أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جعفر حيدر - الشيوعيين وعبد الكريم قاسم














المزيد.....

الشيوعيين وعبد الكريم قاسم


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 21:35
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


بقلم / جعفر حيدر
كانت علاقة الشيوعيين بعبد الكريم قاسم إحدى أكثر العلاقات السياسية تعقيدًا في تاريخ العراق المعاصر، فقد جمعت بين التحالف المؤقت والمصلحة المتبادلة من جهة، والصراع غير المباشر والقلق المتبادل من جهة أخرى، ضمن سياق سياسي مشحون بعد ثورة 14 تموز 1958. فمع سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية الأولى، وجد الحزب الشيوعي العراقي، وهو من أكبر الأحزاب الجماهيرية في ذلك الوقت، فرصة غير مسبوقة للاقتراب من السلطة، خاصة أن قاسم كان بحاجة إلى قوة شعبية تُوازن نفوذ القوميين والبعثيين الذين كانوا يملكون حضورًا قويًا في الجيش والشارع. ومنذ الأيام الأولى، رأى الشيوعيون في عبد الكريم قاسم زعيمًا وطنيًا يرفع شعار الاستقلال والسيادة، ويقف ضد مشاريع الوحدة القسرية، ويميل إلى الطبقات الفقيرة، وهي شعارات تقترب من خطابهم الاجتماعي، مما جعلهم يقدمون له دعمًا قويًا ومباشرًا عبر مظاهراتهم وتنظيماتهم ونقاباتهم.
وفي المقابل وجد قاسم في الشيوعيين رصيدًا شعبيًا كبيرًا يمكن الاعتماد عليه، خصوصًا بعد أن بدأ الصراع يتصاعد بينه وبين الضباط القوميين والبعثيين داخل الجيش. فتحالفه غير المعلن مع الحزب الشيوعي جاء لدعم حكمه ومنع انقلاب مبكر عليه، إذ كان الشيوعيون يسيطرون على الشارع، ويملكون نقابات العمال والفلاحين، ولهم حضور مؤثر في المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة وكركوك. ولذلك سمح لهم قاسم بالعمل في المجال العام بصورة لم تكن ممكنة في العهد الملكي، فانتشرت صحفهم، وتوسعت نقاباتهم، ونظّموا مسيرات ضخمة دعمت الجمهورية الجديدة، حتى أصبح مشهد الجماهير الشيوعية وهي تهتف "عاش الزعيم" جزءًا من المشهد السياسي اليومي.
لكن هذه العلاقة لم تكن علاقة اندماج أو ثقة كاملة، فعبد الكريم قاسم رغم اعتماده على الشيوعيين لم يكن شيوعيًا، بل كان وطنيًا مستقلًا يخشى من تمدد الحزب وسيطرته على مؤسسات الدولة. وقد أدرك أن صعود الشيوعيين بشكل مفرط يمكن أن يؤدي إلى انقلاب في ميزان السلطة لصالحهم، خصوصًا أن الحزب كان يطالب بإشراكه في الحكومة وإعطاءه مواقع رسمية، وهو ما رفضه قاسم باستمرار. وهنا بدأت العلاقة تتحول إلى علاقة "حاجة متبادلة" أكثر من كونها تحالفًا ثابتًا، فالشيوعيون اعتبروا قاسم حليفًا ضروريًا لا يمكن التخلي عنه دون خسارة جمهورهم، وقاسم اعتبرهم قوة يجب ضبطها دون قمعها، لأن قمعهم يعني انهيار السند الشعبي الوحيد الذي يملكه.
وتصاعد التوتر بين الطرفين بعد أحداث الموصل عام 1959، حين حدث تمرّد ضد قاسم بقيادة ضباط قوميين، فشارك الشيوعيون بقوة في قمع التمرد، وتحولت المدينة إلى ساحة أحداث دموية. ورغم أن الشيوعيين لعبوا دورًا رئيسيًا في حماية الجمهورية، إلا أن الطريقة التي تعاملت فيها بعض تنظيماتهم مع خصومهم أثارت قلق قاسم من أنهم قد يتحولون إلى قوة مستقلة تهدد سلطته المباشرة. وبدأ الزعيم يدرك أن الشيوعيين لم يعودوا مجرد سند شعبي، بل أصبحوا قوة جماهيرية قد تتجاوز حدود التعاون السياسي إلى محاولة السيطرة على الدولة، خاصة بعد أن أظهرت مسيراتهم وهتافاتهم مطالب واضحة مثل "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" و"اتحاد فدرالي" و"الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي"، وهي شعارات اعتبرها قاسم إنذارًا مبكرًا بوجود مشروع سياسي ينافس مشروعه الوطني.
ومع مرور الوقت، بدأ قاسم يبتعد عن الحزب الشيوعي تدريجيًا، فقلّل من دعمه لنشاطاتهم، وقيّد بعض تنظيماتهم، ومنع دخولهم رسميًا إلى الحكومة رغم توسع نفوذهم في الشارع. وفي نفس الوقت حاول بناء توازن جديد عبر تقوية سلطته الشخصية وإبعاد الجيش عن التحزب، لكنه لم ينجح تمامًا لأن البعثيين والقوميين ظلوا يعتبرونه حليفًا للشيوعيين، والشيوعيون ظلوا يعتبرونه حليفًا غير موثوق. وعندما حاول قاسم احتواء الحزب عبر تعيين بعض الشخصيات اليسارية المستقلة، كان ذلك غير كافٍ لتهدئة مخاوفه من امتداد نفوذ الشيوعيين، ولا كافيًا لإرضاء الحزب نفسه الذي كان يرى في تقليص دوره خيانة لدماء أعضائه الذين دعموا الجمهورية.
وتفاقم التوتر بعد أحداث كركوك 1959، حيث حدثت صدامات عنيفة بين الشيوعيين وبعض القوى القومية، مما جعل قاسم يتدخل بقسوة لإنهاء نفوذ الحزب في بعض المناطق الحساسة، وهو ما دفع الكثير من الشيوعيين إلى الشعور بأن الزعيم بدأ يتراجع عن دعمهم. ومع اقتراب 1963، كان الحزب الشيوعي مهمشًا سياسيًا رغم قوته الجماهيرية، وقاسم أصبح أكثر عزلة عن كل القوى، فالقوميون يعادونه، والبعثيون يتآمرون عليه، والشيوعيون شعروا بأنه لم يعد يمنحهم الدور الذي يستحقونه، مما جعلهم غير قادرين على حماية حكمه عندما وقع انقلاب 8 شباط 1963.
وبذلك يمكن القول إن علاقة الشيوعيين بعبد الكريم قاسم كانت علاقة تحالف ضروري لكنها غير مستقرة، علاقة جمعت بين التعاون والصدام، وبين الدعم الشعبي والخوف السياسي، وبين الحماس الثوري والقلق من السيطرة. فقد استفاد الحزب الشيوعي من انفتاح قاسم ليصبح القوة الجماهيرية الأكبر، واستفاد قاسم من هذه القوة لمواجهة خصومه، لكن غياب الثقة المتبادلة، وعدم وجود رؤية سياسية مشتركة، وعدم رغبة قاسم في منح الحزب دورًا رسميًا في الدولة، أدت في النهاية إلى تفكك العلاقة وانهيار التحالف، وهو ما سمح للبعثيين بالانقضاض على السلطة وإبعاد الشيوعيين وقاسم معًا عن المشهد السياسي. وهكذا بقيت هذه العلاقة نموذجًا للعلاقة المعقدة بين الحركات الثورية والأنظمة الوطنية المستقلة: علاقة تعاون مشروط، يتقدم فيها الخوف خطوة إلى الأمام كلما تقدمت القوة خطوة أخرى، حتى ينتهي الطرفان إلى طريق مسدود لا يستطيع أي منهما الخروج منه دون خسارة كبرى.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني
- حين تسموا المبادئ فوق كل شيء
- رسالة إلى قاتلي..
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع
- الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض
- بارق عبدالله الحاج حنطة: سيرة وطن ورمز بطولة


