أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الزهيري - حوار مرآة ..!!















المزيد.....

حوار مرآة ..!!


محمود الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


بدأ الشعر الأبيض يتسلل إلي رأسي رويداً رويداً , أتلمس وجهي في المرآة , وأخلل أصابعي بين خصلات شعري , وأجذبه بيدي بقوة محشودة بالرفض , وتنتابني حالات صراخ مفزعة , أجتهد دوماً في كتمها لترتد بداخلي مكتومة , ليتردد صداها العنيف بين أضلعي , فهل أنا مريضة نفسياً , ويستوجب الأمر ذهابي إلي عيادة الطب النفسي , وبصدق , أنا لست مريضة , بل أستشعر عقلي ونفسي وكأنني أتلمس روحي المعذبة الحائرة , فالعالم الضيق الذي أعيش فيه له شروطه الظالمة المجحفة بكافة حقوقي , فهو لايراني إلا جسداً , ويضع شروطه علي هذا الجسد المنهك المتعب المكدود , مثل مرآتي التي صارت تشبهني , وكأنها تعاني مما أعانيه , لدرجة التماثل في الألم , فهذه المرآة مازالت تطرح علي عقلي سيل من الأسئلة , وفيض من التساؤلات , وبعضها مطمئن , والكثير منها مؤلم في إجاباته .
ذات صباح قررت ألا أذهب للعمل , بعد ارتدائي كامل ملابسي , وهممت علي الخروج , وعلي آخر لحظة حال مفارقتي لمرآتي , وكأن هناك تحذير قد طرأ علي خاطري يمنعني من الخروج , وكأني أسمع صوت قادم من المرآة يحدثني بحنو وهمس رقيق شفيف , أقتربي مني رويداً رويداً , أليس هذا البياض في شعيرات رأسك بمثابة عقل واثب وحكمة رائعة , فلماذا هذاالحزن والتشاؤم والألم الذي يطرأ علي عقلك وتفكيرك ويؤثر في كامل كيانك, هل لأن ماتعارف عليه البسطاء من الناس , وأنت تعلمي أنك لست منهم , يتوهموا بأن قطار الزواج لم يأت إلي محطتك بعد ؟ .. أو لأنك لم يتوهم آخرين , بأنك مازلت رابضة بمحطة العنوسة , وتخشين من كلمة عانس ؟!
وصمتت لحيظة , وقالت في همس لاتسمعه إلا ذاتها , ويتردد في كيان نفسها المشع بالإشراق .. : عانس !!..
وماذا تعني مفردة عانس في مفردات قاموس العادات والأعراف والتقاليد البالية ؟
ولما لايكون المعني مختلف عما في مفهوم البسطاء والدهماء , ولما لاتعني العنوسة , أن الأنثي رفضت عادات وتقاليد وأعراف البسطاء والدهماء من الناس , وأنها رفضت المنطق , منطق .. وأي منطق , إنه اللامنطق .. اللا عقل .. اللا شرف للعقل والأخلاق في مجتمعات نظرتها للأنثي نظرة الخوف والشك والريبة , نظرة للجسد والرعب منه , فمازال الناس في مجتمعي يخافوا من جسدي , جسدي أنا , وبالطبع يصيبهم الرعب من كل أجساد النساء والفتيات ..
فأنا مازلت لهم الجسد الذي يرونه , ويرعبهم في حضوري وفي غيابي.. حتي في خيالهم المريض بجسدي , فروحي ونفسي وعقلي محذوفين من كافة المشاهد , والأدوار , فأنا مازلت لهم أصل الشر , ومنبت السوء , وأساس الغواية والخطيئة ..
يااااه .. أيتها المرآة ..!!
مازالت عباراتك قاسية شديدة , فاضحة لهؤلاء وأولئك ..
ولكن .. ماذا اصنع
أنتابتني حالة غريبة لم أعهدها , فلماذا يرد علي خاطري الذهاب للعمل , ولا أذهب , ومن أين تأتي هذه الأصوات الحنونة بأسئلة تنتابني كحالات ألم ووجع: هذا احساس غريب , وشعور لم أعتده ..
وكان هذا الصوت وكأنه يعود بي إلي مأساة زواج إبنة خالي , التي تزوجت مبكراً في سن السادسة عشر بالتحايل علي القانون , والإنتصار للعرف والعادات والتقاليد والمورثات الدينية , هكذا كان خالي وزوجته التي قررت بأن زواج البنت ستر لها , واتفق خالي ووالد العريس علي كتابة عقد زواج عرفي حتي إكتمال السن القانوني , واحتفظوا به مع المأذون رفقة إيصال أمانة علي بياض ضمانة للمؤخر وقائمة المنقولات , وبالرغم من ذلك أقاموا لها مواقيت للخطوبة والشبكة والمنقولات الزوجية وليلة الحناء والدخلة والصباحية , وكلها كانت مكللة بالزغاريد وألوان الطعام والشراب , فكانت الطبول والمزامير البلدية رفيق مبهج لهذه المواقيت , وكانت إبنة خالي في أعلي حالات الفرحة والسعادة لما تشاهده من إحتفاء واحتفال بها وبعرسها , وكنت من ضمن الفرحين لها , وتمنيت أن أكون في نفس مكانتها وحالاتها في مناسبات عرسها , ولكن بشروط غير الشروط , وعريس غير العريس , ومواقيت غير هذه المواقيت , إلا أن الفاجعة كانت في ليلة عرسها بعد مغادرة مكان العرس والإنتقال لسكن الزوجية , ومازالت الفاجعة مستمرة ولحد هذا التوقيت , والأسباب أنت تعرفينها .. أليس كذلك !؟
فماذا لو كنت في مكان إبنة خالك , فهل ستفكري في قطار الزواج أو محطة العنوسة !؟
وهكذا .. تطيب خاطري , وهدأت نفسي , ولا أدري إلا بقدمي يتجهان صوب المطبخ , فأشعلت موقد الغاز , واعددت فنجان من القهوة , واحتسيته بالكامل , وكأنني اريد تجفيفه من القهوة , ليصير كبحيرة مياه, جفت مياهها لأتعرف عليها وماتحويه من أسرار , وقمت بقلب الفنجان , وانتظرته حتي جف تماماً , وشرعت في التحديق إليه , واجتهدت في قراءة ماتحويه هذه البحيرة التي جفت تماماً , وتشكلت داخلها مسارات عديدة , وكأنها مسارات للمستقبل , أو هكذا أردت لها أن تكون حسب ما أهوي , .. ولكن : ما الذي أهواه , وأريده ؟!
مازلت أعيش وأحيا في أجواء الماضي , وها أنا ذا كذلك , أسرد لعقلي فصول الماضي , فماذا يجدي الأن ؟!
بدا ذلك اليوم , وكأنه علي غير المعتاد من أيام حياتي الماضية .. فحياتي كانت ومازالت حتي هذه اللحظة محشودة بأحداث ومواقف وأراء وتصورات , بل يتعدي الأمر لسفاهات مجرمة في حقي كأنثي , لم يكن لها اختيار أن تكون كذلك , فلولا أن الإكس تحول إلي واي , لكنت استمتعت بالكثير من أمور حياتي , واتسعت مساحة حريتي في هذه الحياة , ولما خشيت من شعري وأذناي وووجهي ’ ولما صار جسدي كله عورة يتوجب علي ستره وتغطيته من أشباه الرجال وأشباه الصبية المراهقين المتسكعين علي نواصي الشوارع والحارات , بل وفي المدارس والمعاهد والجامعات , ويصير الأمر معتاداً في الأسواق ووسائل المواصلات وأماكن العمل العام والخاص , بل وأحياناً تصير جريمة التحرش داخل بعض المساكن في العشوائيات , وأحياناً كنت ألعن جسدي , وأكفر بنفسي وذاتي التائهة , وروحي الملعونة المعذبة , فلم يعد لي حيز أومكان أستقل به بأسراري , وأشيائي الخاصة , فأمي كانت تريدني كما كانت طوال حياتها , وأبي يخشي علي جسدي أكثر مما يخشي علي عقلي , وأشقائي الذكور صاروا جميعاً أوصياء بالمجان علي هذا الجسد من القدمين حتي منبت شعر الرأس , بل وكأنهم يريدوا لي أن يمتنع إختياري للملابس التي أرتديها , وكلهم صارت لهم مساطر للعفة والشرف , ففي هذا اليوم , قررت الإنتحار , نعم : قررت الإنتحار بجدارة , وكأن قراري نهائي لارجعة فيه , حتي ترتاح روحي وتسكن نفسي , ويكف عقلي عن طرح التساؤلات , ومجابهة الأسئلة وتحدي الإجابات عليها بلا طائل , فماذا أفعل , وجسدي صار مملوكا لغيري , وليس لي عليه من سلطان في كافة الإختيارات ..
وأخذت أردد في نفسي , وأسمع الصدي في عقلي , وكأن الصدي يردد صرخاتي بصوت زاعق صارخ : معذرة لي وحدي , فلا عذر لي لديكم , فأنتم سفلة وحقراء وقحاء مجرمين , جعلتم شرفكم مرهون بجسدي , فماذا لو رحل جسدي الأن عن دنياكم , فهل سيرحل شرفكم المزعوم معه !؟



