أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في المجتمع؟















المزيد.....

القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في المجتمع؟


زيد نائل العدوان

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 16:29
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


لم يعد من الممكن في العصر الحديث النظر إلى القانون بوصفه مجموعة قواعد محايدة تُنظم المجتمع فقط، أو إلى الاقتصاد باعتباره نشاطًا مستقلًا تحكمه قوانين السوق وحدها، فقد ظهرت دراسات حديثة ضمن حقل يُعرف بـ"القانون والاقتصاد السياسي" تؤكد أن القانون والسياسة والاقتصاد مترابطة بصورة عميقة، وأن الأسواق نفسها لا تنشأ بصورة طبيعية، بل تُصاغ وتُعاد صياغتها عبر التشريعات والمؤسسات السياسية وعلاقات القوة الاجتماعية.
ينطلق هذا التوجه من نقد المدرسة الاقتصادية التقليدية التي تعاملت مع السوق بوصفه نظامًا مستقلًا يعمل تلقائيًا وفق قوانين العرض والطلب، بينما يرى أن الدولة والقانون ليسا مجرد مراقبين للسوق، بل هما من يحددان شكل الملكية، والعقود، وحقوق العمال، وحدود المنافسة، وطبيعة توزيع الثروة داخل المجتمع، ومن هنا فإن أي خلل اقتصادي أو تفاوت اجتماعي لا يمكن فهمه بعيدًا عن البنية القانونية والسياسية التي أنتجته.
وتبرز أهمية هذا الطرح بصورة خاصة بعد الأزمات الاقتصادية العالمية، ولا سيما أزمة عام 2008، التي كشفت أن تحرير الأسواق بصورة مطلقة قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الطبقية وإضعاف الديمقراطية وسيطرة النخب المالية على القرار السياسي.
وبالتالي، فإننا نسأل السؤال التالي، وهو: "هل يمكن للقانون أن يحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية فعلًا، أم أنه قد يتحول إلى أداة تُكرس هيمنة القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى داخل المجتمع؟"
هذه الإشكالية تُعد من أهم القضايا التي يناقشها حقل القانون والاقتصاد السياسي؛ لأنه يحاول فهم العلاقة المعقدة بين السلطة والثروة والتشريع، وكيف تؤثر القوانين في توزيع النفوذ داخل الدولة والمجتمع.
يرى اتجاه القانون والاقتصاد السياسي أن الأسواق ليست كيانات طبيعية مستقلة، بل هي نتاج مباشر لقرارات سياسية وقانونية، فالقانون هو الذي يمنح الشركات الشخصية الاعتبارية، ويحدد قواعد الاستثمار، وينظم البنوك، ويضع نظام الضرائب والعمل والتجارة، وبالتالي فإن الاقتصاد لا يعمل خارج الإطار القانوني، وإنما من خلاله.
ومن هذا المنطلق، فإن علاقات القوة داخل المجتمع تُبنى جزئيًا عبر القوانين، فعندما تُصاغ قوانين الضرائب بطريقة تخفف العبء عن أصحاب رؤوس الأموال وتزيده على الطبقات المتوسطة والفقيرة، فإن القانون هنا لا يكون محايدًا، بل يصبح أداة لإعادة توزيع الثروة لمصلحة فئة معينة، وكذلك الحال عندما تُضعف قوانين العمل من حماية العمال أو تُعطي الشركات الكبرى امتيازات احتكارية واسعة.
فالاقتصاديون يؤكدون أن التفاوت الاقتصادي لا ينشأ فقط بسبب الكفاءة الفردية أو المنافسة الحرة، بل نتيجة تراكم تاريخي لعلاقات السلطة التي تُنتجها الأنظمة القانونية والسياسية، ولهذا فإن القانون لا يكتفي بتنظيم الاقتصاد، بل يساهم في تشكيل البنية الاجتماعية ذاتها.
كما تناقش الكتب الاقتصادية العلاقة بين الدولة والسوق، حيث تروج بعض الاتجاهات الليبرالية لفكرة تقليص دور الدولة وترك الاقتصاد لقوى السوق، غير أن أنصار القانون والاقتصاد السياسي يرون أن غياب الدولة لا يعني غياب السلطة، بل يعني غالبًا انتقال السلطة من المؤسسات الديمقراطية إلى الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الكبرى، فحتى الأسواق الحرة تحتاج إلى قوانين تحمي الملكية والعقود والاستثمارات، أي أنها تعتمد في النهاية على سلطة الدولة.
ومن القضايا المهمة التي تناولتها الكتب الاقتصادية أيضًا هي تأثير العولمة والاندماج الاقتصادي الدولي في الديمقراطية والسيادة الوطنية، فمع توسع الاتفاقيات التجارية والمؤسسات المالية الدولية، أصبحت بعض القرارات الاقتصادية تُفرض على الدول بصورة تحد من قدرتها على رسم سياساتها الاجتماعية والاقتصادية بحرية، ويظهر ذلك بوضوح في حالات فرض سياسات التقشف أو تحرير الأسواق كشرط للحصول على الدعم المالي الدولي.
