أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - شِدّة وضَمّة ، محمود عساف















المزيد.....

شِدّة وضَمّة ، محمود عساف


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 16:36
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


شِدّة وضَمّة كتاب لمحمود عساف يقع على متن 200 صفحة من القطع المتوسط، وهو من اصدارات مكتية سمير منصور غزة/فلسطين والكتاب صدر بطبعته الاولى سنة 2026.

كتاب «شدّة وضمّة» كتاب يحتفي باللغة الجزلة والراقية ذات الايقاع الشعري المميز، وهذا لا يعني ان الكتاب مجرد كتاب لغوي، بل هو كتاب تأملي في الحياة والحب والحرب واللغة والهوية؛ فهو كتاب كتب تحت ايقاع الحرب الدامية في غزة، فيكتب عنها، لكن بلغة العاشق والمحب للحياة، اذ يعتمد الرسائل الموجهة الى الحبيبة للتخفيف من اثار هذه الحرب المدمرة على الانسان ومشاعره، كل ذلك في سبيل البحث عن الامل والغد، والذي يرى صاحبنا ان الحب وحده القادر على انتشالنا من هذا الواقع المرير، والدموي ومن كل هذا الخراب، والذي غدا فيه الموت والتحجر سمة طبيعية وماعدا ذلك ضرب من العبث...

يستخدم الكاتب اللغة العربية بايقاعها ونثرها وكل ما اتيح له كن صنوف الجمال الذي تمتلكه اللغة العربية ويتفنن بايتخدام مفرداتها كمدخلا للحديث عن الإنسان الفلسطيني وكيف يحافظ على مشاعره وانسانيته وسط هذا الدمار.

الكتاب وعبر عناوينه الفرعية التي بلغت ثلاث وتسعون نصا تشي بمضمونه؛ فموضاعته وان تنوع فحواها الا انها حافظت على سمة التواصل مع من يحب ومع مضمون فكرة الكتاب ككل، والاهم انها تتمحور حول خيار الكاتب الاهم والامثل بالالتجاء الى الحب كوسيلة للمقاومة وللبقاء ، كل ذلك في سبيل مهمة سامية تتلخص بكيفية حفاظ اهل غزة على انسانيتهم في ظل حرب الابادة التي يتعرضون لها. .

الكتاب «شدّة وضَمّة» قدم نصاً إنسانياً مركّباً كُتب في ظل تجربة قاسية عاشها الفلسطيني في قطاع غزة، حيث تتقاطع الحرب مع الحب، والخراب مع اللغة، واليومي مع الوجودي.

وعن دلالة العنوان يمكن القول إن عنوان «شدّة وضَمّة» يلخص فلسفة الكتاب كلها؛ فهو عنوان يجمع بين القسوة والاحتواء، بين المحنة والرجاء. ومن خلال هذه الثنائية يعبّر الكاتب عن تجربة إنسانية عميقة يعيشها الفلسطيني في زمن الحرب، حيث يصبح الحب واللغة محاولة دائمة لتخفيف شدّة الحياة بضمّة إنسانية دافئة.

هذا علاوة على ان اختيار علامات التشكيل في عنوان الكتاب تحديدًا ليس اعتباطياً، بل يكشف عن وعي الكاتب باللغة بوصفها بيتًا للمعنى وعتبة للنص، فاللغة هنا ليست أداة تعبير فحسب، بل مساحة للنجاة الروحية، وكأن الكاتب يقول إن الإنسان، حين تضيق به الحياة، يستطيع أن يحتمي داخل اللغة.

وعند تجاوز عتبة النص[العنوان] وما ان يبدا القاريء بتقليب صفحاته تباعا حتى يكتشف سريعا ما يطفو على سطورها من طعم القُبل ورائحة العناق وكثير من المجون واثارة الغرائز وتحريك الشهوات، وكل ذلك لجأ اليه الكاتب في سبيل كبح غبار الحرب ورائحة الدم والتعب وفي سبيل اعطاء طعم للحياة يغالب طعم الموت الذي يخيم على سماء القطاع [حسب راي الكاتب واعتقاده] ...وفي هذا الامر تقديم مغاير لكثير من الصورة النمطية السائدة عن غزة بالخصوص، والتي كتب عنها وفيها الكثير ، لكنها كانت دائما تبتعد عن هذه المقاربة الجريئة والشائكة ، والتي وان اختلفنا مع الكاتب فيها، الا اننا لا نحكر عليه الراي، ولا نرى فيما نقول صوابا مطلقا ، ولا فيما كتب خطأ فاحشا ؛ بل هي احاسيسه ومشاعره التي ملأ صداها صفحات هذا الكتاب ...

