أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم الفارس - أفق الكتابة ووهج الروح/ قراءة في كتاب هدير الجبوري، (بعض ماقلته للزمان)















المزيد.....


أفق الكتابة ووهج الروح/ قراءة في كتاب هدير الجبوري، (بعض ماقلته للزمان)


جاسم الفارس

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 13:11
المحور: الادب والفن
    


في مقدمة كتابه ( المرأة واللغة ) يكتب عبدالله محمد الغذّامي ( إن توظيف المرأة للكتابة وممارستها للخطاب المكتوب بعد عمر مديد من الحكي والاقتصار على متعة الحكي وحدها، يعني اننا اما نقلة نوعية في مسألة الإفصاح عن الانثى، إذ لم يعد الرجل هو المتكلم عنها والمفصح عن حقيقتها وصفاتها – كما فعل على مدى قرون متوالية- ولكن المرأة صارت تتكلم وتفصح وتشهر عن افصاحها هذا بواسطة القلم هذا القلم الذي ظل مذكرا وظل أداة ذكورية) . حققت هدير في ما قالته للزمان هذه النقلة النوعية في كتابها الجديد (بعض ما قلته للزمان). الذي ضم في جزئه الأول مجموعة مقالات تناولت قضايا الحياة المتنوعة. منطلقة من فهم متقدم للكتابة بوصفها إعادة هندسة للوجود الإنساني،
افق الكتابة افق جميل، فالكتابة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي فعلُ بناءٍ للعالم، وصياغةٌ للوعي، وهندسةٌ للمعنى. هكذا أؤسس لهذا الأفق تمهيدًا للحديث عن تجربة الكاتبة هدير الجبوري، ضمن سياق نظري وجمالي.
أولاً: ماهية الكتابة، من التعبير إلى الخلق: الكتابة في معناها العميق ليست نقلًا لما في الداخل، بل، إعادة تشكيل الداخل والخارج معًا. هي انتقال من القول إلى الإنشاء، ومن الوصف إلى الإنتاج. يمكن أن نفهم الكتابة عبر ثلاث طبقات: الكتابة بوصفها تعبيرًا، وتمثيلاً وخلقا: فأما بوصفها التعبير فهي عملية نقل الأفكار والمشاعر. واما كونها تمثيلاً فهي إعادة بناء الواقع داخل اللغة، واما بوصفها خلقا فهي إنتاج واقع جديد داخل النص.
ثانياً: أدوات الكتابة — البنية العميقة للنص: لا يكتب الكاتب بالكلمات فقط، بل يكتب بمجموعة من الأدوات المتداخلة:
1. اللغة: وهي ليست وسيلة حيادية، بل كيان حيّ يحمل ثقافةً ورؤيةً للعالم. هنا تبرز فكرة أن اللغة قد تكون سلطة أو مقاومة.
2. الصورة: الكتابة الجمالية تقوم على تحويل الفكرة إلى صورة. الصورة ليست تزيينًا بل هي آلية إدراك ووعي.
3. الإيقاع: حتى في النثر، هناك موسيقى خفية: تكرار، تنغيم، توتر، وانفراج.
4. السرد: السرد ليس حكاية فقط، بل هو تنظيم للزمن والمعنى، على حد قول بول ريكور.
5. المجاز: المجاز هو قلب الكتابة الإبداعية. وهنا نستحضر جورج لاكوف الذي يرى أن التفكير نفسه قائم على الاستعارة.
ثالثاً: جماليات الكتابة، من البلاغة إلى الرؤية: الجمال في الكتابة لا يُختزل في الزخرفة، بل يتجلى في:
1. الكثافة: أن تقول الكثير بالقليل.
2. الانزياح: كسر المألوف اللغوي لخلق الدهشة.
3. التوتر الدلالي: أن يحمل النص أكثر من معنى في آنٍ واحد.
4. الاقتصاد: حذف الزائد دون الإخلال بالمعنى.
