أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسراء حسن - أزمة الديمقراطية الحديثة: من سلطة الشعب إلى سلطة المال والتكنولوجيا














المزيد.....

أزمة الديمقراطية الحديثة: من سلطة الشعب إلى سلطة المال والتكنولوجيا


اسراء حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعرِّف الأدبيات السياسية والتاريخية الديمقراطية بوصفها أحد أهم النظم السياسية التي عرفها الإنسان، فهي تقوم على مبدأ “حكم الشعب بواسطة الشعب ولأجل الشعب”. وقد نشأ هذا النظام في الحضارة اليونانية القديمة، ثم تطوّر عبر العصور ليصبح الأساس الذي تستند إليه الدساتير الحديثة في العديد من دول العالم. وعلى الرغم من الثغرات التي رافقت التجربة الديمقراطية منذ نشأتها، فإنها ظلّت تُعد الوسيلة السلمية الأكثر فاعلية لتداول السلطة.
غير أن أدبيات العصر الحديث لم تعد تكتفي بانتقاد العيوب التقليدية للديمقراطية، بل بدأت تُشكّك في جوهرها ووظيفتها الحقيقية. فالديمقراطية وُجدت أساسًا لتجسيد إرادة الأغلبية عبر انتخابات حرّة يختار فيها الشعب ممثلين يمتلكون الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة. إلا أن الواقع السياسي المعاصر يكشف تراجع القيمة الفعلية لصوت الناخب، إذ لم يعد الفوز السياسي قائمًا على الكفاءة أو البرامج، بقدر ما أصبح مرتبطًا بامتلاك أدوات النفوذ، والمساومة، والتأثير الإعلامي، والقدرة على الترغيب والترهيب.
ولم يقتصر هذا التحول على دول بعينها، بل امتد إلى كثير من المجتمعات التي تُعد من أكثر الدول تباهيًا بمستوى نظمها الديمقراطية. ومن هنا تبرز تساؤلات جوهرية:
هل تغيّرت الأسس التي قامت عليها الديمقراطية؟ أم تغيّرت طبيعة المرشحين وآليات الوصول إلى السلطة؟ أم أن العالم دخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ “الجاهلية السياسية الحديثة”؟
يمكن القول إن النظام الديمقراطي المعاصر يشهد انحرافًا هيكليًا عميقًا، حوّله تدريجيًا من “سلطة الشعب” إلى “سلطة المال والتكنولوجيا”. وقد ساهمت مجموعة من العوامل الحديثة في إفراغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي، وصناعة واقع سياسي جديد تتحكم فيه قوى اقتصادية وإعلامية عابرة للحدود.
ومن أبرز أسباب هذا الانحراف:
هندسة الوعي الرقمي:
أصبحت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على عزل الأفراد داخل “فقاعات رأي” تُعيد إنتاج القناعات نفسها، كما تُستخدم البيانات النفسية والسلوكية لتوجيه الناخبين والتأثير في قراراتهم، الأمر الذي جعل الصوت الانتخابي يُصنع بصورة غير مباشرة بدل أن يكون تعبيرًا حرًا عن الإرادة السياسية.
رأسمالية المحسوبية:
أدّى تضخم تكاليف الحملات الانتخابية إلى ارتهان كثير من السياسيين للشركات الكبرى ومجموعات الضغط الاقتصادي، مما جعل النائب أو المسؤول أقرب إلى ممثل لمصالح الممولين منه إلى ممثل للإرادة الشعبية.
شعبوية الترغيب والترهيب:
شهد الخطاب السياسي تراجعًا واضحًا في الطروحات العقلانية والبرامجية، مقابل تصاعد الخطابات العاطفية التي تعتمد على إثارة المخاوف الأمنية، أو تقديم وعود اقتصادية مؤقتة، أو شراء الولاءات السياسية بوسائل مختلفة.
النيوليبرالية والعولمة:
أصبحت القرارات الاقتصادية الكبرى، مثل أسعار الفائدة والتضخم وفرص العمل، تُدار من قبل مؤسسات مالية واقتصادية عابرة للقوميات لا تخضع للانتخاب الشعبي، مما قلّص قدرة الحكومات المحلية على تنفيذ السياسات التي تعبّر عن تطلعات شعوبها.
ولا يمكن اختزال الأزمة الحالية في سوء أداء بعض السياسيين فقط، لأن الأنظمة الحديثة باتت تُنتج بيئة سياسية تُقصي في كثير من الأحيان أصحاب الكفاءة والاستقلالية، وتمنح الأفضلية لمن يمتلك المال، والقدرة على المناورة، وإدارة الصراعات الإعلامية. ومن هنا يمكن الحديث عن “جاهلية تكنولوجية مادية”، يمتلك فيها الإنسان المعاصر أعلى مستويات المعرفة التقنية، لكنه يفتقر في المقابل إلى الوعي السياسي المستقل، فيُقاد خلف شعارات عاطفية ومصالح ضيقة جرى تشكيلها مسبقًا عبر أدوات الإعلام والتكنولوجيا.
وعليه، فإن الديمقراطية لم تختفِ بوصفها نظامًا سياسيًا، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من مضمونها الحقيقي، وتحولت في كثير من الأحيان إلى إجراءات شكلية تمنح الشرعية القانونية لقوى النفوذ المهيمنة. كما تحوّلت المؤسسات السياسية العريقة إلى واجهات إدارية لإدارة الأزمات اليومية، بدل أن تكون أدوات فاعلة في قيادة المجتمعات وصناعة التحولات الكبرى.
ويتضح هذا التحول من خلال عدة مظاهر أساسية:
انتقال السلطة الفعلية:
لم تعد مراكز القرار الحقيقية متمثلة فقط في البرلمانات والحكومات المنتخبة، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى المصارف المركزية، والشركات العابرة للقارات، وصناديق الاستثمار الكبرى التي تفرض توجهاتها الاقتصادية والسياسية على الدول.
تشابه البرامج السياسية:
أصبحت الأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها، متقاربة في سياساتها الاقتصادية والمالية، بسبب خضوعها لمنظومة عالمية موحدة، مما جعل الانتخابات تبدو في كثير من الأحيان تغييرًا في الوجوه لا في السياسات.
الخصخصة وإضعاف الدولة:
أدّى التوسع في خصخصة القطاعات الحيوية، مثل التعليم والصحة والطاقة، إلى تقليص قدرة الدولة على ممارسة دورها الاجتماعي والتنموي، وتحويلها إلى جهاز إداري يركز على حماية الاستقرار الاقتصادي ومصالح المستثمرين.
سياسة الأزمات المستمرة:
تُدار المجتمعات الحديثة في ظل أزمات متواصلة؛ اقتصادية وصحية وجيوسياسية، وهي ظروف تُستخدم أحيانًا لتبرير اتخاذ قرارات استثنائية دون مشاركة شعبية حقيقية، مما يضعف الممارسة الديمقراطية الطبيعية.
وفي ضوء ذلك، يمكن الحديث عن ظاهرة “موت السياسة”، حيث يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي لم يعد قادرًا على تغيير واقعه المعيشي أو تحسين الخدمات الأساسية أو معالجة الأزمات الاقتصادية. وينتج عن ذلك تزايد مشاعر اللامبالاة والازدراء السياسي، والعزوف عن المشاركة الانتخابية، الأمر الذي يحوّل العملية الديمقراطية إلى أداة لمنح الشرعية الشكلية لسلطة قائمة، دون أن تمتلك هذه السلطة شرعية شعبية حقيقية تعكس إرادة المجتمع.