وهنا تظهر خطورة انفصال القانون عن العدالة الاجتماعية؛ إذ قد تتحول القواعد القانونية إلى وسائل لحماية التوازنات الاقتصادية القائمة بدلًا من إصلاحها، فالقانون، بحسب هذا الاتجاه، ليس مجرد نصوص جامدة، بل انعكاس لصراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية مستمرة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن القانون أداة قمع دائمًا، بل يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق التوازن والعدالة إذا استُخدم ضمن رؤية ديمقراطية تراعي المصلحة العامة، فالتشريعات المتعلقة بالضمان الاجتماعي، والحد الأدنى للأجور، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار، والعدالة الضريبية، كلها أمثلة على قدرة القانون على الحد من هيمنة القوة الاقتصادية وإعادة بناء التوازن الاجتماعي.
إذًا، يمكن معالجة الإشكالية السابقة من خلال إعادة بناء العلاقة بين القانون والاقتصاد على أساس العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وذلك عبر عدة أمور:
أولًا: ضرورة الاعتراف بأن القانون ليس محايدًا بصورة مطلقة، وأنه يتأثر بالبنية السياسية والاقتصادية للمجتمع، وهذا الإدراك يساعد على تطوير تشريعات أكثر عدالة وشفافية.
ثانيًا: تعزيز الرقابة الديمقراطية على القرارات الاقتصادية الكبرى، بحيث لا تنفرد الشركات العملاقة أو المؤسسات المالية بالتأثير في السياسات العامة.
ثالثًا: تبني سياسات قانونية تحقق التوازن بين حرية السوق والحقوق الاجتماعية، من خلال حماية العمال، ومنع الاحتكار، وضمان عدالة النظام الضريبي.
رابعًا: تطوير التعليم القانوني بحيث لا يقتصر على دراسة النصوص المجردة، بل يهتم بتحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقوانين، لأن القانون لا يعمل في فراغ بل داخل واقع اجتماعي معقد.
يكشف حقل القانون والاقتصاد السياسي أن العلاقة بين القانون والاقتصاد ليست علاقة فصل أو استقلال، بل علاقة تفاعل عميق تُشكل بنية المجتمع والدولة؛ فالقوانين لا تنظم الأسواق فقط، بل تساهم في صناعة القوة والثروة وتوزيع النفوذ داخل المجتمع، ولذلك فإن العدالة القانونية لا تتحقق بمجرد وجود النصوص، وإنما بطريقة صياغتها وتطبيقها والغاية التي تخدمها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والسوق، بل في بناء نظام قانوني واقتصادي يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويمنع تحول القانون إلى أداة بيد القوى الاقتصادية المهيمنة؛ وهذا ما يجعل دراسة القانون والاقتصاد السياسي ضرورية لفهم الأزمات المعاصرة وإعادة التفكير في دور القانون في حماية الإنسان والمجتمع.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإشكاليات الناتجة عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في البيئة ...
- تحليل قانوني لجريمة التعدي على البيانات الشخصية الالكترونية
- سرد نثري لأسطورة الذئب في التراث النرويجي
- تعقيب على المادة (8) من قانون الأمن السيبراني الأردني
- الحقوق الممنوحة للمرأة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التم ...
- الحقوق الممنوحة للطفل في الإعلان العالمي لبقاء الطفل وحمايته ...
- في ضرورة وجود القانون
- موجز سريع عن علم (السلامة السيبرانية)
- مقدمة لتعريف الجريمة الالكترونية
- تصنيف الجرائم الالكترونية وفق قانون الجرائم الالكترونية الأر ...
- نقد منهجية التعليم القانوني
- ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الثاني
- ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الأول
- نقد دوغمائية الإيمان الديني
- نقد الحركات الروحية ذات الصبغة الدينية
- ترجمة البحث المعنون ب( دراسة حول أفكار القيم الشيوعية والقيم ...
- الحقوق الممنوحة للطفل في التشريع الأردني
- تعقيب على المادة (6) من قانون حماية البيانات الشخصية الأردني
- ترجمة البحث المعنون ب (تفريق ماركس بين الشيوعية والاشتراكية)
- ترجمة البحث المعنون ب(مساهمة الحضارة المصرية القديمة في العا ...


المزيد.....




- الداخلية السورية تعلن اعتقال اللواء السابق بالحرس الجمهوري م ...
- مسلسل رعب يومي.. هل تتحول أزمة المهاجرين إلى قنبلة داخل جنوب ...
- الخارجية الإيرانية: العقوبات الأميركية على كوبا تعد اعتداء ع ...
- فشل مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي في الأمم المتحدة وسط م ...
- بتنسيق استخباراتي تركي سوري.. اعتقال 10 مطلوبين من تنظيم الد ...
- مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين: أكثر من 30 عملية قمع نُفذت بح ...
- مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين: أكثر من 30 عملية قمع نُفذت بح ...
- مكتب إعلام الأسرى: أوضاع إنسانية صعبة في سجن الدامون تشمل س ...
- ?? مكتب إعلام الأسرى: نطالب بتحرك حقوقي عاجل لوقف الانتهاكات ...
- استهداف مقر -الأونروا-...محاولة لطمس الهوية وشطب -حاملة الأخ ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في المجتمع؟