5. الأثر: النص الجميل لا يُقرأ فقط، بل يعاش. وهنا يلتقي هذا مع تصور بول ريكور الذي يرى أن النص يفتح عالماً ممكناً أمام القارئ، لا مجرد معنى مغلق.
رابعاً: الكاتب بوصفه ذاتاً مُشكِّلة: الكاتب ليس ناقلًا، بل: هو منتج للمعنى ومحاور مع اللغة وفاعل حضاري خلاق. فالكتابة هنا تتحول إلى موقف وجودي، لا مجرد مهارة.
بهذا التأسيس، يمكننا أن نقترب من تجربة هدير الجبوري عبر أسئلة عميقة:
* كيف توظف اللغة؟ هل هي شفافة أم مشحونة؟ ما طبيعة الصورة في نصوصها؟ هل تميل إلى السرد أم التكثيف؟ ما نوع العالم الذي تفتحه للقارئ؟ بمعنى آخر: لن نقرأها ككاتبة نصوص، بل بوصفها منتِجة لرؤية.
كتبت هدير: لم اكتب يوما لأملأ مساحة بيضاء ولا لأضع اسمي فوق عمود في صحيفة.. كنت اكتب لان شيئا في داخلي كان يرفض الصمت، لان الكلمات كانت الطريق الوحيد كي اتنفس حين يضيق العالم.. وكي أرتب الفوضى التي تعبر قلبي كل يوم
هذه الشهادة تُعمّق رؤيتها للكتابة وتنقلنا من الكتابة كأفق معرفي إلى الكتابة كضرورة وجودية. نحن هنا أمام نصٍّ صغير، لكنه كثيف دلالياً، ويمكن أن يشكّل حجر الأساس في بناء تصور متكامل عن تجربتها. لنفكك هذا النص ضمن مستويات مترابطة:
أولاً: نفي الكتابة الوظيفية: قولها: لم أكتب يوماً لأملأ مساحة بيضاء ولا لأضع اسمي.. هذا نفي صريح لثلاثة أنماط من الكتابة هي: الكتابة التقنية التي هي ملء فراغ، والكتابة المهنية البحتة: وهي أداء وظيفة. والكتابة الاستعراضية: البحث عن حضور اسمي، أي أنها ترفض تحويل الكتابة إلى: فعل خارجي موجّه للآخرين وتعيدها إلى: فعل داخلي موجّه للذات.
ثانياً: الكتابة رفض للصمت: قولها: " شيء في داخلي كان يرفض الصمت" هذا التعبير يكشف أن الكتابة عندها ليست اختياراً حراً تماماً، بل: استجابة لضرورة داخلية. وهنا نقترب من أفق فريدريك نيتشه، حيث الكتابة ليست ترفاً فكرياً، بل "انفجاراً للحياة حين تضيق". الكتابة هنا: ليست هدوءاً، بل "توتر يبحث عن شكل"
ثالثاً: الكتابة تنفّس وجودي: قولها: " الكلمات كانت الطريق الوحيد كي أتنفس حين يضيق العالم"، هذه من أعمق العبارات في نص، لأنها تحوّل الكتابة إلى: وظيفة حيوية. الكتابة = تنفّس وهذا يعني: غياب الكتابة = اختناق، حضور الكتابة = استعادة التوازن. هذا البعد يلتقي مع تصور بول ريكور الذي يرى أن اللغة ليست أداة فقط، بل، وسيط وجودي لفهم الذات والعالم.
رابعاً: الكتابة كترتيب للفوضى: قولها: “كي أرتب الفوضى التي تعبر قلبي كل يوم”
هنا نصل إلى جوهر العملية الكتابية: الكتابة = تحويل الفوضى إلى شكل، وهذا يتضمن ثلاث حركات: استقبال الفوضى: (مشاعر، أفكار، توتر)، وإعادة تنظيمها لغوياً. وإنتاج معنى قابل للعيش. إذ التعبير اللغوي يساعد على تفكيك التوتر الداخلي وإعادة بنائه.
