أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مهند طلال الاخرس - صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف














المزيد.....

صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 00:40
المحور: سيرة ذاتية
    


كان المطر خفيفًا فوق رمال عين صالح، كأنه يعتذر للأرض عن غياب طويل، حين جاء الخبر…
رحل صلاح الدين محمد.

لم يكن الخبر عاديًا، ولا الموت حدثًا مفاجئًا في حياة رجل عاش عمره وهو يجاور الموت ويصافحه ويعود منه محمّلًا بالحكايات. لكن هذه المرة، لم يعد.

في تلك المدينة الصحراوية التي تعلّمت الصبر من الشمس، وورثت الهدوء من امتداد الرمل، وُلد محمد صلاح الدين يوم 12 ديسمبر 1935. لم يكن طفلًا عاديًا؛ كان منذ بداياته يحمل شيئًا من ثقل الحكاية، كأن الزمن أودع في صدره ذاكرةً مبكرة، أو كأن التاريخ اختاره ليكون أحد رُواته.

نشأ بين الكرم والنسب، لكن ما شكّله حقًا لم يكن الإرث العائلي وحده، بل ذلك الشغف المبكر بالكلمة. كان يقرأ كما لو أنه يستنشق الهواء، ويكتب كما لو أنه يقاتل. لم يكن الأدب عنده ترفًا، بل ضرورة، ولم تكن المعرفة زينة، بل سلاحًا.

ثم جاءت السنوات التي لا تُنسى… سنوات الثورة.

قبل أن يُعرف كروائي ومؤرخ، كان مجاهدًا. لم يكن يكتب عن الثورة من بعيد، بل عاشها من الداخل، بدمها وخوفها وأملها. في 1957، حين اشتدت قبضة الاستعمار، كانت عين صالح مسرحًا لاجتماعات سرية، وخلايا تتشكل في الظل. هناك، في بيته، كانت تُعقد المجالس، وتُرسم الخطط، وتُصاغ أحلام التحرر.

كان مسؤولًا عن خلية، بين رجال يعرفون أن كل اجتماع قد يكون الأخير. أسماء رفاقه لم تكن مجرد أسماء، بل وجوه محفورة في الذاكرة، بعضها غاب في السجون، وبعضها صعد إلى الشهادة.

اعتُقل مرارًا. ذاق السجون، من لمبيز إلى الكدية، وتعرّض لما يتعرض له كل من اختار أن يكون حرًا في زمن الاحتلال. حُكم عليه بالإعدام، وعاش لحظات بين الحياة والموت، لكنه خرج… ليس لأنه نجا، بل لأن التاريخ لم ينتهِ بعد، وكان عليه أن يكتبه.

أُحرق بيته، صودرت ممتلكاته، وطورد جسده… لكن روحه لم تُهزم.

بعد الاستقلال، لم يضع سلاحه… بل غيّره.

أمسك القلم.

سافر بين فرنسا، العراق، مصر، لبنان، سوريا، والسعودية، لا هاربًا، بل باحثًا. في القاهرة، درس الصحافة في الأزهر، ونال دبلومًا سنة 1961، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته: الإعلامي، المؤرخ، الأديب.

يقول ابن خلدون في مقدمته: "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق" وهذا تماما ما سعى اليه صاحبنا من خلال وثائقه وارشيفه الضخم، والتي لم يبخل علينا في اظهارها ونشرها ما استطاع الى ذلك سبيلا...

فصاحبنا كان يحمل أرشيفًا لا يُقدّر بثمن، ليس فقط في أوراقه، بل في ذاكرته. صار مرجعًا، ومجلسه مدرسة، وحديثه وثيقة. الباحثون يقصدونه، والمثقفون يصغون له، وصفحته الفيسبوكية خير دليل على تزاحم المحبين والباحثين عن الحقيقة والمعلومة الاصلية المصدر، فصفحته تزخر بالوثائق [المستندات والسجلات والاوراق الرسمية والشهادات والفيديوهات والصحف والمجلات....] والمتابعين والمنقبين واللاهثين وراء المعلومة واصلها وفصلها، حتى غدا صاحبنا مرجعا ومصدرا موثوقا لا يُشق له غبار؛ لأنه لم يكن يروي التاريخ… بل يشهد عليه، والاهم ؛ يقدمه دون رتوش وخالي من الغرض و المصلحة والاهواء...


كتب صاحبنا الرواية كما يكتب الشاهد شهادته: "MISSION EN KABYLIE" في 1959،
"بورجو" وفاءً لأخيه،
"الثورة الجزائرية" تحيةً للتضحيات،
و"الممرضة الثائرة"… تلك الرواية التي حملت روح التمرد الإنساني، حين تتحول ابنة جنرال إلى صوت للعدل.