المزيد.....




- بعد سرقة 12 طنًا من الشوكولاتة.. -كيت كات- تحرس إحدى شاحناته ...
- إعلام أمريكي: معلومات استخباراتية تظهر أن الصين تستعد لشحن أ ...
- هل تشعل -حرب إيران- سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط؟
- غوتيريش يدعو واشنطن وطهران لاغتنام المحادثات لخفض التصعيد
- جماعة غامضة موالية لإيران تتبنى سلسلة هجمات بأوروبا.. ماذا ن ...
- فيديو لحظة وصول وفد إيران لباكستان بـ71 عضوا ومن يرأسه للمحا ...
- إيران.. تصريح من محمد باقر قاليباف لدى وصوله باكستان عن حسن ...
- مصادر تكشف لـCNN تحضير أسلحة لإرسالها إلى إيران ومن الدولة و ...
- وول ستريت جورنال: نتنياهو لا يستطيع التوقف عن القتال فهل يرب ...
- مقال بنيويورك تايمز: تأملات حول ترمب في سن الثمانين


المزيد.....

- نعوم تشومسكي حول الاتحاد السوفيتي والاشتراكية: صراع الحقيقة ... / أحمد الجوهري
- عندما تنقلب السلحفاة على ظهرها / عبدالرزاق دحنون
- إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا ) / ترجمة سعيد العليمى
- معركة من أجل الدولة ومحاولة الانقلاب على جورج حاوي / محمد علي مقلد
- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - جعفر حيدر - الشيوعيين وعبد الكريم قاسم