتهي النص بلقطة شبه عبثية (من هذا السكير العربيد، يتطوح في قاع البحر، ما أن تسمع صفيره الكائنات والموتى حتى تتحلق حوله ويصير النقطة). السكير العربيد(الصاخب، الماجن، المهمش) يتطوح، ربما على أثر خمرة بحرية، وحين يصفر، تنبّه صافرته كل شيء: الكائنات الحية والموتى معاً. إنه جوكر هذا العالم، القصي والمضحوك عليه في عالم الأحياء، لكنه في قاع البحر (يصير النقطة) – مركز الدائرة، محور الإحداثيات، الأصل الذي تُقاس منه كل الأشياء. ربما يكون هذا السكير هو صوت الشاعر نفسه، أو ربما هو أي إنسان وصل إلى قاع الوعي لدرجة أنه صار لا شيء ويمكنه أن يكون كل شيء. النص إذن ليس مجرد تأمل في الموت والماء. بل هو مرآة متكسرة للحالة الإنسانية : نحن إما بدو يبحثون عن جمالهم في غير محله، أو غواصات تتلصص على الحياة من دون أن تعيشها، أو سكارى يحددون مركز الكون حين يغوصون في أعماقهم الحقيقية. (صحراء زرقاء) لمقداد مسعود هي أعمق مما تبدو، إنها حوارية بين النقيضين: الماء واليبس، الحرية والسجن، الحياة والموت، لتكتشف أن الحكمة لا تكون إلاّ في هذا التوتر بينهما
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صحراء زرقاء
-
مهدي السوداني
-
حبل شاهق
-
الشاعر عبد الأمير العبادي
-
الشاعر خضر حسن خلف
-
رسالة..
-
العين في الصورة
-
قراءة في نص (تأريض) : الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تأريض
-
قراءة في (تخريم) للأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تفكيك الواسع وسحر المتخيل/ بقلم الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تخريم
-
الأرمن : الخلافة والدولة العثمانية وروسيا
-
بيت مخضرم
-
قصيدة محمد العابد
-
( الأرمن والدولة العثمانية) للباحثة نقية حنا منصور
-
الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي ومقالة مقداد مسعود عن
...
-
أصوات الروائي محمد عبد حسن
-
الشاعر صادق الصائغ
-
قصائد بلا أقفاص ولكل خريطة طيورها
المزيد.....
-
الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2
...
-
4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب
...
-
أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد
...
-
المفكر الإيراني حميد دباشي:المعارف الحقيقية تُولد من تحت أنق
...
-
أمسية ثقافية لمناقشة كتاب -اللغة العربية كائن حي- في اثينا
-
المقاصد الكبرى للحج.. رحلة في معاني المناسك مع برنامج أيام ا
...
-
بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات الم
...
-
ما وراء شباك التذاكر.. كيف كسرت الصين هيمنة هوليود وأعادت تع
...
-
من بينهم درّة زروق وتامر عاشور.. فنانون يؤدون مناسك الحج هذا
...
-
فيلم -أسد- لمحمد رمضان يثير الجدل في مصر.. لماذا؟
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|