خامساً: البنية الجمالية للنص: نصها نفسه يحقق ما تقوله: ثنائية الضيق/التنفس، توتر وانفراج، الصمت/الكلام، صراع داخلي
الفوضى/الترتيب، حركة جمالية. أي أن النص: لا يشرح تجربتها فقط، بل يجسّدها لغوياً.
إن الكتابة عند هدير": طريق مفتوح، (رؤية معرفية)، وضرورة داخلية، (رؤية وجودية)،
نحن الآن أمام جملة قصيرة، لكنها حاسمة: الكتابة… كانت موقفًا، هذه العبارة تمثّل ذروة التحول في تصورها للكتابة؛ إذ تنقلنا من الكتابة كحاجة داخلية إلى الكتابة بوصفها تموضع في العالم.
لنقرأها على مستوياتها العميقة:
# أولاً: نفي الكتابة كمهنة — تفكيك الأداتية
قولها: "لم تكن مهنة" هنا لا ترفض الاحتراف بحد ذاته، بل ترفض اختزال الكتابة إلى:
* مصدر رزق فقط
* وظيفة محددة
* أداء قابل للقياس
أي أنها تقاوم ما يمكن تسميته: **تسليع الكتابة**
وهذا قريب من نقد يورغن هابرماس لتحول الفعل التواصلي إلى أداة داخل منطق السوق.
# ثانياً: نفي الحضور العابر — رفض السطحية الزمنية: قولها: "لم تكن حضوراً عابراً في صفحات جريدة"، هذا رفض لفكرة: الكتابة اللحظية، النص الاستهلاكي، الأثر السريع الزوال، هي هنا تبحث عن: كتابة ذات أثر ممتد، لا لحظة عابرة. وهذا يضعها في مقابل “الكتابة الصحفية العابرة” نحو: الكتابة التي تترك أثراً في الوعي.
ثالثاً: الكتابة بوصفها موقف، جوهر الرؤية: هذه هي النقطة المركزية: الكتابة = موقف، لكن ماذا يعني موقف هنا؟
1. موقف معرفي: اختيار زاوية رؤية للعالم، لا حياد فيها.
2. موقف أخلاقي: الانحياز لقيم معينة: ضد الصمت، ضد الفوضى، ضد الاختناق.
3. موقف وجودي: الكتابة طريقة للوجود، لا مجرد وسيلة تعبير.
وهذا يقودنا إلى تعريف مركّب: الكتابة عند هدير الجبوري هي فعل وجودي-معرفي، يتجاوز الوظيفة إلى الالتزام، ويتحول من أداة تعبير إلى موقف يعيد تشكيل الذات والعالم.
رابعاً: دلالة جمالية دقيقة: اللافت أن كلمة “موقف” تحمل طاقة جمالية أيضاً: فيها، ثبات، (على عكس العبور)، وفيها، تحدٍّ، (ضمني للصمت والواقع)، وفيها، هوية (الكاتب يُعرّف نفسه عبرها)، أي أن الكلمة نفسها: تختزل مشروعاً كاملاً، "يتبلور مفهوم الكتابة عند هدير الجبوري بوصفه انتقالاً من الأداتية إلى الموقف، إذ ترفض اختزالها في كونها مهنة أو حضوراً عابراً، لتعيد تأسيسها كفعل التزام معرفي وأخلاقي. فالكتابة، في هذا الإطار، ليست إنتاجاً لغوياً فحسب، بل تموضع واعٍ داخل العالم، تتقاطع فيه الذات مع القيم، ويتحول فيه النص إلى تعبير عن موقف وجودي يناهض الصمت والاختزال."
