محمود الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 15:04
المحور:
الادب والفن
ماكان لي أن اهرب مذعوراً من هذا المكان أبداً , لقد كنت أكرهه , بل وبصدق , أخاف منه , ويقشعر بدني حينما يتردد إسمه علي مسامعي , ومجرد رؤية مبناه في فيلم أو مسلسل , تنتابني حالات من الربكة , فما الذي حدث لي !؟ .. وما الذي أوصلني لهذا المكان ؟!
لقد كنت أسير علي خطوط الحياة بإستقامة , وكأني قطار يستحيل عليه الخروج عن قضبانه , كان الكثير من الناس يرونني شخص انطوائي إنعزالي , بالفعل كنت كذلك , ولكن هذا لاينفي محاولاتي لمساعدة الناس حسبما يتيسر لي من مال أو مجهود أو فائض وقت , وحتي هذا الصديق الذي أراه يقترب مني الأن , نعم هو , ذلك الذي كان يشغل منصباً مرموقاً قبل وصوله إلي هذا المكان , أراه دائم الشكوي والبكاء كطفل فقد أبويه للتو , وهو الذي تزحف خطواته بإتجاه العقد السابع ..
مرحباً مرحباً ..
معذرة لقد تأخرت بعض الوقت ..
ولماذا الإعتذار , والوقت صار لدينا , وكأنه صفر, ولايتعداه لزمن آخر , ولايذهب بنا إلا بإتجاه الماضي فقط , والحاضر متوقف عن السير , والمستقبل لايهمنا بشيء , فلا تعتذر , وكن بخير , وكن علي مايرام , واستمتع بوقتك الصفري , ودع عنك الحنين للماضي , فهذا مؤلم , وأحياناً مفجع , ويحيلك لطفل شكاء بكاء , وهما لايجديان أبداً ..
.. كلامك صحيح , ولكن وددت أن اخبرك بأن إبنتي أتت من مكان بعيد , تبعده الجغرافيا عنا آلاف الأميال , وهي في زيارة سنوية , ولها ثلاثة أيام وتعاود أدراجها لوطنها الجديد , تاركة إياي , بعد أن جلست معي مايقترب من ساعة , وقبلتني ورحلت , ودموعي لم تجف حتي الأن , وشقيقاها , لم يسأل احدهما عني لسنوات طالت كثيراً , وها أنا ذا , أغالب الدموع والحسرة والألم ..
معذرة ! .. معذرة مرة أخري !!, فحال رحيل إبنتي , ذهبت خيالاتي للماضي أيام كانوا أطفالاً صغاراً , ويجمعنا مكان واحد , وطعام واحد , وكانوا حولي أنا وأمهم , كأنهم عصافير صغار , دائمي الحركة والبهجة واصواتهم كموسيقي كونية جميلة , بل وشجاراتهم وعراكهم كان جميل ومبهج , فسرعان ماينسوا الشجار , ويعودوا كما كانوا , ولا أدري لماذا هذا الحنين إلي الماضي , بالفعل لا أدري .. فأنا هنا في هذا المكان , بعيد عن الطمع والجشع والحقد والحسد , وليس لي تطلعات سوي السكينة وهدوء النفس وراحة البال . فلترحل إبنتي متي أرادت , فلها إهتماماتها , ولها زوجها وأولادها , نعم نعم .. أولادها الذين لم تراهم عيني , وكنت أتمني أن أراهم , وألعب معهم , وأحدثهم ويحدثوني , وأودعهم حال رحيلهم , ويودعونني , ولكن هذه إرادة إبنتي , ولا راد لإرادتها , وقد تكون إرادة زوجها , ولكن لماذا أشغل نفسي بقرارات الغير , فلأترك هذه الأمور , وأهتم بأموري فقط , فالحياة لم تعد تتسع لحشو زكريات الماضي , الذي قد أراه جميل , وغيري قد يراه غير ذلك .. لن أقول قبيحاً أبداً , فما هو قبيح لدي , قد يكون جميلاً مبهجاً لغيري , ولكن السؤال الحائر داخل أروقة عقلي ودهاليز نفسي , وروحي مازالت متوترة بهذا السؤال , وليس هذا السؤال وحده :
فما الذي أتي بي إلي هنا ؟!
