|
|
رائحة الزينكو ، زياد أبو لبن
مهند طلال الاخرس
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 21:21
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
"رائحة الزينكو" كتاب لزياد أبو لبن، والكتاب يقع على متن ١٢٢ صفحة من القطع المتوسط، الصادر بطبعته الاولى عن دار الخليج للنشر والتوزيع في عمّان (2025).
الكتاب يمجمله يمثل مجموعة من القصص والحكايا والنصوص التي تسترجع وجع المخيم وتقدمه في صورة حكايا تمر من امام القاريء وكأنه يشاهد فيلم سينمائي طويل ، نجح مخرجه في التقاط تفاصيل حياة المخيم ابتداء من عند الهجرة واللجوء الى نصب الخيمة ومأسيها صيفا وشتاء وصولا لطوابير المؤن والحنفيات والحمامات وصولا الى البراكية والصوبة والشمبر واللمظة والبصة ومفتاح العودة الذي يزين صدر بيوت الفلسطينيين اللاجئين حيث كانوا واينما وجدوا...
الكتاب يفتح نافذة على عالم المخيم الذي كُتب بالدموع والوجع والعرق والحنين، فلا تغيب الذكريات التي نشأت وترعرعت تحت خيم المخيم ولاحقا تحت صفيح الزينكو....
هذا الكتاب بما يحتويه من الم ووجع وفرح ينتزع من افواه السنين شهادة حية على مقطع استثنائي من حياة الفلسطينيين في عارض الم بهم واسماه العالم مخيم، "لم اكون قد بلغت الخامسه حين بدات اعيد تفاصيل هذا العالم من حولي، كانوا يقولون ان الذاكره لا تستقر في راس طفل صغير ، لكنني كنت ارى واخزن واحتفظ بصور لم تغادرني حتى الان. كنا نعيش في عين السلطان مخيم صغير قرب اريحا تحيط به البيارات كالاساور، وتشقه قناة ماء لا تنام. في ظاهيرة الصيف كان الماء يهمس وهو ينساب قرب حجاره قديمه، تمر فوقها ارجل كثيرة، اكثرها حافية، وفي الركن القريب كان قصره هشام، بقياه على الاقل، بابه العالي المتهدم وحجارته التي تتكلم بلغات لا افهمها. كنت اظنه بيتا لملك عاد في الليل ليختبئ من الناس، او ماوى للريح التي كانت تعوي حين تهب من جهه النكبة". ص 9.
إنها قصص تحفر في وجدان القارئ عميقا وتترك في نفسا وجعا لايزول، تماما كما تركت في ذاكرة اصحابها ندوبا لاتزول ولا تمحى مع مرور الزمن ، بل تسقى بحنين الذكريات لتعيش اعمارا مضاعفة على اعمار اصحابها ، وإلا لما عرفنا ما معنى الحنين للاوطان ، ولم نعرف معنى ان نحلم باوطاننا وان هذا الحلم يورثه الاباء للابناء كوصية اخيرة...
في "رائحة الزينكو" نحن إزاء مجموعة قصص وحكايا كتبت بلغة نثرية ماتعة وبديعة نجحت في اضافة نوعية للنص وكلاهما ساهما بتقديم صورة شاعرية مليئة بالاسى والدموع لذاكرة المخيم وتفاصيله المعمدة بالوجع والالم والدموع وعذابات الفقد والعوز والفقر وانعدام الاحساس بالايام والزمن...
فمنذ “المفتتح” ص7 يتّضح أن الكاتب لا يريد تقديم المخيم بوصفه مأساة خالصة، بل حياة كاملة فيفول: "هذه المجموعة ليست مجرد قصص عن الطحين والفلافل والحليب… بل عن شعب يعيش يضحك ويأكل ويحلم رغم كل شيء." هذه الافتتاحية تمثّل بيانًا أدبيًا يحدد وظيفة النص: المخيم ليس موضوع شفقة، بل فضاء إنساني حيّ، تُصاغ فيه الكرامة وسط العوز، وحفظ الذاكرة من عبث الايام.