بهذا، نكون قد استكملنا البنية النظرية لرؤيتها للكتابة تقريباً. الآن نقترب من قلب التجربة… لم نعد أمام رؤية للكتابة فقط، بل أمام عالمها الموضوعي، أي: ماذا تكتب؟ ولماذا تكتب هكذا؟ ولمن تكتب ؟
إن تفكيك مقدمة الكتاب يعكس لنا فلسفتها في الكتابة من خلال ما يأتي :
أولاً: الإنسان بوصفه مركز الكتابة: قولها: "تكتب عن الناس…" هذا ليس اختياراً عادياً، بل إعلان انحياز: الكتابة عندها إنسانية في جوهرها، لكنها لا تكتب “الإنسان المجرد”، بل الإنسان في حالاته المختلفة: حب، خذلان، حرمان، انتظار. أي أنها تكتب: الإنسان حين يكون مكشوفاً.
ثانياً: المرأة: من الموضوع إلى التجربة: قولها: “عن المرأة وهمومها” السؤال هنا ليس: هل تكتب عن المرأة؟ بل: كيف تكتبها؟ من سياق رؤيتها، يمكن استنتاج: ليست المرأة “قضية خارجية”، بل تجربة معاشة من الداخل، أي تجسيد شعوري للحياة اليومية للمرأة
ثالثاً: الحب والخذلان، ثنائية الوجود. اختيارها لهذين الموضوعين معاً ليس عفوياً:
* الحب = انفتاح على الآخر
* الخذلان = انكسار هذا الانفتاح
أي أننا أمام: حركة وجودية: (توجّه - انكسار)، وهذه الثنائية هي من أعمق ما يُكتب عنه، لأنها: تكشف هشاشة الإنسان، وتعرّي العلاقة بالآخر.
رابعاً: الوطن، من الجغرافيا إلى الشعور، قولها: عن الوطن، لكن ضمن سياقها، الوطن ليس خطاباً سياسياً، بل: شعور داخلي مركّب، قد يكون: حنيناً، فقداً، انكساراً، أو حتى سؤالاً. أي أن الوطن يتحول من “مكان” إلى: حالة شعورية.
خامساً: التفاصيل الصغيرة، فلسفة الهامش: هذه من أهم العبارات: “تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد لكنها تصنع أعمارنا، هنا نصل إلى بصمتها الحقيقية: * لا تكتب عن الأحداث الكبرى، بل عن، الجزئيات المنسية. وهذا يضعها ضمن حسّ جمالي قريب من الكتابة اليومية والتأملات الدقيقة والتقاط اللحظة العابرة. وهذا يتقاطع مع روح مارسيل بروست الذي جعل من التفاصيل الصغيرة مدخلاً لفهم الزمن والذاكرة.
سادساً: القلب كذاكرة، التحول المفهومي. قولها: “تعلمت أن القلب هو ذاكرة كبيرة. هذه عبارة شديدة العمق، لأنها تعيد تعريف الذاكرة: ليست الذاكرة عقلية فقط، بل، عاطفية-وجودية. القلب هنا: * يخزّن التجارب، ويعيد تشكيلها، يحفظ ما لا يُقال. وهذا يقودنا إلى تصور قريب من هنري برغسون الذي يرى أن الذاكرة ليست أرشيفاً، بل حياة مستمرة داخلنا.
سابعاً: الاستنتاج الجوهري: يمكننا الآن أن نقول: هدير الجبوري لا تكتب عن “الأحداث”، بل عن “الأثر الذي تتركه الأحداث في الداخل”. أي أن كتابتها: داخلية، شعورية، دقيقة، منحازة للهشاشة الإنسانية.
الكتابة إنصات للهشاشة والتفاصيل الصغيرة، الكتابة استعادة للذاكرة القلبية، وبذلك، تغدو الكتابة عندها فعلاً مركباً، تتداخل فيه الذات مع العالم، ويتحول فيه النص إلى مساحة لإعادة تشكيل المعنى والوجود معاً.
تبدو هدير الجبوري أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ«الكتابة الشاهدة»، أي الكتابة التي لا تنفصل عن التجربة الحية، لكنها في الوقت نفسه لا تسقط في المباشرة أو الخطابية.