إنها مصحة للأمرض النفسية والعقلية , وهكذا أسموها , ولكنني أري بل أكاد أؤمن , بأن إضافة مفردة العقلية , مفردة مجرمة في حق كل إنسان يرتاد هذا المكان قسراً أو طواعية , وأنا اخترته طواعية لاقسراً , فلماذا تنتابني تلك التساؤلات , ولماذا أري أن اهرب منه تارة , أو أتركه بإرادتي تارة أخري ؟! , وهل يمكن أن أعيب علي الهروب أو الرحيل مثل الكلب لاكي والكلب بلبل , بعد أن تركا بيت جدي لأمي , وهرع معها إلي بيتنا الجديد , ولكن ما الذي جعلني أتذكر هذين الكلبين الأن !؟ , وكأنني أريد أن أقر بأن كل الكلاب أوفياء , أو هكذا أريد أن أعلن علي الدوام , فحبي للكلاب ليس محل شك , فرحلة حياتي منذ الوعي بدأت مع كلب وفي وكأنه يمتلك عقل إنسان طيب واع مستنير , فهل لأنه من السلالات البلدية التي عرفتنا وعرفناها وعرفت طباعنا ?!
الجميل أن هذا الكلب كان برفقة كلب آخر يناوبه الوفاء من سلالة أجنبية هجينة , استقدمه جدي لأمي من إحدي البلدان التي كان يجول بها لكسب قوت أسرته مغترباً من بلد لأخري , وكانت علاقة حميمية بين الكلب الثاني , والذي تصاحب مع الكلب البلدي , وصارت بينهما ألفة غريبة ونادرة , وكأنهما شقيقان تنعما في ترف حياة محشودة بالحب والسعادة , بالرغم من أن الكلب البلدي حدثت له إعاقة بسبب دهس سيارة علي قدمه اليسري , وصار مثل جدي المصاب بعرج في قدمه اليسري أيضاً, لدرجة تتشابه معهما الحركة والإنتقال , إلا أن جدي كان يتعكز علي عصاه , ولايفارقها , وكان" لاكي" هو عكاز الكلب البلدي "بلبل " علي الدوام . لدرجة أنه كان يأتيه بالطعام حتي مكان قبوعه أعلي تلة الحطب التي كانت بمثابة عازل بين منزلنا , وبين الحقول في الجهة البحرية التي كانت مطلة علي تلك الحقول بزراعاتها المتنوعة طوال فصول العام منذ بداية شهر توت , وحتي نهاية شهرالنسيء , والذي يأتي بعد شهر مسري , فقد كان شهر توت , يأتي مع بداية العام الدراسي , وكان لاكي وبلبل , يصحباني حتي باب الفصل المدرسي , فقد كنت أري منزلنا , وأنا داخل فصول المدرسة منذ العام الأول وحتي العام السادس في نهاية المرحلة الإبتدائية , وكان المدرسين , ينتابهم الخوف من مظهر لاكي , الذي كنت أشير إليه بالذهاب للمنزل , فيوميء برأسه للأرض , ويتحرك ببطء شديد , ويلاحقه بلبل , ومن ثم يسرعان إلي المنزل , وينتظراني أمام باب المنزل , لدرجة أنهما حفظا مواعيد جرس انتهاء الحصص وجرس الفسحة وبالطبع جرس انتهاء اليوم الدراسي , فيهرعان للقائي والعودة بي إلي المنزل بفرح شديد ويومئان برأسيهما بحركات متتالية لأعلي ولأسفل وبحركات شبه دائرية , وتحريك ذيلهما برمزية الفرحة وسعادة اللقاء والعودة , ولن أنسي موقف أمي تجاه الكلب بلبل , حال دهسه تحت عجلة سيارة مسرعة علي قدمه اليسري ’ فهاهي التي أخذته لطبيب الوحدة البيطرية بقريتنا , والتي لاتبعد سوي عدة عشرات من الأمتار عن منزلنا , للكشف عليه وإجراء الكشف الطبي وإجراء العلاج اللازم له , ووضع جبيرة علي قدمه اليسري , ولم يفارقنا الكلب لاكي أثناء تلك العيادة , وذهب معنا معلناً التضامن مع رفيقه الكلب بلبل , وشاهراً راية الولاء لمشاعرنا تجاه إصابته , والغريب في الأمر أن الكثير من الناس كانوا يتندرون ويسخرون من فعل أمي مع الكلب بلبل , وكان رد فعلها معهم أعلي من إنسانية الإنسان , وكأنها تضع وسام علي عقلها, الذي رفع من مشاعرها واحاسيسها تجاه الكلب بلبل , ومراعاة لمشاعر صديقه الكلب لاكي .