الكتاب بنصوصه الابداعية قدّم شهادة إنسانية مكثفة عن حياة المخيمات الفلسطينية منذ النكبة حتى اليوم، وتعتني بتفاصيلها الدقيقة والتي شكلت وعي جيل كامل، وهذا ما نلحظه جليا عند تسليط الضوء على بعض فقرات مختارة من نصوص هذا الكتاب:"
كبرت هناك بين خيام النازحين اعد مهارات العطش، واراقب السواد يلف المكان كل مساء. لم تكن الظلمه فقط من غياب الكهرباء، بل من الحزن المتراكم في صدور الناس. كان الجوع يعض على انيابه مثل وحش ينتظر ، والعطش يشق فم المخيم كجرح قديم لا يندمل. كل شيء ان كان مؤقتا: الخيمه والماء والحياة الا الحنين... كان دائما." صفحه 12.
" لم يكن ذلك المطعم مطعما كما نعرفه. لا طاولات، لا قوائم طعام، فقط طابور طويل طويل جدا، نقف فيه حاملين بطاقات الجوع، كانها جوازات سفر نحو يوم قابل للحياه.... هكذا كنا نعيش سكان المخيم ، ننتظر قوت يوم يوهمنا باننا بخير، ونبتسم لطفلنا اذا بكى، لا لشيء فقط كي لا لا يبكي اكثر. في الزقاق الضيق، كنا نركض حفاة نلهو باقدام ملأى بالغبار، وثيابنا مرقعة بخيوط مختلفه الالوان، نرقعها كما نرقع ذاكرتنا كي لا تنسى البلاد التي جئنا منها. الوطن لم يعد مكانا نعرفه، بل حلم الضائعين، نحمله في جيوبنا كاغنيه مكسوره او كصوره يتلاشى لونها، لكنها تظل تدق القلب". صفحه 14 .
"حكايات الدوم: كان كل ما نملكه حكايات الجدات والامهات ، عالم سحري يفتح بابه كل مساء، ليحملنا خارج حدود المخيم، الى اراض لا تقصف، وبيوت لا تخر من المطر . وكبرنا وكبر المخيم فينا صار خريطتنا الاولى ، وملعبنا الاخير، وصار بيتنا غربي النهر، لا عنوان له الا في الحنين، كحبة رمل ضاعت من قبضة ،طفل لكنها تسبح في الذاكرة، لا تغرق، لا تجف، فقط تتلالا كل ما اغمضنا اعيننا وسمعنا امنا تقول: كان يا مكان...". صفحه 16.
"عيد البقج: كان كل واحد منا يخرج من بوابه المدرسه وهو يحتضن بقجه من وكاله الغوث، مربوطه بخيط نايلون، تفوح منها رائحه المخازن، لكنها بالنسبه الينا، كانت تفوح بالفرح". صفحه 17 .
"رائحه البؤس: في قلب المخيم ، حيث تصطف بيوت الصفيح على اطراف الحارات، كانت حمامات وكاله الغوث تستقبل ابناء المخيم بصمت. الحمام او بيت الخلاء كما يسمونه ليس اكثر من غرفتين صغيرتين لكل واحده بابان، لكن دون ابواب، باب واحد للرجال واخر للسيدات. لم يكن هناك اي خصوصيه، واذا دعت الحاجه الى دخول الحمام كان على الشخص ان يصدر نحنحه خافته، اشاره لعدم وجود احد داخله. في هذه الارض الصغيره، حيث البؤس لم يكن خيارا بل قدرا ، استمر السكان في العيش يتنفسون بين رائحه المخلفات وهمس الامل، متشبتين بحلم ابعد من تلك الروائح التي لا تنطفئ". صفحه 22
" حنفيات الغضب: في هذه الفوضى بقيت حنفيات المخيم صامته، لكنها كانت ذاكره حيه تحمل في تدفق مياهها قصص الناس. كانت تلك الحنفيات توثق كل لحظه غضب، كل كلمه جارحه، كل لحظه تلاحقها دموع مكبوته. كانت تضج برؤوس الناس، كانها خزانات للمشاعر المكبوته، تجمع كل العبارات وتغلي بها في هدوء مظلم ".صفحه 24.