فالذات عندها ليست ذاتاً فردية خالصة، بل مرآة لجماعة متعبة، ولأسئلة تتعلق بالهوية والحنين والكرامة والنجاة. ، كشفت القراءة النقدية لنصوص هدير عن ملامح فلسفتها في الكتابة على النحو الآتي:
* تحويل التفاصيل الصغيرة إلى دلالات كبرى.
* حضور المكان بوصفه ذاكرة أخلاقية لا مجرد جغرافيا.
* المزج بين الحس الشعري والبناء السردي التأملي.
* الانحياز للإنسان الهش والمهمش.
* مقاومة القبح عبر اللغة لا عبر الشعارات.
* بناء «أنا» متأملة أكثر من كونها متكلمة بصوت عالٍ.
كما أن نصوصها توحي بأن الكتابة لديها ليست ترفاً جمالياً، بل فعل بقاء، ولهذا تتكرر ثيمات:
الغياب، الانتظار، المدن المتعبة، العلاقات الإنسانية، والبحث عن دفء رمزي وسط عالم قاسٍ.
نصوص هدير تتيح بالفعل الاقتراب من البنية العميقة لكتابتها، لأنها ليست نصوصاً متفرقة بقدر ما هي أجزاء من عالم شعوري وفلسفي واحد. وما يلفت منذ القراءة الأولى أن الكاتبة لا تكتب “موضوعات” بل تكتب “حالات وجودية”، أي أنها تنطلق من تجربة داخلية كثيفة ثم تمنحها شكلاً لغوياً حميماً، لذلك يبدو القارئ وكأنه لا يقرأ نصاً بل يصغي إلى إنسان يفكر بصوت منخفض.
هذه النصوص تتيح بالفعل الاقتراب من البنية العميقة لكتابة هدير الجبوري، لأنها ليست نصوصاً متفرقة بقدر ما هي أجزاء من عالم شعوري وفلسفي واحد..
يمكننا الآن أن نبدأ باستخراج “نظرية الكتابة” لديها عبر عدة محاور كبرى من خلال عدد م النصوص :
أولاً: الإنسان بوصفه لغزاً لا يُكتمل: في نص «من أنت؟» لا يظهر السؤال باعتباره سؤال معرفة عادي، بل سؤالاً وجودياً عميقاً. فالآخر هنا ليس شخصاً واضح الحدود، وإنما كائن مراوغ، متعدد الطبقات، عصي على الإدراك الكامل. النص ينطلق من مشهد سينمائي قديم، لكنه في الحقيقة يستخدم السينما كمدخل فلسفي لفكرة أعمق: هل يمكن حقاً معرفة إنسان ما؟
وهنا تتشكل واحدة من أهم ثيمات كتابتها: الإنسان ليس ما يظهره، بل ما يعجز الآخرون عن الوصول إليه. لذلك تتكرر الأسئلة: * هل يتألم؟ هل يشعر؟ هل يراجع نفسه؟ هل يحمل خيبات شبيهة بخيباتنا؟ هذه ليست أسئلة عاطفية فقط، بل محاولة لفهم “البنية الداخلية” للإنسان.
إنها كتابة تقوم على: القلق المعرفي تجاه الآخر. والرغبة في اختراق الغموض الإنساني. والإيمان بأن البشر جزر نفسية معقدة.
وهذا يمنح نصوصها بعداً وجودياً قريباً من أدب الاعتراف والتأمل النفسي.
ثانياً: الغياب بوصفه كائناً حيّاً: في «أحاديث في الخفاء وغياب لا يرحم» يتحول الغياب من حالة زمنية إلى حضور نفسي دائم. الغياب عندها: * يسمع. يراقب. يرافق. يتنفس داخل الذات. وهنا تكمن قوة الصورة: فالغياب لا يُقدَّم كفراغ، بل كوجود طاغٍ. تقول: هو فيك. يسكنك. هذه العبارة تختصر رؤيتها للعلاقة الإنسانية: الإنسان قد يغيب جسداً لكنه يستمر كإقامة داخلية في الوعي والذاكرة. ومن الناحية الجمالية نلاحظ: كثافة ضمير المخاطب. الإيقاع الهادئ الحزين. الجمل القصيرة التي تشبه الهمس. بناء النص على التكرار الشعوري لا الحدث. إنها لا تكتب قصة، بل تكتب “مناخاً شعورياً”.
