|
|
القطّ والقبّعة
ريتا عودة
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 22:50
المحور:
الادب والفن
قصّة: بشار بطرس " إن شعور القلب فوق منطق العقل " باسكال
لاحظتُ مصادفة أن قطط الشوارع تنفر من رؤية الناس حين يرتدون القبّعات، نفوراً قد يصل حدّ الفزع !. صادف ذلك حين كنت سائراً، أرتدي قبّعة صوفيّة، ينتهي أعلاها بكُرة من خيوط سود، في حين، أن الرذاذ الخفيف، لم يزعج القطط، فقد أثارها منظري، ففرّت هاربة أمام مسير قدميّ !! دهشتُ للحادثة، وللوصول إلى استنتاج معقول، قررتُ تربية هرٍّ، وتطبيق الاكتشاف عليه، مطلقاً على موضوعي: "القط والقبعة". لم يكن من الصعب إحضار قط حديث الفطام بلون عشوائي، فكان هرّي أسود مع بقع بيضاء على الرأس ومنتصف الظهر، وبقعة تستطيل باتجاه الذنب، إذاً، لم يكن جميلاً كغيره من القطط، ويمكن لبعض من رآن أن يقول "إنه منفّر" لكن ذلك لا يدخل في موضوع التجربة. استطعت قدر الإمكان تعويده على النظافة، واعتنيت بغذائه حتى ينشأ صحيح الجسد والملاحظة. كانت خلاصة فكرتي، أن أواجهه حين يكبر، بمنظري "المتقبّع" وملاحظة ردود فعله، وحتى أضمن ذلك، حرصت على إخفاء قبعاتي عنه، ولم أظهر أمامه بأي منها، ومزيداً من إقناعه بمقاطعتي للقبّعات، كنت أداعبه قريباً من رقبتي، وأجعله يتحسّس الشّعر الحر، والأذنين اللتين تسمعان جيداً خريره الدافئ. كبر الهرّ سريعاً، وصار مشاكساً بعض الشيء، يطلب بمواء مترجٍ الخروج من المنزل ليلاقي أصدقاءه، عند حاوية القمامة، أو يغازل بنات جنسه، ولم أمانع في ذلك، لأن ملاحظتي ترتّبت عن قطط تعيش في الشّوارع لا بين جدران المنازل. قسوت عليه، متذكراً أنه يبقى حيواناً شرساً، متواكلاً لا يُمكنني ائتمانه، عدا عن أنني في الأصل، أكره القطط، وأنظر إليها كونها حيوانات مفترسة، ذات مخالب تخرجها حين تريد بأنانيّة فظّة وتنقل الأمراض خصوصاً حين لا يُعتنى بنظافتها. وهو- على الرغم من ذلك- كان لا يؤخّر جهداً في استعطافي بمحاولات العبث الدائمة بمحتويات الغرفة، وإصراره على اللعب معي، وإزعاج أوقات فراغي، حين يطفح بي الكيل، فيدرك بطريقة لا أعرفها، أنّ عليه صرف طاقاته بغير اتجاه. أثارني تباين لوني جسده الأبيض والأسود، ورأيت فيهما أحلى خلاصة لاجتماع اللونين، وفي عينيه البنيّتين تذوقت سرّ انعكاس الضوء، أحببت ذيله بحركته الساحرة حين تقسم فراغ الغرفة فأقول: أي سحر في هذا التكوين ! جمعني به إحساس خاص، فقد صار من أساسيات الغرفة: حين أدخلها أتأكد من وجوده قبل التفتيش على النظافة، أو تفقّد "الشحّاطة" تحت السرير، وصار من عادتي أن أقول له: "صباح الخير" قبل تفكيري بسماع صوت فيروز... لكنّي لم أتفاءل بارتياحه إليّ، ونسيانه فظاظتي في معاملته، حتى عشّمت نفسي بقربه مني، طالما أقدّم له طعاماً دسماً، ودفئاً مناسباً، وتسلية لا ينالها رفاقه من القطط. وهو، إذا لا يستطيع الكلام، ولأننّي لا أفهم لغته الخاصّة، لم يجبني: هل أحبّني أيضاً؟ وهل سيساعدني في تجربتي مطلقاً كامل ردود فعله؟ ولا يقصّر في تثبيت الاكتشاف عن خوفه من القبّعة؟ مضى الشتاء، وكان قد بلغ الشهر الخامس، كبر حجمه وطال وبر جسده، واكتسب على ما يبدو، تجربة في التأمل ومجانبة الخبث، وامتنع عن الخروج من المنزل، وطالت ساعات نومه، ولم يعد يزعجه الماء الفاتر حين أجبره على الاستحمام. أحببته أكثر، ووجدت في سلوكه الجديد قرباً من ملامح سلوكي، وسألت نفسي سؤالاً أربكني: حين تنتهي "التجربة" هل سأستطيع الاستغناء عنه؟ وإذا لم يحقق فرضية "القط والقبّعة" فما هو مبرّري لإبقائه؟ في يوم ماطر من أيام الربيع، لبستُ قبّعة التجربة، واتخذت لنفسي هيئة المار بذلك الشّارع منذ شهور مضت، وحرصت على مفاجأته وحيداً في الغرفة !. فتحت الباب، وأضأت النور، كان نائماً فأفاق، نظر إليّ، فحدقت في عينيه البنيّتين، تقصّدتُ الوقوف أمامه دون حركة، ثم قرفصت أستثيره.. مضت لحظات ثقيلة، لم يكترث، لم يُعنِه أنّنا في تجربة، حوّل نظره عني، ولم يكلف نفسه عناء الوقوف لتحيّتي، والتمسح بساقي كما كان يفعل. خلعت القبعة، ورميتها إلى جانبه، عسى تخيفه شيئاً ما، نظر إليها بقرف، ولم يزعج منخريه الدقيقتين بشمها، تناولتها، وضعتها فوقه، تثاءب ساخراً، وأسقطها على الأرض، وعاد إلى جلسته الطبيعيه، ينظر إلى اتجاه آخر ! ثم تخفْه القبّعة، حتى أن الكرة السوداء القريبة من لونه الغالب، المهتزة بين يديّ، لم تحرك مخالبه باتجاهها. اقتربت منه، أريد تبريراً لما حصل، نادماً على خطأ ملاحظتي، وفشل تجربتي. نظر إليّ بعطفِ غيرِ المسؤول عمّا حدث، فتناولتْه يداي. بين راحتي وأمام وجهي، ازداد ألفة وجمالاً، رفع رأسه، اقترب بشاربيه من رموش عيني، بدلال لم أعهده، تركتُه عند التقاء الكتف بالرقبة، وتمسّحتْ بجسده الدافئ وجنتي. لم أره بهذه المودّة من قبل: كان يبذل أقصى مرونة أطرافه، للمحافظة على التفافه حول عنقي، ملصقاً رأسه بقفا رأسي، يحاول إسماعي من أقرب طريق، ما يجول في رأسه الصغير، ويقنعني دون كلام مسموع بأن القطط لا تخاف القبعات، ويجيبني عن السؤال الذي خفتُ منه: لن تتركني، فدفءُ جسدي من دفء يديك. !!
القط والقبّعة: من مجموعة قصص قصيرة بعنوان (شجرة التوت الشامي)، فازت بجائزة (سعاد الصباح) للقصة القصيرة عام 1996
■■■ لمحة نقديّة ■■■
لقد اخترتِ نصاً شديد العذوبة والعمق الإنساني للكاتب بشار بطرس. قصة "القط والقبعة" ليست مجرد سرد لتجربة علمية أو ملاحظة سلوكية تجاه الحيوان، بل هي رحلة سيكولوجية وفلسفية تعكس تحول المشاعر الإنسانية وانتقالها من جفاف "المنطق والعقل" إلى رحابة "العاطفة والقلب"، متخذةً من مقولة باسكال المفتاحية موجهاً أساسياً للعمل. إليكِ تحليلاً نقدياً مفصلاً لأبعاد هذه القصة الجميلة: . العتبة النصية والمقولة المفتاحية تبدأ القصة بمقولة الفيلسوف وعالم الرياضيات بليز باسكال: "إن شعور القلب فوق منطق العقل". هذه العتبة ليست مجرد زينة أدبية، بل هي "الشفرة الجينية" للنص بأكمله. السارد يدخل التجربة مدفوعاً بـالعقل والمنطق (ملاحظة، فرضية، تجربة، استنتاج)، لكنه ينتهي مستسلماً لـمنطق القلب (الحب، الألفة، الدفء). المقولة تختصر الصراع الداخلي للبطل والتحول الذي طرأ على بنيته النفسية. . التحول النفسي وشبكة العلاقات (الراوي والهرّ) يتتبع النص بدقة خطاً بيانياً متصاعداً للعلاقة بين السارد والهر، وهو تحول من النقيض إلى النقيض: مرحلة الجفاء والمصلحة العلمية: في البداية، ينظر الراوي إلى الهر كـ"أداة مختبرية". يصفه بأنه "ليس جميلاً"، "منفّر"، ويعترف صراحة: "أنا في الأصل، أكره القطط، وأنظر إليها كونها حيوانات مفترسة... بأنانية فظّة". هنا يمثل الراوي العقل البارد الصارم. مرحلة التسلل العاطفي: تبدأ تفاصيل الحياة اليومية بكسر هذا الجفاف. تباين الألوان (الأسود والأبيض)، حركة الذيل الساحرة، انعكاس الضوء في العينين البنيتين. يتحول الهر من "موضوع تجربة" إلى "شريك في المكان"؛ يسبق وجودُه تفقدَ النظافة، ويسبق صوتَ فيروز في الصباح. مرحلة التماهي (الأنسنة): يصبح الهر مراةً للراوي ("وجدت في سلوكه الجديد قرباً من ملامح سلوكي"). هنا يسقط المنطق العلمي، ويبدأ القلق الإنساني بالظهور: "حين تنتهي التجربة، هل سأستطيع الاستغناء عنه؟". . رمزية "القبعة" وفشل التجربة العلمية القبعة