في هذا الكتاب بامكان بعض مقاطعه المختارة ان تشي بالكثير عند تفحصها وتمعنها، وهذا يدفعنا الى التقاط كثير من الومضات التي تسلط الضوء على فحوى الكتاب ومضمونه ، ففي الكتاب تتجلى تجربة سردية فريدة تحاول أن تلتقط نبض الإنسان وهو يعيش في أقصى حالات الهشاشة، لكن من خلال لغة شعرية عالية الكثافة، تجعل النص أقرب إلى نثر شعري تأملي منه إلى السرد التقليدي، وهذا مانجده عند تفحص وقراءة النص من خلال عدة مقاطع مختارة :

أولاً: الحرب بوصفها فضاءً داخلياً لا مجرد حدث خارجي
لا تظهر الحرب في هذه النصوص بوصفها خلفية زمنية للأحداث فحسب، بل تتحول إلى حالة نفسية وجودية تسكن الذات وتعيد تشكيل علاقتها بالعالم، فالحرب ليست فقط القصف والانفجارات، بل هي أيضاً ذلك الانقسام الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين الرغبة في الحياة والخوف من فقدانها فيقول الكاتب:
«الحرب لم تكن هنا فقط، كانت هنا بين رجل يجر أذيال الشوق، وامرأة تكتم النشوة خجلاً أو خوفاً».
بهذه العبارة ينجح الكاتب في نقل الحرب من الفضاء الخارجي إلى الفضاء العاطفي، حيث تصبح الحرب حالة توتر دائم داخل العلاقة الإنسانية نفسها. فالحب في زمن الحرب ليس تجربة عاطفية هادئة، بل تجربة محفوفة بالخوف والانتظار والاحتمالات المفتوحة للفقد.

ثانياً: الحب بوصفه مقاومة للخراب
في مقابل هذا الخراب، يقدّم الكاتب الحب بوصفه طاقة مقاومة. فالحبيبة ليست مجرد شخصية عاطفية في النص، بل تتحول إلى رمز للنجاة والطمأنينة، ويظهر ذلك في المقطع الذي يقول فيه:
«في لحظة جنون القذائف مع الرياح الخائنة يأتي وجهها قبس من نور يحدد لي كيف أنجو».
هنا تتحول الحبيبة إلى بوصلة نجاة، إلى ضوء يقود السارد/الكاتب وسط العتمة، وهذه الصورة تكشف عن رؤية الكاتب للحب باعتباره قوة وجودية تعيد ترتيب الفوضى التي تصنعها الحرب، ولذلك تتكرر في النصوص مفردات الضوء والنبض والنجاة، في مقابل مفردات العتمة والموت والانفجارات.

ثالثاً: الرسائل بوصفها شكلاً سردياً
يعتمد الكاتب في هذه النصوص على صيغة الرسائل بوصفها بنية سردية أساسية، فالرسالة تمنح النص طابعاً حميمياً، وتجعل القارئ يشعر بأنه يقرأ اعترافاً شخصياً أو بوحاً داخلياً، وفي الوقت نفسه تخلق الرسائل إحساساً دائماً بالمسافة؛ لأن الرسالة بطبيعتها تُكتب في غياب الآخر، وهذا ما نجده في قول السارد/الكاتب:
«ما يشغلني اليوم هو كيف يمكنني أن أردم فجوة روحي في غيابك؟ كيف سيخاصمني الحرف إن ما كتبت لك؟».
في هذه العبارة تتحول الكتابة إلى ضرورة وجودية؛ فالرسالة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وسيلة لحماية الذات من الانهيار، وإن عدم الكتابة هنا يعني خيانة الحرف وخيانة القلب معاً.

رابعاً: الجسد واللغة في مواجهة المجاعة العاطفية
في مقطع «المجاعة إليها» تظهر مفارقة لافتة، إذ يربط الكاتب بين الجوع المادي الذي تفرضه الحرب وبين الجوع العاطفي فيقول:
«متسولاً على أبواب المجاعة إليها… متعباً بالأشواق والحاجة إلى أن أسمع هاتها تدوي في مسامعي».
يستعير الكاتب مفردات المجاعة ليصف الحاجة إلى الحبيبة. فالحب هنا ليس رفاهية عاطفية، بل حاجة وجودية تشبه الحاجة إلى الماء أو الطعام، وهذا الاستخدام المجازي يكشف عن قدرة الكاتب على توسيع الدلالة وتحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة.