#محمود_الزهيري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناقص حقنة !!
- ذكري وفاة ..
- والقصة لم تنتهي ..
- ليبيا وصراعات مصالح غاز شرق المتوسط : أزمة القومي العربي وال ...
- وصية مجهولة لسجين مجهول !
- ليبيا : الجغرافيا والمسألة الصعبة والتدخل الأجنبي .. فهل من ...
- أمريكا و إيران: الدولة الشركة والدولة القبيلة .. وصراع المصا ...
- مأساة ليبيا ومأساة العراق : لابديل عن دولة المواطنة /الدولة ...
- عن إغتيال قاسم سليماني وأبومهدي المهندس : السؤال المطروح , و ...
- سليماني والمهندس : ماذا بعد إغتيالهما؟! فهل سيكون هناك رد من ...
- لاتخشوا من سرد طفولتكم ..
- بيوتنا مقابر !!
- كن أنت !!
- قول للموت مرحب .. وارحل !!
- طلق , وخليك إنسان !!
- سيكون للجنة عنوان !!
- زيارة صديقي الشيطان في رمضان ؛ وحديث عن العبودية الطوعية وال ...
- صديقي الشيطان , وزيارة رمضانية حول فتوي شيخ الأزهر عن طاعة ا ...
- صديقي الشيطان , وزيارة رمضانية في لباس عائض القرني !!
- الشيطان صديقي .. وزيارة رمضانية !!


المزيد.....




- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الزهيري - حوار مرآة ..!!