" على باب الطحين: في الداخل توزع الاكياس ببطء، كأن من يعطي يتصدق على زمن مكسور، وكان الطحين الاوروبي يزن الكرامه بالميزان. بعضهم حمل حصته وانصرف والبعض الاخر لم ينتظر طويلا، بمجرد ان ابتعد خطوات اقبل عليه التجار بابتسامات بارده وعيون تعرف كيف تصطاد: تبيع تبيع بسعر كويس... في لحظه صامته تبدو الحياه كلها صفقه خاسره ، لكن الجوع لا يتفاهم مع العزه، والجيوب لا تنتفخ بالكبرياء، كانوا يبيعون يبيعون ما لا يكفي ليشتروا ما هو اولى، حليبا لطفل، دواء لشيخ ، او دينا قديما. ورغم كل ذلك لم يكن الطحين هو ما يتقل ظهورهم ؛ بل تلك الذاكره التي لا تُطحن، ذكرت البلاد التي خرجوا منها، مفاتيح البيوت المعلقه فوق المسامير، واسماء القرى التي لا يخطئها اللسان، حتى وان نسيه العالم. كان المخيم في بداياته خياما تهتز مع الريح، ثم اصبحت براكيات من زينكو وباطون، لكن الريح لم تتوقف، ولا الوجع تغير، وفي اخر الطابور كان طفل يراقب المشهد بعينين واسعتين يحمل كيس طحين اكبر من جسده ويشده خلفه على الارض تاركا اثره في الغبار" ص 34.
"عربه الكاز في المخيم: لم يكون الشتاء مجرد فصل، كان اعلانا رسميا عن بدء معركه جديده، برد ينسل من الشقوق، يرتجف له الزينكو، وتشتعل له الذاكره، وحين كان البرد يبلغ ذروته كانت عربه الكاز تظهر كمنقذ قديم، صوتها يسبقها، تئن في الشوارع الضيقه بصوت يشبه بكاء مكبوتا كاز كاز "صفحه 43.
" لم يكن الكازو وقودا فقط كان دفء الروح، وكان صوت ابو محمود في الازقه هو النشيد الوطني للشتاء، ". ص 44.
"خيمه رقم 11: خيمه رقم 11 كانت واحده من صف طويل من الخيام، متشابهه في الشكل، مختلفه في القصص، نصبت بعد ايام من النزوح حين كانت الارض لا تزال طريه من اثر الاقدام، والقلوب ساخنه من الوجع الطازج... كان ابي يقول لي هاي مش بيتنا بس هان راح نحكي الحكايه من اول وجديد". صفحه 45
"خيمة رقم 11 كانت اوسع من مساحتها؛ فيها ولدت انا وفيها حفظت حفظتنا امي اسماء القرى التي لن نراها، وعلق ابي مفتاح البيت على المسمار، وقال بنرجع بس مش هالحين.. مرت السنوات تحولت الخيام الى براكيات والبراكيات الى كتل اسمنتيه واختفت خيمه رقم 11 من المكان... لكنها لم تختفي منا . في قلبي ما زالت قائمه تفوح منها رائحه الكاز والمطر وصوت امي وهي تقرا دعاء النوم وصوت ابي يقول كل شيء مؤقت حتى اللجوء. واليوم كلما رايت خيمه في نشره الاخبار ابحث بعيني عن رقمها علني اجد رقم 11. الخيمه التي لم تكن بيتا، لكنها علمتنا ان البيت هو حيث يبدا الامل ولو من قطعه قماش". صفحه 46
"المفتاح: باب خشبي ثقيل مفتاحه يصرخ اول ما يلف، ريحه الياسمين كان توصل من اول الزقاق، وحصيره صغيره قدام الباب كنا نمسح رجلينا قبل ما نفوت،. هذا مش بس باب مفتاح، هذا مفتاح الحقيقة... هذا مش بس مفتاح الباب هذا مفتاح الحقيقه" صفحه 49.