خامساً: المرأة بين القداسة والهشاشة
في أكثر من موضع من النصوص تظهر المرأة بوصفها رمزاً للحياة والاستمرار، ففي نص «الثامن من آذار» يكتب عن النساء اللواتي يواجهن الحرب بصمت وصلابة فيقول:
«عن الجميلات اللاتي يعتصرهن الألم والفقد وهن كشجر الصفصاف يمتن وهن واقفات».
هذه الصورة تجمع بين الرهافة والقوة؛ فالصفصاف شجرة رقيقة، لكنها في الوقت نفسه قادرة على الصمود، وهكذا تتحول المرأة في النص إلى رمز مزدوج: رمز للجمال، ورمز للمقاومة.
وفي المقابل يفضح الكاتب ظاهرة «كازانوفا الحرب»، تلك الشخصية التي تستغل ضعف النساء في زمن النزوح والفقر، هنا يتحول النص إلى موقف أخلاقي يندد بالاستغلال الذي يولده انهيار القيم في زمن الحرب.

سادساً: اللغة الشعرية وبناء الصورة
من أبرز ما يميز هذه النصوص اعتمادها على لغة شعرية مكثفة تقوم على الصورة والاستعارة، فالكاتب لا يصف الأحداث مباشرة، بل يعيد تشكيلها عبر صور حسية وعاطفية. مثل قوله:
«الريح ثكلى»
«تصدعات الأرض تجمعت في دمي»
«زهرة القلعة المهجورة»
هذه الصور تمنح النص بعداً جمالياً يجعله أقرب إلى قصيدة نثر طويلة، كما أنها تساعد على نقل الإحساس بالكارثة دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

سابعاً: الذاكرة بوصفها ملاذاً أخيراً
في خاتمة النص يقرر الكاتب نشر رسائل لم تكن معدة للنشر أصلاً فنجده يقول:
«كان عليّ أن أنشر رسائل كتبت بخط اليد… لتكون وشوشة طويلة للقلب».
بهذا الاعتراف تتحول الكتابة إلى أرشيف عاطفي للحياة، فالرسائل تصبح محاولة لإنقاذ اللحظات من الضياع، ولإبقاء الحب حياً رغم الحرب.

بقي ان نقول بانه في هذا الكتاب ومن خلال هذه المقاطع المرصودة من «شدّة وضَمّة» تكشف عن نص أدبي يجمع بين السرد والتأمل والشعر، ويقدم تجربة إنسانية عميقة عن الحب في زمن الخراب. فالحرب في هذا الكتاب ليست مجرد موضوع، بل هي اختبار لجوهر الإنسان: هل يستطيع أن يبقى إنساناً وسط العنف والموت؟
يجيب الكاتب عن هذا السؤال بطريقة غير مباشرة؛ إذ يجعل من الحب واللغة والذاكرة أدوات لمقاومة العدم. وهكذا تتحول الكتابة في «شدّة وضَمّة» إلى فعل نجاة، وإلى محاولة لإعادة بناء المعنى في عالم تتداعى فيه كل اليقينيات.

#مهند_طلال_الاخرس



#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الامريكية وعالم ا ...
- قلادة ياسمين ، عامر أنور سلطان
- أزواد ، احمد ابو سليم
- عين التينة ، صافي صافي
- روايتي لروايتي ، سحر خليفة
- بردقانة ، إياد برغوثي
- رائحة الزينكو ، زياد أبو لبن
- كرنفال المدينة ، نزهة الرملاوي
- مقدسيةٌ أنا ، علاء مهنّا
- حنين رواية لعاهد نصاصرة
- الهليون ، طلال ابو شاويش
- قناع بلون السماء ، باسم خندقجي
- سرير المشتاق ، فاروق وادي
- امر فظيع يحصل ، زياد كاج
- غيّب فازداد حضوراً – حنا إبراهيم ميخائيل – ابو عمر ، جهان ال ...
- البيارة الضائعة ، ناهض منير الريس
- كتاب «علم النفس الديني» لسيريل برت
- محددات السياسة الامريكية في ازمة فنزويلا
- لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 6/6
- لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 5/6


المزيد.....




- منظمة الصحة تحذر من مخاطر -الأمطار السوداء- في إيران.. ماذا ...
- مجتبى خامنئي.. هل أصيب في القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيرا ...
- من -بنت إبليس- إلى -حكاية نرجس-.. كيف تحولت جريمة حقيقية إلى ...
- لغز -التنين- المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟
- خلال الحرب.. كيف يتم التشويش على -جي بي إس-؟
- عاجل | وكالة أنباء كوريا الشمالية: بيونغ يانغ تدعم اختيار مج ...
- هرتسوغ يدافع عن ضرب مواقع النفط الإيرانية.. ماذا قال؟
- السعودية تعلن تدمير مسيّرتين في الربع الخالي
- الدفاعات الإماراتية تتعامل مع رشقة من الصواريخ الإيرانية
- عبد الله بن زايد يبحث مع مبعوث الصين الاعتداءات الإيرانية


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - شِدّة وضَمّة ، محمود عساف