#اسراء_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُصِيبَة العَرَب
- سيناريوهات مُتوقّعة
- لِنَكن واقعيين
- لِنكن واقعيين
- التطرف
- الفقراء في بلدي
- الموقف الاقتصادي العراقي
- لحظة الحقيقة
- معركة طواحين الهواء
- العقل الحاضر والغائب
- ايها المسؤول هذه حدود المسؤولية
- من غباء الأحزاب
- الدولة المدنية
- ممارسات أصحاب الشرعية
- الفرق بين الأحزاب الأوربية والتيارات الإسلامية
- الديمقراطية & الدكتاتورية
- تصحيحا لافكارنا
- العراق أسير المأزق السياسي
- الهوية المفقودة
- مآ هي مشكلة العراق الحقيقة؟


المزيد.....




- ترامب يطلب من المفاوضين الأمريكيين -عدم التسرع- في إبرام اتف ...
- الصين ترسل 3 رواد فضاء في مهمة جديدة تمهيدا لبناء قاعدة على ...
- القسام تنشر رسالة لقائدها الراحل عز الدين الحداد.. ماذا قال ...
- بروباغندا الصور.. كيف يوظف ترمب الذكاء الاصطناعي في حرب إيرا ...
- انتهت اللعبة.. ونجحنا في باكستان في إيقاف كارثة عالمية
- حماية تحت الأرض.. ملاجئ فنلندا محط الأنظار في زمن الحرب
- مضيق هرمز.. اتفاق مبدئي على فتحه وغموض في الصياغة والتفعيل
- الدوحة والرياض تؤكدان دعمهما للوساطة الباكستانية بين واشنطن ...
- مسؤول أمريكي: إبرام اتفاق مع إيران قد يستغرق أيامًا
- مباشر: ترامب يقول إن واشنطن لا تعتزم -التسرّع- في إبرام اتفا ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسراء حسن - أزمة الديمقراطية الحديثة: من سلطة الشعب إلى سلطة المال والتكنولوجيا