"خزان المائي على السطح: كان ابي يصعد السلم الخشبي المهترئ كل صباح، يضرب جدار الخزان بكفه، ثم يمد اذنه الى جنبه، ينصت له كما ينصت لاخبار الحرب، هالخزان مش بس خزان؛ هو خزان ذاكرة. ضحكت، ما فهمت. لكن حين صعدت ورايت المخيم من فوق فهمت". صفحه 56
"حبل الغسيل لا يسقط: في المخيم لم تكن الاعلام ترفرف، لكن حبال الغسيل كانت تفعل، كنا نفتح شبابيكنا على فنايلات قمصان شراشف مطرزه بتعب الامهات، تتمايل في الهواء، كانها ترد على الدنيا ما زلنا هنا". صفحه 61.
"المشط ذو الاسنان المكسورة: في زاويه الرف الخشبي، بين علبه الفازلين وعلبه الكاز الفارغه ، كان يقيم المشط بلا غطاء، بلا علبه، بلا ماركه، اسود باهت، خشن الملمس، تكسرت اسنانه الاماميه من كثر ما سقط او ربما من كثر ما مر عليه الزمن. مشط ما كان كاملا... لكنه رتب لنا فوضى الايام، حتى لو جرح فروه راسنا احيانا ".صفحه 77.
" براد الشاي المحروق: يما بعده عندك هالبراده القديم. اجابت كمن تذكرني باصلنا: هذا مش براد ، هذا ذاكره بتغلي... اخذته بيدي فتحت الغطاء وشممت ما بقي من زمن فيه، وشعرت ان صوته ما زال في اذني...
"باب لا يغلق الا بحجر : في بيتنا في المخيم، كان الباب لا يغلق جيدا ، خشبه من نوع رخيص، مفصلاته تصدر انينا، ومقبضه يسقط احيانا حين يدار، لكننا احببناه كما هو. كان ابي يقول ما في داعي للقفل... الحرامي هون ما بيلاقي شيء يسرقه" ص 85.
"رغيف الخبز الساخن: رغيف الخبز الساخن لم يكن مجرد طعام، كان دليلا على ان الحياه لم تنهزم بعد، كان علامه ان امي ما زالت تقوى على الوقوف، وان الفرن ما زال ينبض، وان الطحين قد وصل" صفحه 90
"اللامظة: في المخيم الكهرباء كالحب في زمن الحرب؛ تاتي بلا موعد، وتغيب بلا وداع، لكن اللامظة كانت كتابا تبقى معنا حتى بعد ان تنقطع الكهرباء، تبقى في ذاكرتنا". صفحه 113.
" بقايا مولوتوف: المقاومة ليست فقط في النار التي تشتعل، بل في الرماد الذي يبقى في الاثر الذي لا يمحى، في الاشياء الصغيره التي تحمل قصصا كبيرة." صفحه 118.
دلالات العنوان والرمزية في رائحة الزينكو
جاء عنوان المجموعة «رائحة الزينكو» ليس وصفًا ماديًا فقط لمعدن الزينكو المستخدم سقف في بيوت المخيم، بل رمزٌ مكثف للذاكرة الجماعية للمخيم بما تستحضره من فضاءات وذكريات اصبحت كحجر الزاوية في ذاكرة ابناء المخيم. اما ذكر “الرائحة” في العنوان يستحضر أكثر من مجرد حاسة شم، فهو استحضار للذاكرة الضمنية؛ لكل تفاصيل البؤس والحرمان التي عاشها الفلسطيني عبر الأزقة والأيام، فالمخيم حسب ابو لبن يعرف من رائحته؛ في تصوير مجازي لرائحة الحنين والذكريات التي تنبعث من زقاقه وحواريه بمجرد ان تسير خطواتك فيه ومن رائحة ابوابه حين تفتح على الذكريات والحنين، ومن رائحة الرطوبة والعفن والمجاري السائبة والروائح النفاثة التي تنبعث ملابس بقجه واكله كزيت السمك والحليب وحتى رائحة الغياب والحنين...
