ميشيل الرائي
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 00:27
المحور:
الادب والفن
الكتابة: إلى أومبرطو إيكو / إلى الشاعرة المغربية أميمة ملاك
الموتُ لم يعد يُفهم بوصفه حقيقةً مُطلقة، بل بوصفه أثرًا لا يمكن دحضه داخل الوعي؛ ومن ثمّ تتشكّل المقابر كخطابٍ رمزيّ يُعيد إنتاج هذا الحضور ويمنحه مديحًا جماليًّا متخيَّلًا.
---
أحدُ المتاحفِ قبرٌ كان بدائيًّا من الخارج، ولكن جدرانه الداخلية كانت منحوتة بمشاهد منزلية رائعة،
حيث كان الرجلُ الميتُ يواصل الجزء الأكثر غموضًا من حياته، تحت مظهر التمزيق أو الإنكار المتبادل.
خُشونةُ المقابر القديمة البالية، والحجر الرمادي الذي يشتدّ اقتصاده، كأنه يضغط داخل نفسه على صمتٍ أساسيّ،
أو ـ في سجلٍّ أقلّ جفافًا ـ تفتّت الطوب المغبر.
هل كلُّ الأزرق هو نفسه في كل مكان؟
نعود إلى خطواتنا لنفحص.
نمشي إلى الوراء داخل ذاكرتنا.
أليست كلُّ الأزرقات هي طفولة ما؟
أزرق فاتح أو داكن قليلًا، يتشابك مع ألوان أخرى عشناها مثل طفولةٍ مفقودة.
أحيانًا يصل حمار المتحف الأزرق ومعه كلمات تحت حوافره، كالطين أو الغبار، بسبب المكان الذي يأتي منه والطريق الذي مرّ به.
القصيدة التي لم تكن تنتظر صوته ظنّت أنها تستطيع أن تمسك به، لكن هل لا يلمع أكثر الشيء حين يُترك في شكله المنفصل؟
أتذكّر التراب من أحذية أبي الثقيلة التي تُنفض عند طرف الحقل قبل الدخول إلى البيت.
القصيدة عاجزة عن قبول الحياة القريبة التي بجانبها مباشرة.
نتصور عادةً أن الحمار يحب أن يقيم في أماكن بسيطة، بين المراعي القصيرة والطرقات الترابية وجدرانٍ حجرية مهملة، وبين الشجيرات التي لم يعد الناس يعرفون قيمتها.
الحمار يختفي داخل صور لا نفهمها.
---
المتحفُ الخيالي لنداءٍ مزدوج:
المتحف وأبوابه الأربعة المختفية فينا،
لكنّه هناك ينتظرنا عند حافة المحيط،
هادئًا أو يقفز،
يرمي الماضي كدميةٍ قديمة
في حاضرٍ لمستقبلٍ لا يغيّر كل شيء.
---
في سمك اللا مُشكل والمراوغ، يغزو هذا العري الفضاء، يُعمي الجِمْناز الفارغ، تدميرٌ داخليٌّ لكل موارد المجردة.
نبيُّ المفهوم المضاد هذا، وبحبه المفرط للفكرة، يشير إلى نفسه من خلال الحركة ذاتها التي تريد التهرب منه.
مكانٌ حقيقيٌّ في ماءٍ مظلم غير حقيقي.
أعشاش أو انهيارات الحجر، والحصى التي تنزلق تحت الأقدام… والجدران (شاشات مغلقة من حجر)… والمقابر…
هشاشتُنا الطبيعية، المعنى السرّي للمكان.
في كل هذه الحقائق الطبيعية، ولكن…
---
إلى امرأةٍ لا أتذكّر اسمها:
المرأةُ كلمة،
خمرُ فمها / الرجلُ فعل،
يُشعل دمي،
سأسيرُ نحوكِ —— سأشربُ طويلًا.
---
القصيدة تمرّ من اسم شجرة ومن ألوان موجودة هناك إلى ذكريات عن مدن صغيرة متفرقة.
