محمود الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 02:51
المحور:
الادب والفن
يا ولاد : ..
تبدأ الحالة الشعورية بالنداء الظاهر وكأنه للقريب , إلا أن النداء يستدعي إستثارة عقل ووجدان البعيد , والحالة الإنسانية الطاغية علي رسالة النص وكأنها رسالة تحذير واستغاثة مما هو قادم , ويلاحظ في النداء تضمينه لما هو بمثابة نكرة , فالمنادي هم الأولاد , وهم غير معرفين . والنكرة في النداء لها دور وظيفي في ترك المعنى عاماً وغير محدد، بحيث لا يشير إلى شيء بعينه بل إلى أي فرد من جنسه . فالنداء هنا ليس للأولاد فقط , بل هو مضمر في كل مهموم بقضايا الإنسان والوطن , باحثاً عن دور لتحرر الإنسان من ربقة الإحساس بالعجز والقصور والإتكالية حال مواجهة الحياة وتحدياتها التي صارت في أحيان كثيرة تقترب من أحوال مجتمعات الطبقة الأعلي والطبقات الأدني , ممن هم في المشهدية النصية من أبطال العرض وفريق الإخراج , وممن صارت أدوارهم كومبارس أو ممن هم وراء الكواليس , وفي حقيقة الأمر والنهي ومن يقف خلف حدود النص والفص هم ممن سكنوا وراء الكواليس , فأدوارهم هي العظمي في المسارح أو الأفلام أو التلفزيون أو مواقع التصوير. ويقوموا بتجهيز الديكور واختيار الملابس والأدوات والإضاءة والصوت والدعائم والتجهيزات والمؤثرات الخاصة لإنتاج عمل فني يخرج للمشاهدين فيؤثر فيهم حسب الدور المنوط بالعمل الإخراجي ككل ..
والنص يعلن عن العمل الرابط بينه وبين الأبطال وفريق الإخراج في حالة من الرفض أوصلته لقرار صدر في رسالة مشفرة ملغزة مؤداها أوصله للصياح أو الصراخ أو الإستغاثة أو السخرية والإستهزاء والرفض , منادياً :
يا وْلاد
انا من دلوقتي خلاص قرّرت
ألِمّ هدومي عن اللي بيحصل
في الكواليس
أبطال العرض
وفريق الإخراج
كل اللي ما بيني وبينهم
أكياس فوَّار للهضم
ودُورق ميّه
وشهادة صلاحيه بتجدّد
لحين إشعار آخر
وملاحظات بالكوم ..
أبلعها
وكل ما يفْضَى الدروق
أملاه تاني ..
... ... ...
وفي حالات متكررة تكاد تكون رتيبة مملة , إلا أنه علي قدر عال من التحدي والمجابهة بطريقة السخرية والإستهزاء بالواقع ومن الواقع , يستخدم السخرية كأداة رائعة ملهمة فيخرج النص بصورة شبه حداثية يجعلها كذلك حاملة ألغام السخرية والإستهزاء ويستخدمها الشاعر الناقد , محمد علي عزب , الذي يسبق نقده شعره , ويسبق شعره نقده في حالات يجعلها عصية علي النقد , فيستخدم السخرية هي أداة فنية متعددة الأوجه، لنقل رسائل وترميزات خفية، تشمل النقد اللاذع أحياناً، والفكاهة أحياناً أخري، بل والضحك بصوت مرتفع ساخر أو ضحك مكتوم برمزية الخجل والحياء من المجابهة المباشرة , بل ويستخدم السخرية كأداة يصنع لها دوراً مهماً، لإضافة العمق أو الربكة , أو هز الثوابت لإحداث التغيير المنشود عبر الأدب والفن والتعبير عن قضايا المجتمع والواقع المأزوم بقضاياه وإشكالياته الغير متناهية .
فهاهو يسخر تارة أخري :
وادخل ع الفيسبوك
القي منشور . دايما بييجي لي
صوره وتعليق
(قرود احتلت عربيه
ازاي هتسوق؟ )
انزل ضحك
والحلم بيلعب دور "بارمان"
يعمل من ضِلِّي سفنجه
يمسح بيها الطرابيزه
ويقوم يعصرها فْ كاسي
وكأنه يهرب للماضي , ويفتش في ثناياه وحشاياه , وهو سكران بنشوته فيشاهد المنشور والصور للقرود واحتلالها لسيارة في مفارقة عبثية يحملها المنشور برسالة رمزية تتشابه مع من تحملوا أدوار في الحياة ليست تشبههم , وليست هذه الأدوار جديرة بهم , فيسخر ويسخر ويصل لحالة الحلم / بارمان / سفنجة / يمسح بيها الترابيزة / يعصرها في كاسي / أشرب وانزل ضحك ..