في القصة تحمل دلالتين: الدلالة السلوكية (الظاهرية): هي المتغير المراد قياسه في التجربة (هل تخاف القطط القبعات؟). الدلالة الرمزية (العميقة): القبعة تمثل "القناع" أو "الحاجز" أو "المنطق المصطنع" الذي يحاول الإنسان فرضه على الطبيعة/العاطفة. حين لبس الراوي القبعة ليختبر الهر، جاءت ردة فعل الهر مخيبة للمنطق العلمي ومبهرة للمنطق الإنساني. الهر لم يخف، بل نظر إليها "بقرف" وتثاءب "ساخراً". هذا السلوك يمثل انتصار العفوية والطبيعة على الاصطناع. الهر لم يرَ القبعة، بل كان يرى -بحسه- الشخص الذي وراء القبعة، الشخص الذي منحه الدفء والطعام. . الخاتمة وانقلاب الأدوار (من يربي من؟) في المشهد الختامي، يحدث الانقلاب الدرامي الجميل: الراوي الذي كان يعتقد أنه "يُربي" الهر ويتحكم في اللعبة، يصبح هو المتلقي للدرس. الهر يلتف حول عنق الراوي، ويمسح وجنته بوجنته، ويبثه رسالة صامتة تخترق وعيه: "الحب والأمان أقوى من المظاهر الخادعة (القبعات)". العبارة الأخيرة: "لن تتركني، فدفءُ جسدي من دفء يديك"، هي إعلان رسمي عن ذوبان الأنا والآخر، وتحول الكائن "المنفّر والأناناني" في نظر الراوي إلى مصدر للدفء والأمان المشترك. . الجماليات الأسلوبية اللغة السردية المسترسلة: تمتاز القصة بلغة هادئة، تمزج بين المصطلحات شبه العلمية (الفطام، تطبيق الاكتشاف، فرضية، ردود فعل) واللغة الوجدانية الشفيفة (سحر التكوين، العبث الدائم، دلال لم أعهده). المفارقة (Irony): القصة مبنية على مفارقة ممتعة؛ فالفشل العلمي للتجربة هو في الحقيقة نجاح إنساني باهر. خسر الراوي فرضيتُه حول "خوف القطط من القبعات"، لكنه كسب صديقاً وشفاءً لنفسه من جفاف المشاعر. خلاصة: "القط والقبعة" لبشار بطرس قصة قصيرة دافئة، تذكرنا بأن محاولاتنا لتأطير العالم عبر منطق العقل الجاف كثيراً ما تنكسر أمام دفء التواصل الإنساني والكوني الصادق. نص يستحق بجدارة الجائزة التي نالها، لما فيه من عمق وبساطة في آن واحد.
#ريتا_عودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لا أكذب ولا أَتجمَّل
-
نقّار الصّمت| رواية 2026
-
جرحان وضوء واحد
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || قراءة نقديّة
-
كتاباتٌ من جوفِ الحوت
-
في حضرة الانتظار
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
-
أيُّها الطُّغاة
-
خبزُ الأوجاعِ الكونيّ
-
عقيدةُ الأَرضِ
-
Hillary Hitler Avy || بنغلادش
-
هوانغ سانغ سون || شاعر كوري
-
شُعَرَاء دَوْلِيُّون || كانغ بيونغ-تشيول
-
ايلولُ يشبهُنا
-
نبض فلسطيني لريتا عودة واياد شماسنة
-
تحليل نقدي لقصائد ريتا عودة|| بروفيسور مختار زكلول
-
احتفاليّة نقديّة بنصّ -رسالة إلى محمود درويش-
-
رسالة إلى محمود درويش
-
قراءة في قصيدة -أنا سائقة للألم التّاريخي-
-
أَنَا سَائِقَةٌ لِلأَلَمِ التَّارِيخِيِّ
المزيد.....
-
-كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه
...
-
كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي
...
-
تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ
...
-
مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
-
ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟
...
-
باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين
...
-
-كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد
...
-
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا
...
-
من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر
...
-
بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|