الغريب في الأمر , والمؤسف للعقل والإحساس الإنساني , أن طبيب الوحدة البيطرية , بدا ساخراً مستهزءأً من حضور أمي بالكلب بلبل لعلاجه , وتجبير قدمه المكسورة , وكأنه يريد أن يقول : روحي عالجي البني آدمين في الأول , هو احنا عالجنا البني آدمين , علشان نعالج الكلاب , دا حتي الفلاحين , موش قادرين يعالجوا حيوانتهم وماشيتهم , من البقر والجاموس والحمير والغنم والمعيز !!
إلا أن أمي كانت لها نظرات تحمل إرادة التحدي , وفي ذات الوقت السخرية من طبيب الوحدة , الذي تفهم نظراتها , وشرع في علاج الكلب بلبل , وقام بربط الجبيرة علي قدمه , وحملته بدلاً عن أمي لمنزلنا , وصنعت له كوخ بين الحطب , ليحتمي به من تغيرات طقس الليل والنهار , وكنت أحضر له الطعام والماء أمام الكوخ الصغير , وأداعبه وألعب له في شعر رأسه وبين عينيه , وأتلمس شعر ظهره بحركات يدي الصغيرة فيوميء برأسه ويصدر أصوات تنبيء عن سعادته وارتياحه , وكأنني أستشعر لاكي , وهو يشاهدني , فأرتد لأصنع تلك الصنائع الجميلة معه , فيجلس مسرعاً علي الأرض , ويضع رأسه في مواجهة رأس بلبل , وكأنهم يتناجيان بالعزاء علي الإصابة , ويتمني لاكي له الشفاء العاجل , ويطمئنه علي صحته , ويعده بأنه سيعود سريعاً للعب معه وتبادل حراسة المنزل والدجاج والبط والأوز بمنزلنا ..
وهذا لاكي مرة أخري , يأتيني , وكأنه يخبرني عن إحدي الدجاجات التي كانت تضع بيضها في مكان غير معلوم لأمي , ولي شخصياً , فأنا وهي كنا من نجمع بيض الدجاج والبط والأوز , وأساعدها في تربية هذه الطيور , بل وفي إحضار الطعام لها من الحقول المجاورة , وأكثرها نبات الرجلة , أو هكذا تعرفنا علي تسميته بهذا الإسم , فكنت أقوم بتجميع أكبر قدر من هذا النبات , واقوم بمساواة جذوره وتقطيعها لأجزاء صغيرة ليسهل علي الطيور التغذي بها , وحال جمعي لنبات الرجلة , إذ يحضر لاكي , ويحوم حولي متمسحاً بي , وكأنني ولي وهو يطوف حول مقامه طالباً الرضا , ولكنه كان يعطيني الأمر بصيغة الحب لأتبعه إلي حيث تضع إحدي الدجاجات العديد من البيض في مكان غير معروف , وألتقطه , وأعود به مع نبات الرجلة لأمي , فتسر أمي أيما سرور , وتسعد أيما سعادة , وهذه أمي , التي اجتهدت منذ صرت قادراً علي حمل الأشياء وقادر علي تحمل المسئولية علي قدر العمر الطفولي , ولكن : ما الذي جعلني استدعي تلك الزكريات والأحداث , وأنا في هذا المكان ؟!..