والإسفنجة التي يقوم البارمان بواسطتها يقوم بمسح البار من بقايا الخمور المتساقطة علي الرخامة حتي تمتليء ثناياها , ثم يقوم بعصرها في أحد الكاسات , ويقوم ببيعها لمن هم وصلوا لمرحلة عالية من السُكر تجعلهم لايميزون بين الخمور الرديئة والخمور الجيدة , والأهم في المشهدية الخاصة بالنص التي وجدت لتؤدي دورها وكأنها جدارية مشاهدة ومعلنة بأداة النداء في أول النص , فيعلنها :
أشرب
وانزل ضحك
واقول:
دا المسرح وشاشات العرض
وشرايط أفلام مركونه
في الأرشيف
تشهد وتقول: إني زمان
ياما لعبت
لعب أجد من الجَدّ
... ... ...
صورة مدهشة , غاية في الإدهاش , والهروب من المألوف والمعتاد من الصور والمفردات , وعلي وجه خاص في شعر العامية ," لعب أجد من الجد " , فكيف تسطع مع هذه الجملة التي صارت عنوان أحد دواوين شعر محمد علي عزب , نعم , بالفعل هي عنوان ديوان , فهاهو حال ممارسة اللعب , يتحول هذا اللعب إلي الإهتمام والرعاية والجدية , وكأنه يمارس الثنائية الضدية في الحياة عبر الجد واللعب , فكلاهما لديه سواء بسواء , الجد قد يكون لعب , واللعب قد يصير أمر جدي وهام , ويصنع من هذه الثنائيات تشكيلات جمالية بديعة , فما زالت اللغة لدي محمد علي عزب , بوصفه شاعراً ناقداً , وناقداً شاعراً , ليست بمثابة صيغ ثابتة تتسم بالجمود والصلابة , ولكنها توظيف أدبي وفني بديع تصل بمرونة وسلاسة وجزالة مفرداتها اللغوية إلي وعي وإحساس المتلقي فينفعل بها وتنفعل معه ليخلق حالة من المزج بين المفردات وبين المتلقي , عبر الوعي بإختيار المفردات للتّعبير عن إحتياج الحالة اللغوية والأدبية بما يتسرب إلي وعي وإحساس المتلقي فيحدث أثراً في الروح أو النفس أو العقل . والثّنائيات الضّدّية تمتاز بجمالية رائعة حال رسمها للصّورة الشّعرية بألوان الخيال أو ألوان الواقع , سواء في المأساة أو الملهاة , في اللعب أو الجد حسب توظيفاته لمفردات اللغة , لدرجة أنه يمنح المفردات معان غير مألوفة أو معتادة , وتمتاز بالفرادة , وهو ليس لديه مايخسره , أو يخشي منه أو عليه في الحياة , فكيف تكون لديه الخشية أو الخوف حال ممارسته للشعر , فهو لايأبه حين يَخرِق القاعدة اللغوية , فحسه الأدبي الواع يجعله يضيف إلى اللّغة ولا يحذف منها , إلا أن نقمة التماثل والتشابه والتكرار تجعل النص في حالة رتابة وملل , وكأنه يذهب هو والمتلقي إلي مرافيء النسيان والتجاهل ووهدة السكون , فلا تماثل إل بحضرة إختلاف , ولا إختلاف إلي بحضور التضاد , ولا تضاد إلا عبر الثنائيات الضدية التي ظهرت في مواضع كثيرة متسمة بالحركة والحياة والصوت واللون والضوء والتاريخ وشخوصه عبر مفردات اللّغة الشعرية وصورها الحية !!