والرائحة بمجملها [ رائحة الزينكو .رائحة البؤس. رائحة المخيم] تشير إلى اعتماد الكاتب على الذاكرة الشمية، وهي أقوى أشكال الذاكرة ارتباطًا بالعاطفة، فالرائحة هنا: ليست وصفًا فيزيائيًا، بل بصمة زمنية على زمان ترك اثره محفورا في ثنايا الذاكرة ، حتى اصبحت تلك الذاكرة حكرا على المخيم؛ فما ان تشتم بعضا من تلك الروائح التي تلدع حتى تلسعك الذكريات ويستفيق المخيم بداخلك...
في الكتاب وعند مطالعة فهرسه تتشكل عتبة المسرح لحكايا المخيم؛ فما ان تبدا بالتعرف على العناوين الفرعية للكتاب حتى تتهيأ نفسيا للولوج الى عالم المخيم بتفاصيله الانسانية والمأساوية الدقيقة، حتى يخال لك انك تفتح باب قديم صديء بمفتاح احضره الاباء معهم من البلاد؛ يدور المفتاح، يخرج منه صوت قديم صديء، يشي بذاكرة متعبة، واعين مغمضة، تركز وتاخذ نفسا عميقا وهي تستعيد شيئا من رائحة البلاد، ومع فتح الباب وازاحة الحجر الذي يسنده من الخلف تلج الى ساحة الذكريات ، تطوف في ارجاء البيت، تشاهد اللمظة والبابور والصوبة والمروحة والبطانية ومحقان الكاز وحبل الغسيل... ، وحينها تقرر ان تجمع الذكريات وتضعها على شباك الامل، وتأخذك الذكريات، فتبدا من العناوين الفرعية للكتاب، فيخال لك ان تقبض على فيض من الحنين الذي تمتليء به الخابية ، فتنهل منه بدمع القلب لكن بفرح، كمن يفتح شباك الحرية لعصافير الدوري التي تملأ سماء المخيم وتعتلي اشجار الكينيا التي نمت على عجل وبفعل دورة الحياة واحتياج الطبيعة، فتحمل الحكايا بما فيها من وجع والم وتخبر العالم بمأساة شعب شرد واقتلع من ارضه والقي به في المخيم، حيث رائحة الذكريات والحنين تفوح من حواريه ومن عنوانيه ٤١ والتي جائت كشريط فوتغرافي يحتضن في ثناياه صور وحكايا المخيم، صور منتقاة بعناية ومشهد يشي بتولد الحكاية كمن يجمع ذكرياته كلمة كلمة :" مفتتح. المفتاح لا يفتح هنا. النهر الخشبي. بطاقه الجوع. حكايات الدوم. عيد البقج. بركه الغولة. رائحه البؤس. حنفيات الغضب. حين احترق قلب المخيم. طابور الحليب. على باب الطحين. رائحة المخيم. طوبى ناقصة في السور. عربة الكاز . خيمة رقم 11. المفتاح. الزفتة السوداء . خزان الماء على السطح. ارجوحة من حبل الغسيل. حبل الغسيل لا يسقط. دفتر الرسم المجعد. الكوفيه على مراه التكسي. صحن العدس البارد. البطانية المرقعة. المشط ذو الاسنان المكسوره. الصوبه ذات الفتيل .براد الشاي المحروق. باب لا يغلق الا بحجر. مروحة السقف لا تدور. رغيف الخبز الساخن. لعبه تحت الدرج. حذاء عالق في الطين. علبة. سردين واحدة. العتمة التي حفظنا وجوهها. شباك يطل على حيط . ورقة ناقصة من الحكاية. واحل الطفولة. لوكس ابو شمبر. اللامظة. رساله من الخارج لا تصل. بقايا مولوتوف".