ثالثاً: الذاكرة بوصفها وطناً روحياً: في نص رمضان نكتشف وجهاً آخر لكتابتها. هنا تتحول الذاكرة إلى مكان للنجاة النفسية. المثير أنها لا تقدم رمضان كطقس ديني فقط، بل كتجربة وجدانية مركبة: خوف الموت. الطمأنينة. الحنين. العائلة. المدينة. الصوت. الرائحة. وهذا مهم جداً، لأن الكاتبة تعتمد على ما يمكن تسميته: الحواس الوجدانية
فنحن لا نقرأ أفكاراً مجردة، بل: نسمع صوت نجاة الصغيرة، ونصغي إلى تلاوة عبد الباسط عبد الصمد، ونشم رائحة الشاي المهيل، ونرى أزقة بغداد، ونقارنها بـ الموصل. أي أن الذاكرة عندها ليست استرجاعاً ذهنياً، بل إعادة خلق حسّي للعالم.
كما أن النص يكشف شيئاً مهماً: هي تكتب ضد القسوة الحديثة، وضد برودة العالم التقني، ولذلك نجد دفاعاً مستتراً عن: * الدفء، العائلة، البطء، التفاصيل الصغيرة، * الحميمية القديمة.
رابعاً: فلسفة الكتابة عند هدير الجبوري
في نص «حين تكون الكتابة نبضاً لا صدى فارغاً» تظهر رؤيتها النظرية بوضوح. هنا الكتابة ليست: مهنة، استعراضاً، تقنية لغوية. بل هي: انبثاق روح. وهذه العبارة مركزية جداً. فالكتابة عندها تقوم على ثلاثية:
1. الإحساس. 2. الصدق. 3. التجربة الذاتية. لذلك ترفض: الكتابة الباردة، الزخرفة الفارغة، الإنتاج الكمي، الأداء المصطنع.
وترى أن: النص الحقيقي هو النص الذي يحمل أثر صاحبه الوجودي. وهذا يفسر لماذا تبدو نصوصها اعترافية وحميمة دائماً.
خامساً: أخلاقيات الشعور
في نص «جرح المرأة خذلان لا يُرى» لا تدافع الكاتبة عن المرأة بطريقة شعاراتية، بل عبر تحليل نفسي دقيق للأذى العاطفي.
اللافت هنا أنها تبني أخلاقها على: الانتباه للمشاعر، حساسية التفاصيل، أثر الكلمة، العناية بالكرامة الداخلية. فالجرح عندها ليس مادياً بل شعوري. وهذا يكشف أن مشروعها الكتابي كله قائم على: الأخلاق العاطفية، أي أن القيمة العليا في العلاقات ليست السلطة أو المنفعة، بل القدرة على عدم إيذاء الآخر نفسياً.
سادساً: الغفران بوصفه رفعة روحية: في نص الغفران تظهر نزعة صوفية أخلاقية واضحة. الغفران هنا: ليس ضعفاً، وليس تنازلاً، بل تحرراً داخلياً. وتصل إلى فكرة شديدة العمق: “نحن لا نغفر للآخرين فقط، بل نحرر أنفسنا منهم. وهذا يربط كتابتها دائماً بفكرة: النجاة الداخلية، نقاء القلب، خفة الروح.
سابعاً: فرادة الصوت الشخصي: في «من يكتب عنك سواك؟» تبلغ فلسفتها ذروتها. النص كله دفاع عن: أصالة التجربة، فردانية الألم، خصوصية الشعور. إنها تؤمن أن: الإنسان لا يُكتب من الخارج. ولهذا ترفض الإنابة الشعورية: لا أحد يمكنه أن “يشعر” مكان أحد. وهذه رؤية عميقة جداً للكتابة، تجعل النص امتداداً للهوية لا مجرد منتج لغوي.