ليس واضحًا تمامًا ما الذي تصوّره القصيدة؛ حركة الكتابة تضعف في النهاية.
في رغبة القصيدة في مواصلة تقدمها إلى أن تعود، ربما مرة أخرى، شيء يشبه خمسة عشر سطرًا مجتمعة.
∎
(حاولتُ أن أتذكّر اسمها، لكنني فشلت؛ التسميةُ لا تكشف الشيءَ بل تُقلّصه التسمية تُنتج الذات الاجتماعية
تذكّرت… ربما اسمها أميمة، لا أعرف )
— مطار الدار البيضاء، هذا الصباح
6/4/2025 — (كتابة النص)
6/4/2001 — (ولادة أميمة الأولى)
الحرب تستمر رغم العبث اللغوي
اللا-فعل يصبح موقفًا سياسيًا
الطفل يُنتج ككاتب عبر التدريب
الخط المدرسي يخلق أفرادًا متشابهين
الفردية هنا وهم.
النظام التعليمي جهاز أيديولوجي
الكتابة تصبح تمرينًا سلطويًا
الحرف الأول هو لحظة التكوين
من هنا يبدأ إنتاج الذات داخل اللغة
القصيدة
أنا
شمال
↑
↓
↑
•
أنا = شمال ≠ أنا
النص أهم من الحقيقة
السخرية تبدأ من الميلاد
الطفولة تتحول إلى لعبة لغوية
الشعر = رسم = مسرح.
الأم تهدي الطفل كشيء.
العالم يتصرف كنكتة.
الغضب يتحول إلى ضحك
لا يوجد حدث جاد
الصوت يعيد نفسه
الصوت ينسى نفسه
الصوت يختفي
الدائرة تأكل حافتها
الليل يلبس قفاز الضوء الضوء ينسى اسمه
الليل يكتب ببطء
الكتابة صوت
الصوت ظل
دق دق دق في الجدار الداخلي
نعم تقول: لا
لا تقول: نعم
الاختفاء سؤال
فمٌ يضحك داخل الفكرة الضحك دائرة
طبلٌ داخل العظم البداية لا تحدث
.........
أيّ نصوص خفية تُكتب في داخلنا دون أن نراها أيّ مسارات غير مرئية تتحرك في الوعي فتبدو كأنها اختيارات بينما هي في الحقيقة خطوط مرسومة مسبقًا ما الذي يجعلنا نظن أننا نتحرك بينما نحن نُعاد صياغتنا في كل لحظة هل نحن من نصنع قراراتنا أم أن هناك “سيناريوهات داخلية” تكتبنا بهدوء وتدفعنا نحو نهايات لا نشعر بها إلا متأخرًا ربما نحن لا نسير بل نُساق داخل احتمالات جاهزة تتبدل فقط في شكلها لكنها تظل تقودنا نحو نفس المصير أن نصير نسخة من نهاية لم ننتبه لبدايتها .
من رسائلي إلى نزيلة مصح نفسي
.........
بعضٌ من سيرتي الذاتية — اعتراف
أعترف أنّني دخلتُ الفلسفة لا بوصفها اختيارًا معرفيًا خالصًا، بل كنوعٍ من الانسحاب. كنت أظن أنّ المفاهيم الصارمة قادرة على تهدئة ذلك الاضطراب القديم الذي رافقني منذ الطفولة: ازدحام الصور، تغيّر الوجوه، وتكاثر المشاهد داخل الرأس كأنها لا تنتمي إلى زمن واحد. كنت أبحث عن نظامٍ يوقف هذا التداخل.
لكنّ المسرح لم يختفِ. لم يغادرني كما توقعت. كان يعود بصيغٍ مختلفة: في اللغة اليومية حين تصبح مشحونة أكثر من اللازم، في الصمت حين يبدو وكأنه أداء غير معلن، وفي العلاقات الصغيرة التي تتكشف فيها أدوار غير متفق عليها. حتى أثناء دراستي للفلسفة، كان هناك عرضٌ آخر يحدث بالتوازي، لا يحتاج إلى خشبة ولا جمهور.