المشهدية معلنة , العقل حاضر , والجمهور متواجد , والعرض مستمر لم ينته بعد , والشاعر هنا له دور وظيفي ليس معلن , بل خفي , فهاهو في مواجهة الجمهور , ليس بواعظ , أو مرشد , أو خطيب , ولم يعهد إليهم بشيء , ولم يرسم بمخيالهم أحلام أو أمنيات أو خيالات , هو يحدث الجمهور , وكأنه يحدث نفسه , ويتحدي نفسه ليقدر علي ممارسة تحدي عالمه , يمتلك قدرة إقناع للجمهور , وبالفعل والقول رسخ قناعاته لدي الجمهور , الذي صار في حالة إقتناع بأن " شجيع السيما /منظر ع الفاضي " , وقد تكون البطولة لإنسان " يطلع م الهامش واحد ماشي يزك " , مقارناً بين عبقريته وقدرته علي أفعال التحدي للواقع والحياة والشخوص , وكأنه يقف علي خشبة مسرح منفرداً يؤدي دوره بجدارة فنان المونودراما , ويستخدم ويوظف الأشخاص والأبطال , ويستحضرهم من التاريخ ويجعل الجمهور يراهم أناس عاديين , وأن مالدي الناس من عجز أو قصور , هو مالدي أبطال التاريخ وعظماؤه , فهل الشاعر هنا يخاطب الجمهور ويرسل رسائله لهم , أم هي رسائل للذات والنفس والعقل والروح بغرض مناجاة الذات وحدها ؟!
الجمهور حاضر في المشهدية , فاغرا ً فاهه , صامتاً , وكأن علي رأسه الطير , فالشاعر هنا بامتلاكه لأدواته وسرده الشعري وإلقاء كلماته والحركة الحركة والنبرة الصوتية، جعلت منه هو البطل , وليست البطولة ساكنة في ثنايا التاريخ وشخوصه , فهؤلاء الأبطال الذين نستحضرهم من التاريخ لديهم نفس عجزنا وقصورنا , مصابون بنفس الأمراض الشخصية والعصبية والنفسية التي نصاب بها في مسارات حياتنا المحشودة بالهزائم والإنتصارات والإنكسارات , بأمراضنا وانفصامنا , ومازال الكثير والكثير يبحثوا ويلهثوا بحثاً عن رسول أو نبي أو يسوع المخلص، أو بحثاً عن من يستمع إلينا ونمارس فضيلة البوح والفضفضة , وأحياناً نعود القهقري لوحدتنا وانعزالنا وتقوقعنا حوال الذات .
والشاعر هنا يمارس فضيلة التحدي , ولا يعلن أنه بطل , فبطولته في الإعتراف بالقصور والعجز وإرادة التحدي :
أقنعت الجمهور إنه يصدّق
إن شجيع السيما
منظر ع الفاضي
وإن ساعات
يطلع م الهامش واحد ماشي يزك
وصوابع رجله الأقصر م التانيه
اللي يادوب بتلطّ الأرض
أجدع من أجدع خُفّ جمل
ماشي في صحرا
بيهد سواتر رمليه
متداري وراها الخصم
وف وقت الهجمات السرية
بتكون دايما
أحرف من مشرط نشال
بيشرح قشر الموز
العايم على وش الميه
من غير ما يهزه
طب ما "صلاح الدين الايوبي"
والقائد "تيمور لَنْك"
و"أبو الفتح محمد" سلطان مصر
ابن "المنصور قلاوون"
كانوا بيمشوا يزكُّوا
بس التواريخ
بتحبّ المكياج زيّ عينيها
... ... ...
الشاعر في هذا النص لها رمزيات يمتلكها ويوظفها بداية من العنوان "لقطات مايقدرش المونتاج يحذفها " , وهو من اختار هذا العنوان برمزيته المذهلة , إلا أن الشاعر يمارس المونتاج واستخدمه بحرفية وجعله أداة فنية رائعة , فهو الذي اختار الشخوص عبر جمهوره الموجه خطابه له , وهو الذي رتب مشاهد القصيدة واستعمل القص والتركيب للقطات التي صورها بعدسة خياله أحياناً , وعدسة واقعه في بعض الأحيان التي استوجبت الحضور , عبر مجموعة من الصور المركبة لتكوين نص فني متماسك، فعمل علي تحديد و توقيت الصور الملتقطة بكاميرا الخيال وكاميرا الواقع حسب شرطية الظرف المكاني والزماني ، وأضاف المؤثرات الصوتية والبصرية والألوان والإضاءة، ليصل بالمونتاج صناعته إلي مشهدية تحوز قبول المتلقي أو إزعاجه إلا أنه بإختياره اللقطات المصورة المناسبة , قص اللقطات وإعاد ترتيبها في الخط الزمني لعرضها بشكل يستثير المتلقي , ولم يعمل علي تسلسل زمني رتيب في السرد , بل