الآن، يمكننا القول إن مشروع هدير الجبوري يقوم على: مركزية الإحساس، فاللغة عندها تُبنى من الشعور لا من البلاغة فقط،
الكتابة بوصفها اعترافاً: النص مساحة كشف داخلي. مقاومة القسوة: عبر الحنين والدفء والغفران. تقديس التفاصيل الصغيرة: الصوت، الرائحة، الصورة، الذكرى. الإنسان بوصفه كائناً هشاً وغامضاً، يمكن الشعور به، لكن لا يمكن امتلاكه معرفياً بالكامل. الحنين بوصفه بنية وجودية: وليس مجرد ذكرى عابرة. الأخلاق العاطفية، أي حماية مشاعر الإنسان من التشيؤ والبرود. ما بين هذه النصوص يتشكل صوت أنثوي تأملي، حميم، يكتب من الداخل لا من المنصة، ويؤسس لما يمكن تسميته: جمال الصدق الشعوري وهذا يحتاج الى دراسة أخرى..




المصادر
1- بول ريكور – صراع التأويلات، دراسات هيرمينوطيقية – ترجمة د. منذر العياشي ومراجعة د. جورج زيناتي . دار الكتاب الجديد المتحدة- بيروت - ط/1- 2005
2- بول ريكور- من النص الى الفعل - ، أبحاث التأويل ، ترجمة محمد برادة وحسان بورقيبة-عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية-ج.م.ع – الهرم - ط/1- 2001
3- جورج لايكوف ومارك جونسون – الاستعارات التي نحيا بها – ت, عبدالمجيد جحفة ، دار توبقال للنشر – المغرب -الدار البيضاء – ط/2- 2009
4- عبد الله محمد الغذّامي -المرأة واللغة -المركز الثقافي العربي – المغرب – الدار البيضاء ط/3 – 2006
5- يورغن هبرماس - نظرية الفعل التواصلي – ترجمة فتحي المسكيني – المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات- قطر - ط/1



#جاسم_الفارس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المكتبة حضارة واخلاق
- نحو حوارات علمية -حوار مع الشيخ محمد الشماع.
- الاقتصاد الإسلامي: حينما تلتقي القيم بالمعرفة في بناء العدال ...
- تجليات العشق والجمال
- قراءة في كتاب (شرخ في اللغة)
- تجليات الجمال في كتاب طارق الشبلي ( أوشام)
- فلسفة الحداثة عند الإمام أبي حامد الغزالي (مشروع حضاري)
- شعرية الظبية وغزالات الحب في نصوص نجمان ياسين الشعرية
- أحفاد معطف غوغول بين اللون والفلسفة قراءة في رواية (احفاد مع ...
- رائحة الشاي الساخنة.. قراءة في نصوص رحمة يوسف
- يسرى الحسيني ..سيرة شعرية
- قراءة اولية في فكر علي محمد اليوسف الفلسفي
- الحرية والامل في نصوص فلونا عبد الوهاب ( عمى مؤقت)
- الامل والحرية في (عمى مؤقت) للأديبة فلونا عبد الوهاب.
- تحولات ( فالح الخضير) في ازمنة الحرب. قراءة في رواية (السير ...
- قراءة في ادب محمد سامي عبد الكريم -رؤية في الخصائص العامة
- التكامل بين الثقافة والاقتصاد ضرورة حضارية
- الإنسان والتاريخ في (حارس المنارة). رواية الأديب فخري أمين
- عن التنوير والتنويرين
- وقفةعلى عتبات الظما للشاعر ماجد الحسيني


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم الفارس - أفق الكتابة ووهج الروح/ قراءة في كتاب هدير الجبوري، (بعض ماقلته للزمان)