هذه العناوين الفرعية ٤١ لم تنجح في جمع الذكريات وتفاصيل المخيم وحسب؛ بل نجحت بوصفها مفاتيح دلالية تكشف البنية الداخلية للكتاب. فالفهرس جاء هنا ليس مجرد عناوين فرعية لنصوص، بل هو خارطة مكان وذاكرة وهذا ما نلاحظه اذ أن أغلب العناوين تدور حول: الأشياء اليومية الصغيرة: صحن العدس البارد – البطانية المرقعة – براد الشاي المحروق – علبة سردين واحدة – رغيف الخبز الساخن – الصوبة ذات الفتيل – خزان الماء على السطح – حبل الغسيل…
والفهرس ايضا جاء محتفيا بالمكان المخيمي بوصفه فضاءً حسيًا: وهذا ايضا يتضح من كثير من عناوينه الفرعية:" رائحة المخيم – رائحة البؤس – حنفيات الغضب – الزفته السوداء – شباك يطل على حيط – باب لا يغلق إلا بحجر…
ولا يكتفي الفهرس بما سبق ؛ بل جاء كمدخل للذاكرة والرمز الوطني من خلال عناوين مثل:" المفتاح – الكوفية على مرآة التكسي – بطاقة الجوع – خيمة رقم 11 – بقايا مولوتوف…
هذا التراكم يشكّل ما يمكن تسميته بـ “سردية الأشياءالتي تصنع الهوية”؛ إذ تتحوّل الأدوات البسيطة إلى شواهد على حياة كاملة وهوية محدثة وطارءة يتسم ويتصف بها ابناء المخيم.
ثنائية “المفتاح” و“الخيمة” 1. المفتاح لا يفتح هنا، العنوان يوحي بالانفصال بين الماضي والحاضر لكن يبقى المفتاح رمز العودة. لكنه “لا يفتح هنا” لأن المكان المؤقت (المخيم) ليس البيت الأصلي، هنا يتحوّل الرمز من وعدٍ بالعودة إلى ألمٍ معلّق على جدار المخيم والزمن.
المفتاح رغم انه يصدأ، لكنه لا يتعب من الانتظار ويقوم بمهامه على اكمل وجه. يظل معلقًا فوق الباب الذي لم يعد بابًا، ويشعل الحنين كلما طالته الايدي او ابصرته العيون.
2. خيمة رقم 11 الترقيم يحيل إلى الطابع المؤقت والمنظَّم للمخيمات الأولى. هذا عداك عما يمثله الرقم من اختزال لقيمة الانسان وحياته وذكرياته عند اللجوء؛ فالانسان حين يغادر وطنه حتى لو مكرها يصبح رقما في نظر الاخرين ليس الا. لذلك كانت الخيمة هنا ليست فقط مأوى، بل ذاكرة أولى للشتات تستدعي النهوض من تحت اكوام الرماد، تماما كطائر الفينيق الفلسطيني؛ الذي طالما ظن الجميع انن احترق وتحول الى رماد، فاذا به ينهض من تحت الرماد مؤكدا حضوره واسطورته الازلية .
في الفهرس عناوين تشي بشيء من ثقافة الاقتصاد والسوق، لكنها في المخيم ثقافة مختلفة، تاخذ تعابير ومضامين ذات ابعاد تتعلق ب الفقر و العوز والجوع... عناوين مثل: بطاقة الجوع. طابور الحليب. على باب الطحين.علبة سردين واحدة. صحن العدس البارد. وهذه العناوين بالذات تكشف عن دلالات الرمز والمجاز في هذا العمل: فالجوع بوصفه تجربة وجودية اذ ان الجوع هنا ليس فقط نقصًا في الطعام، بل: نقص في الوطن. نقص في الأمان. نقص في المستقبل. "كنا نحمل البطاقة أكثر مما تحملنا. ننتظر دورنا في الطابور كأننا ننتظر اسمًا جديدًا للحياة".