مع الوقت، صار العالم يبدو لي أقرب إلى فضاء تمثيلي واسع، لا بمعنى الاستعارة الجمالية، بل كحالة اشتغال مستمرة: أفعال تُنجز وكأنها تُراقَب، وقرارات تُتخذ وكأنها تُؤدّى. لم يكن أحدٌ خارج هذا التوتر بين ما يُراد وما يحدث فعليًا.
قال لي أحد أساتذتي مرة، بجملة بدت آنذاك عابرة لكنها استقرت لاحقًا في الذاكرة:
«نحن نأتي إلى الفلسفة من المسرح، وأنت تعود من الفلسفة إلى المسرح.»
حينها فقط أدركت أنّ الأمر لم يكن انتقالًا بين مجالين، بل حركة دائرية داخل الشيء نفسه. وأنّ ما كنت أظنه مغادرة، لم يكن سوى شكلٍ آخر من البقاء.
.......
«لم يَعُد الطبُّ اليومَ مجرّدَ سعيٍ إلى إزالة معاناة المريض، بل تحوّل في أحيانٍ كثيرة إلى بناءِ أساسٍ نفسيٍّ يدفعه إلى تصديقِ مرضه ثم تعميقِ هذا التصديق.»
من رسائلي إلى نزيلةِ مصحّ نفسي
....
لونُ الكائن الحي / لا يتوقف عن الموت
كلّ المشاهد التي عبرناها / تغتسل، يومًا ما، في الأزرق.
سحب كبيرة قادمة من المحيط
الأزرق الذي عرفته الطفولة
بدرجاته المختلفة
يتداخل مع ألوان أخرى
يقول لكِ أحدهم إنكِ تمضين نحو الجنون فكيف يمكن أن نعرف الحقيقة؟
في رسائلكِ وفي كلامكِ شيء غامض وثقيل لا يُفهم بسهولة.
في رسائلكِ شيء معتم
لغتكِ تذهب نحو مناطق أكثر التباسًا من الحقيقة نفسها.
وفيها ظلمة تثير الخوف أحيانًا.
الجنون ليس إلا كلمة في القصيدة يا أميمة
ربما لم أكن شاعرًا بما يكفي أمام ما يحدث فيكِ.
أبكي أحيانًا حين أفكر بكِ، وهذا يخيفني.
هل ما تعيشينه جنون أم شكل آخر من المعنى؟
يكفي أن أحاول أن أكون معكِ كما نفعل حين نحب.
لكن إلى أين يمكن أن يكون هذا القرب؟
قصيدتي تناديكِ من بعيد وسط توتر داخلي لا يُهدأ.
ويظل الصمت ممتدًا عبر الأزمنة الطويلة.
ما الذي يبقى غامضًا في رسائلكِ وكلامكِ؟
ربما الجزء الليلي فيكِ هو ما يوقظ الحب ويقلقه.
أنا أخاف الصمت مثلما أخاف الفوضى الداخلية.
لكن الحب يقترب من هذه المساحات المظلمة.
وفي هذا القرب يجب أن أستمر في محبتكِ.
حتى عندما يبدو كل شيء غير قابل للفهم.
وأحاول أن ألمس قلبكِ الذي يخاف.
القلب الذي يجد صعوبة في جمع أشياء العالم المتناقضة.
كأن يجمع الحرير الرقيق مع الخرق المتسخ.
اسمكِ يبدو كأنه عيد كامل ومفتوح على العالم.
فيه شيء من الزهور ومن الصمت في الوقت نفسه.
أحيانًا يبدو أن العالم يتجمع ثم يتشتت في لحظة.
الكلمات تتحرك أسرع من العلاقات الإنسانية.
بينما الحب يحتاج إلى بطء لا تملكه اللغة.
من رسائلي إلى نزيلةِ مصحّ نفسي
الدار البيضاء
6/4/2025
#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