جعل السرد هو البطل عبر إعماله لجذب انتباه الجمهور الذي يخاطبه وعمل علي جذب انتباهه وإشغال عواطفه من خلال تنويع اللقطات الفنية والزوايا المتعددة , متنقلاً من خطابه للجمهور إلي خطاب فرد من الجمهور , وهو لم يعين أو يحدد هذا الفرد , ليصير هذا الفرد , وكأنه كل إنسان مهموم بالهم الإنساني , وقضاياه وأزماته , والبادئة , " إنت ياسيدي / ياللي بتسال " , في رمزية تشي بالتقليل من شأن من يحدثه , أو بالعطف علي عقله ورؤيته وتصوره للإنسان والحياة والكون والطبيعة , وكأنه يخاطبه من عل , بالرغم من أنه هو ذاته يعمل خلف الكواليس , و من يحدثه ويوجه له الخطاب من الجمهور :
إنت يا سيدي
ياللي بتسال
ايه يجبرني على الحال دا؟
لو سبت الخدمه بكيفي
هاطلع شُلِّيط مُلِّيط
وكأن الحياة بمثابة خدمة مستمرة , من يرحل منها , أو يعتزل عنها بإرادته المنفرده , يكون مصيره " شليط مليط "
لكن لو مشوني
هابقى ممثل متقاعد
أمشي فْ وسط الشارع
بجاكته قديمه ومليانه رُقَع
وساعتها ما حدش هيقول: شحات
هيقولوا ممثل متقاعد
وهدومه اللي لابسها الآن
هِيّ هدوم "أنور وجدي"
"وحيد ا ألفونسو" في فيلم "دهب"
في نهاية الخدمه أخَدْها مكافأه
وكأن الجائزة في نهاية الخدمة مايستر عورته , وهي المكافأة , وكأنها الكفن , الذي آخر مايغطوا به جسده حال موارته بالتراب , وهذه سردية مؤلمة ومزعجة , وقد ترتقي إلي شبه الحقيقة التي لايستطيع أي مونتاج أن يحزفها , أو يلغيها من أصل المشهدية الحياتية , ليعود مرة أخري واضعاً فرضية قد تحدث وقدلاتحدث :
ولو خلُّوني معاهم
هاستغفلهم
واعمل تمثيل داخل تمثيل
أرسم ع الهوا علامات استفهام
وانا بالعب دور
بحَّار على مركب من مراكبهم
اغمز للجمهور من تحت لتحت
واقول وانا باتْتِرْيَق..
خد بالك منك له
إحنا فْ بحر
مش فاتريته إزاز أو حوض
إحنا البحّاره قروش البحر
مش أسماك الزينه
هاقول
والحدق اللي هيفهم
وإن ما فهمش
يبقى عملنا اللي عليا
وفي نهايات هذه السردية الشعرية , لايستطيع المونتاج , بل يعجز عن أن يمنعني عن ممارسة دوري في الحياة , حتي وإن ضلت كل السيل في الوصول إليَ , أو ضللت في السير خلالها , فما زلت أبحث عن أدواري الرائعة في الحياة سواء كنت خلف الكواليس , أو كنت مؤدياً لدور الكومبارس , لأوظف كل قدراتي وإمكانياتي في التحدي لكل المعوقات , حتي وإن ظللت:
" واحد ماشي يزك / وصوابع رجله الأقصر م التانيه / اللي يادوب بتلطّ الأرض / أجدع من أجدع خُفّ جمل ". وسأمارس فضيلة السخرية والإستهزاء من كل معوقات الحياة , سواء كانت شخوص أو أشياء "
هاستغفلهم
واعمل تمثيل داخل تمثيل
أرسم ع الهوا علامات استفهام
وانا بالعب دور
بحَّار على مركب من مراكبهم
اغمز للجمهور من تحت لتحت
واقول وانا باتْتِرْيَق..
خد بالك منك له
إحنا فْ بحر
مش فاتريته إزاز أو حوض
إحنا البحّاره قروش البحر
مش أسماك الزينه
هاقول
والحدق اللي هيفهم
وإن ما فهمش
يبقى عملنا اللي عليا
وجميع هذا اللقطات لم يستطع المونتاج أن يحذفها , لتصير الصورة كاملة والمشهدية تحمل رموزها وتشي بدلالاتها علي إرادة التحدي علي تغيير الواقع , وليس تجميله بإضافة أو حذف بعض المشاهد أو اللقطات , فما يستوجب الحذف , يحذف , أما ما لايستوجب حذفه , ويحذف فهذا يمثل جريمة في حق الإنسان والحياة والطبيعة والكون !!
... ... ...
• محمود الزهيري
في قراءة لقصيدة "لقطات ما قدرش المونتاج يحذفها"
* قصيدة من الديوان الثامن للشاعر والناقد محمد علي عزب
"بورتريهات لملامحي اللي ما تعرفوهاش" ـ قيد الكتابة
#محمود_الزهيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