هل بسبب رحيل ابنتي عني وتركي وحيداً في هذه المصحة النفسية ؟.. قد يكون ذلك !!
ولكن إبنتي هذه تستحق الرأفة والشفقة , فقد لاحظت عليها شحوب الوجه , وارتعاش اليدين , وزوغان العينين اللتين صارتا بائستين , فهل ذلك يعود لعدم استقرار حياتها الأسرية مع زوجها , واضطراب حياتها بين الأولاد والزوج والعمل ؟ , قد يكون .. ياه .. ماهذه الأفكار التي صارت تطرح نفسها علي عقلي ؟! , فهل أنا مجنون حقاً , وهل نفسيتي مضطربة وعقلي خائر واهن , وصرت أبحث في هذه الأمور , والمكان الذي استحقه هو ذا المكان !!؟
.. .. ..
أوشكت الشمس علي المغيب , وأراد النهار أن يرحل برتابة شديدة مؤلمة , وكأنه قد أمضي وقتاً في العمل وبذل المجهود , لدرجة جعلت قواه تضعف , وصار يتثائب , وكأنه يسعي للخلود للنوم , وكنت أتشابه مع حالة النهار , في الكثير من التفاصيل , ليأتي الليل , ولكن التساؤلات مازالت حائرة مرتبكة , واحياناً مملة وغاية في الملل والرتابة , فالليل صار يتشابه مع النهار إلا في بعض من حالات العزلة الفردية الإرادية أحياناً , واللا إرادية أحياناً أخري , وحال غياب الشمس , بدأت بعض الحجرات في المكان تضيء مصابيحها وتطفئها, ليس في توقيت واحد , ولكن في مواقيت متتابعة ومختلفة , مما جعلني وكأنني صرت أتتبع هذه الحجرات , واتخيل من فيها , وماذا يصنعون و يفعلون , وما الذي يشغلهم أو يسعدهم أو يؤرقهم ويضج مضاجعهم , وكيف كانت حياتهم في الماضي , ومشاكلهم , وأزماتهم النفسية والعقلية والفكرية , ومدي ثقافتهم ووعيهم بالحياة والطبيعة والكون والناس والأشياء والموجودات , وهل كانت الماورائيات والغيبيات تشغلهم , ويفكرون فيها , وما تخفيه عن حاضرهم ووعيهم , وهل كانت الحياة والموت لهما تأثير في وعيهم وممارساتهم اليومية , وبالطبع ماذا كان يحتويه مخيالهم عن الجنة والنار والثواب والعقاب , يااه .. وما الذي إذاً , دفع بهم إلي هذا المكان دفعاً , جعلهم يتركوا حياة الناس إلي التعايش مع أناس آخرين , لايعرفونهم , ولم يألفونهم في حياة سابقة , فهل هذا الدفع لهذا المكان والتعايش مع من فيه , قد يكون بحثاً عن التشابه في أمور تكاد تكون هي مؤشر علي الحد الأدني لوحدة المصير النهائي في الحياة , عبر مكان يرونه بالملاذ الأخير !؟
هذه التساؤلات أخذت تشغلني لوقت بسيط , وقد يظنه البعض بأنه وقتاً طويلاً مديداً , ولكن في البدء وفي المنتهي , صرت أسأل نفسي ما الذي حدا بك إلي هذه التساؤلات , ولماذا لاتكون نفسك وحدك , وعقلك وحدك , وحياتك أنت وحدها !!؟ , إلا أنني سمعت صوت لاكي وصديقه بلبل , وكأنهما يوقظاني من نوم عميق , ويقولا لي , حياتك ليست لك وحدك , ومازلنا معك !!
#محمود_الزهيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