الأشياء كأبطال سرديين ميزة الكتاب – وفق هذه العناوين – أنه يمنح الأشياء دور البطولة:ف حبل الغسيل مثلا له دلالة تشي بتعليق الحياة بين بيتين. وخزان الماء، يشي بانتظار الامتلاء. والصوبة ذات الفتيل، تشي بدفء هش. ومروحة السقف لا تدور، تشي بدلالة الهواء المحبوس. وباب لا يغلق إلا بحجر، دلالة على الأمان بالنسبة للمخيم، رغم هشاشة الباب، او لحجم الفقر ودلالة على ان البيوت خاوية لا يصلح فيها شيء للسرقة، فلا يسرق الا الانسان وذاكرته...في مقاربة مع تغير الاحوال والرحيل في شقق وعمارات سكنية وتطور الاقفال وكثرتها الا انها لم تمنع السرقة...
وكذلك الحال في قصة المشط بأسنان مكسورة، ففيه دلالة بالغة التكثيف عن صورة الذات المتصدعة والهوية المتشظية والاحلام المكسورة والمشوهة.
في المخيم الأشياء لا توصف من الخارج، بل تتكلم من الداخل، تحس وتعاش حتى انك تكاد تسمع صوت الوجع والالم والحنين فيها...
رائحة المخيم لا تزول بالغسيل، تبقى في أطراف الذاكرة كما تبقى الشمس على الزينكو.
الطفولة بين القسوة والدهشة كانت حاضرة بوصفها نافذة الامل على الغد الذي ينتظره الجميع، فاحسن الكاتب التقاط كثير من تفاصيل حياتها والتي جاءت تحت عناوين مثل: لعبة تحت الدرج، أرجوحة من حبل الغسيل، دفتر الرسم المجعد، أحلى الطفولة، لوكس أبو شمبر...
وهذه الحكايا تكشف أن الطفولة لم تُلغَ رغم القسوة، بل عاشت داخلها فالطفولة هنا: ليست براءة كاملة، بل براءة محاصرة ومسلوبة حالها كحال وطنها السليب.
الذروة الدرامية، جاءت بخلاف المتوقع للعارف باحوال المخيم [شلنر، حطين] وفترات الانبعاث الوطني فيه، فرغم عناوين مثل: حين احترق قلب المخيم، بقايا مولوتوف، حنفيات الغضب، حبل الغسيل لا يسقط، حيث تشير العناوين إلى انتقال السرد من اليومي البسيط إلى الانفجار السياسي او الانبعاث الوطني، او هذا ما نتوقعه على الاقل، لكن وما ان تطالع نصوص هذه الحكايا حتى نكتشف كم خدعنا!!؟ كيف ذلك، فمثلا في قصة حين احترق قلب المخيم يهيأ للقاريء انه مقدم على صفحات تاريخ المخيم وسيرته بالنضال، لاسيما في زمن اشتعال العمل الفدائي ونهوضه، ليكتشف انها حريق لصيدلية ليس إلاّ، وهذا الامتعاض مرده ان مخيم شلنر الذي ينتمي له الكاتب وتدور الاحداث في فضاءه كان مميزا وذا حضور لافت، حيث التحق العديد من ابناءه بصفوف الثورة وقاموا بعدة عمليات ، ومنهم من استشهد ومنهم من هدم بيته _كبعض اقارب الكاتب مثلا- ومنهم من تبوأ مواقع قيادية متقدمة، والاهم من ذلك ان المخيم كان يعج بالقواعد والمعسكرات الفدائية في كل جوانبه، وللاسف ورغم ان عيون الكاتب التقطت ادق التفاصيل الانسانية في حياة المخيم؛ الا انها لم تفلح بالتقاط النذر اليسير من سيرة المخيم النضالية والوطنية إلاّ طبعا شذرا من خلال بعض كلمات النثر في موضوعه الاخير ص ١١٧ بقايا مولوتوف حيث العنوان جاء محفزا الا انه لم يتضمن ما يعززه سوى في الفقرة القبل الاخيرة من الموضوع. وهذا ما ينطبق ايضا على موضوع حبل الغسيل لا يسقط ص ٦١، رغم المعنى المستتر والجارح في بطنها، وكذلك الامر مع قصة حنفيات الغضب الوارد ذكرها على ظهر ص ٢٣، فالعنوان يرفع سقف التوقعات طالما وردت كلمة الغضب!؟ لكن وما ان تطالع احداث القصة حتى تكتشف انها مشكلة نساء المخيم التي دائما ما تتكرر عند املاء تنكاتهن او دلائهن من المياه، فيحدث التصادم عند الحنفيات العمومية نتيجة تزاحم الدور وانفجار الغضب المكبوت ، فنفاجىء من القصة ومتنها رغم جمالها، الا ان توقعاتنا جائت مخيبة وغاضبة بحجم الغضب الذي اعتلى العنوان وخلا منه المتن، او لنقل ان حجم التمويه والتورية والرمز كان فائق الدلالة والتعبير، او لنقل بصراحة اكثر: انها الجغرافيا السياسية ثقيلة الدم حين نكتب ونحن في ظلها ...
الكتاب ليس مجرد نصوص متفرقة، بعناوين متعددة؛ بل سيرة مكان عبر الأشياء. فالكاتب نجح ب تحويل الأدوات اليومية والاشياء إلى رموز كبرى من خلال لغة حسّية تعتمد الرائحة والصوت. حافظت على حضور المخيم كمكان حيّ وكشاغل للدنيا وكمشعل للذاكرة كي لا تشيخ وتنس ذاتها وهويتها.
«رائحة الزينكو» ليس كتابًا عن المخيم فقط، بل هو كتاب عن كيف تعيش الذاكرة في الأشياء. المفتاح، البطانية، رغيف الخبز، حبل الغسيل… كلها تتحول إلى شخوص تحمل تاريخًا، وتصنع نصوصا تحفظ الذاكرة من العطب والنسيان... فطوبى لمن يكتبون حكاياتهم بخطواتهم ووقع اقدامهم، فإن لم يستطيعوا فبكلماتهم وأقلامهم وذلك اضعف الايمان... #مهند_طلال_الاخرس
#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كرنفال المدينة ، نزهة الرملاوي
-
مقدسيةٌ أنا ، علاء مهنّا
-
حنين رواية لعاهد نصاصرة
-
الهليون ، طلال ابو شاويش
-
قناع بلون السماء ، باسم خندقجي
-
سرير المشتاق ، فاروق وادي
-
امر فظيع يحصل ، زياد كاج
-
غيّب فازداد حضوراً – حنا إبراهيم ميخائيل – ابو عمر ، جهان ال
...
-
البيارة الضائعة ، ناهض منير الريس
-
كتاب «علم النفس الديني» لسيريل برت
-
محددات السياسة الامريكية في ازمة فنزويلا
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 6/6
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 5/6
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 4/6
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 3/6
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 2/6
-
لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 1/6
-
الى فتح في عيد ميلادها 62
-
مراجعة نقدية لمفهوم النضال والارهاب
-
صفحات من تاريخ الكفاح الفلسطيني، علي بدوان 2
المزيد.....
-
مصادر تكشف لـCNN كواليس عمل الاستخبارات على رصد خامنئي والاس
...
-
صاروخ إيراني يخترق دفاعات إسرائيل ويحوّل كنيسًا إلى أنقاض..
...
-
كيف يؤثر مقتل خامنئي في مسار حرب إيران مع الولايات المتحدة و
...
-
إسرائيل تنقل -جناح صهيون- إلى برلين بعيدا عن القتال
-
من هم أبرز المسؤولين الإيرانيين الذين قُتلوا في غارات طهران؟
...
-
ماذا نعرف عن القدرات العسكرية الايرانية؟
-
عسكريا.. ماذا يعني إسقاط إيران المسيّرة الأمريكية؟
-
كيف ستتصرف إيران بعد اغتيال المرشد؟
-
نجوم هوليوود بين السخرية والاحتجاج: من يملك قرار الحرب على إ
...
-
جسر جوي أمريكي نحو المنطقة مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران
...
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|