كان يرى في الأدب امتدادًا للثورة، وفي الكلمة سلاحًا لا يقل خطرًا عن البندقية.

لم يكن منعزلًا. كان جزءًا من العالم. انخرط في جمعيات فكرية ودينية، ونسج علاقات مع أدباء ومؤرخين من مختلف البلدان. تابع مجلات من الصين إلى تونس، من فرنسا إلى العراق. كان قارئًا نهمًا، وعقلًا مفتوحًا، وروحًا لا تعرف الحدود.

نال أوسمة كثيرة:
وسام المقاوم،
وسام الثورة،
وسام الاستحقاق الوطني، من الرئيس اليمين زروال…
لكن أوسمته الحقيقية كانت في ذاكرة الناس.

حتى في سنواته الأخيرة، لم يتوقف. كان يحلم بإصدار جريدة "صحراء اليوم"، كأن الصحراء نفسها تحتاج من يكتب صوتها. لكن المرض والعوز سبقه هذه المرة.

وفي يوم الأحد، 29 مارس 2026، في مستشفى عين صالح… أسدل الستار.

رحل الجسد…
لكن الرجل الذي عاش بين الثورة والكتابة لا يُختصر بالموت، فامثال صاحبنا تنطبق عليهم الحكمة الشعبية القائلة :"كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَعُدُّ بِأَلْفِ رَجُلٍ، وَكَمْ مِنْ أَلْفٍ يَمُرُّونَ بِلَا عَدَادٍ" ...

سيبقى في رواياته، في أرشيفه، في المجالس التي شهدت كلماته، في الذاكرة التي حفظت صوته وهو يحكي عن زمن كان فيه الوطن فكرة تُدافع عنها الحياة نفسها.

يا صلاح الدين…
لم تكن مجرد مجاهد، ولا مجرد مؤرخ،
كنت جسرًا بين الرصاص والكلمة،
بين الذاكرة والهوية،
بين الألم والأمل.

نم قرير العين،
فما كتبته لن يُمحى،
وما عشته لن يُنسى،
وما زرعته في هذا الوطن…
سيظل ينبت ابطالا يعرفون قيمة التاريخ ويحفظونه عن ظهر قلب...


إنا لله وإنا إليه راجعون.



#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية
- سمات شخصية البطل في الرواية الفلسطينية المقاومة؛ شخصية خالد ...
- دلالات العنوان في رواية زمن الشيطنة لـ شفيق التلولي
- زمن الشيطنة، شفيق التلولي
- قبل النسيان ، صلاح الموسى
- سماء غزة من زجاج ، اسامة الفرا
- تحت ظل السماء ، ختام حماد الربايعة
- رصاص في عقل متعب ، حسين أبو النجا
- التغريبة الفلسطينية -حكايا المخيم- ، وليد سيف
- التغريبة الفلسطينية -ايام البلاد- ، وليد سيف
- أوراق شاهد حرب ، زهير الجزائري
- طيور الهوليدي ان ، ربيع جابر
- مفاتيح البهجة ، عمر حمش
- قلب في أقصى اليسار ، سليم عبادو
- مذكرات مسعف ، علي الترك،
- شِدّة وضَمّة ، محمود عساف
- الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الامريكية وعالم ا ...
- قلادة ياسمين ، عامر أنور سلطان
- أزواد ، احمد ابو سليم
- عين التينة ، صافي صافي


المزيد.....




- من يُغلق هرمز؟ تهديد ترامب يقابله التحدي الإيران
- مطمع نتنياهو وعقدة 2006.. ماذا يجري في بنت جبيل اللبنانية؟
- -صدمتها ميركافا-.. اليونيفيل تتهم الاحتلال بتدمير آليات لها ...
- نيويورك تايمز: حرب ترمب تضعف أمريكا فهلّا أشرك الكونغرس والح ...
- هل يصبح مضيق هرمز رمزا للفشل الأمريكي؟.. محللون يجيبون
- كاتب بريطاني: آلة ترمب الزمنية تعيد البشرية إلى عصور الظلام ...
- كلاهما تمارسان -لعبة الدجاج-.. شاهد نيكي هيلي تُعلق على صراع ...
- أول مدربة بدوري الرجال الألماني لحظة تاريخية للكرة الأوروبية ...
- تشديد الإجراءات القانونية.. هل يقلص عدد السوريين في مصر؟
- غلاديو.. -جيش سري- إيطالي أنشأه حلف شمال الأطلسي خلال الحرب ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مهند طلال الاخرس - صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف