أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - نحن لم نولد -حتى- نموت- قراءة في رواية -سليمان الرياحي- ليحيى الشيخ















المزيد.....


نحن لم نولد -حتى- نموت- قراءة في رواية -سليمان الرياحي- ليحيى الشيخ


هاشم مطر

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 19:05
المحور: الادب والفن
    


«غافلني وأخذها ولم يرجعها حتى اليوم»! بهذه العبارة الغريبة لسليمان الرياحي يدخلنا يحيي الشيخ مناخا مختلفا عن ثيمة روايات المهجر، بأغلبها، روايته الصادرة عن دار (لندن تاور للنشر 2026). هذه العبارة التائهة التي أهلت النص لاقتصاده وتركيزه أيضا إلى معرفية نفسية دقيقة يلاحق من خلالها الكاتب سيرة حياة واحدة تنفتح على عدد ليس بالقليل من نزلاء المصحة النفسية، تنمو مع النص لتكون أشبه بالملمة أو الجائحة لتصيب المجتمع الذي طالما تجاهل استعداده للاصابة بها وانه معافى أو بالأحرى محصنا من فيروس الوحدة والانتماء الشديد للذات الرابضة بالقرين المثالي.
أما ما يميز هذه العبارة عن غيرها فأنها تنطوي على كلمة (حتى) بكل دلالاتهاا واشاراتها اللغوية التي اختلف عليها النحاة وجميعا نعرفها فلا سر في ذلك عدا ما سيكشفه لنا الكاتب في ثلاثة محاور انطوت كل منهما على شخصية لها عقديتها واسباب وجودها، ولكن كيف ستلتقي؟ ذلك ما تابع خطه الكاتب بنص ذو نبض هادئ وبمسارات ضامنة لحبكته الحدثية التي هي الأخرى سنتوقف عندها في هذا المقال.
جاءت العبارة في جلسة اختبار لطلب وظيفة لشخص قدم اوراقه يدعى (سليمان الرياحي)، من أجل التوظيف إلى مدير المصحة النفسية. الطيبب الذي حدثه عن امه وورث عنها نقر اصابعه وبعزف بها على الهواء، عن موتها فقال عنها عبارته الآنفة «غافلني وأخذها ولم يرجعها حتى اليوم»، وهذا ما يشي بحالة انتظار وكأن الموت ما هو إلا رحلة سيعود منها صاحبها بعد حين. وهذه أول اشارة مقاربة استطاع الطبيب من خلالها أن يتلمس درجة القرب بين الباحث والمريض ويضع موافقته على الطلب أمامه وكأن في نفسه نبوءة ان صاحبه، بغض النظر عما قاله عن نفسه بعد عدة اسئلة انه قرأ الكثير من «المصادر التخصصية النفسية، الى جانب البحوث...» فأنه الشخص المناسب للابتكار. وهي الخصيصة الوحيدة الخارجة عن سياق العلاجات السريرية والطرائق العلمية والأدوية وما إلى ذلك، وهذا ما كان يرنو له الطبيب بتردد بين العلاج والابتكار.
انطوى الأمر لحد اللحظة على ما نجهله فأن تابعناه على نحو حالة مرضية محددة ومعترف بها في البحوث والكتب فلن نزيد سوى بالاكثار العددي للنزلاء الخاضعين للعلاجات المعهودة تحت نظام صارم من العوازل والكتائب وحتى القيود. وهذا بطبيعة الحال غير ما استشعره الطبيب بالرياحي الذي خرج مبتهجا ليبدأ عمله مع اول وجه قابله وربما افتتن به من أول نظرة. هيفاء ورئيسة الممرضين التي وصفها الطبيب «أرملة في الأربعين، جميلة، عظيمة الأنوثة» وتمتاز بشخصية قوية.
مع هذه السلاسة ومقابلها من تحديات وضع الكاتب اساس مقصده. فمن ناحية ان الرويات النفسية التي كتبها كتاب مرموقون كثيرة وتناولوا بها عقدا اصبحت مفتاحا او مسلكا path لغيرها فدخل الأدب هذا المضمار الشائك من باب انسانية الحالة وليس بالضروة مرضا، ولا يشترط بصاحبه المعالج أن يكون طبيبا مختصا، انما انسانا يستطيع مكاشفة ذاته ويضع نفسه في الحبس طوعا، وربما أيضا مقاما لا يستطيع معه الانسحاب إلى واقعه لدرجة تماهيه كصوفية بمنزلة تمنحه العبور والمناورة والتأمل وحتى التماهي مع أية روح أخرى. ومع هذه الخصيصة اشتغل الكاتب، من ناحية اخرى، على التقمص الوجداني ليتمدد الى الواقعي لينأى بجهده الى خارج البيانات والجداول وحتى علاقاتها بالدلائل. وهذا ما شاركه رئيسه الطبيب معضدا موقفه بمقولة لفرويد: -«الإنسان برمته سلوك، سلسة سلوكيات تربطها شخصية ظاهرة وأخرى مبطنة، مهما تعددت وظائفها أو تناقضت».

ذلك الرنين المشاكس للصوت على نحو لعبة للصغار لعلب معدنية موصولة بخيط تمنحهم المخاطبة، أضحت قابلة لامتصاص الصوت الدفين للروح الانسانية المعذبة. دخل الرياحي اللعبة متخطيا أول اختبار ميداني بقبوله صفة (الخائن) اللقب الذي اطلقه عليه احد المرضى مناورا اياه ليكون أكثر قربا من النزلاء وليس فاحصا يقدم رسالة علمية لنيل شهادة كما مدير المؤسسة الذي كثيرا ما ضاع بين الأمرين. فمن ناحية انه يسعى لاكمال دراسته العلمية وفق شواهد ودراسة حالات غامضة لكنها ذات اصول واشتراطات موصولة بالبحوث التي وصل إلى فصولها «كـاستنتاجات تطبيقية» وبين شقه الآخر بالبحث خارجها، وهي عملية غير معترف بها في تخطيها الاشتراطات المنطقية واعتمادها على الدلائل. ذكرني هذا بفيلم "الرجل الذي عرف اللانهاية" وبطله رامانوجان العالم الرياضي الهندي الذي يعتمد على الحدس فتتسم جميع استنتاجاته المعقدة بالصحة ولكن ينقصها التواصل العلمي الاثباتي حتى وصوله الى كامبريدج وحصوله على زمالتها، لكنه مات متأثرا بالسل، ولكن خيبة أمله كانت أكثر حصافة كسبب لموته .

أما بالنسبة للرياحي فالأمر لم يحتمل الدراسة من أوله حتى من حيث تقاريره التي كان رئيسه يسعى أن يُكمل مهمته من خلالها «كمراقية السلوك» والتشخيص، لكنها لم تكن مكتملة بالمعنى الحروفي والحرَفي. يُدخل الكاتب بطله الرياحي بتمهيد شديد الرهافة من التيهان المفاجئ الذي رأى نفسه فيه باحثا عن مكان عمله غير أنه لا يعثر على واحد منها. كل الأجوبة الناطقة كانت تؤكد له إن أي مكان فارغ هو مكانه وله حرية الاختيار للمكان الذي يرتأيه مناسبا ليكون بالنسبة للرياحي (الفراغ) المكان الأنسب، الصمت الجليل الذي سيوصله بعد أن يصاب به إلى قدرية محضة كعودة باهظة القيمة لفهم الواقع، وليس نزعا بارعا للتأويل. ظهر ذلك الفعل لشخص اسماه (الهاتف) يضع على أذنه علبة أناناس فارغة يتواصل من خلاله بقرينه الذي بالنسبة اليه ليس افتراضيا وانما واقعا لا نعرف حقا عن الصوت الدفين الرابض في نفسية الانسان وتحولاته الا بالقدر الذي يباغت الجميع لنصاب بالذعر او بعضه أحيانا. وهو جملة الاصوات المخاطبة والمدهشة المفعمة بالغرابة احيانا. هذه العقدية كانت بالنسبة للرياحي الجانب الملهم لاستمراره بمنهجية مبتكرة، غير معترف بها، فعكف على تطويرها بسلك رابط للتواصل فارتضى اللقب الذي اطلقه عليه عبد الغفور أحد النزلاء بـ(الجاسوس) فكان اول نجاح له كـ« أول اتفاق على موضوع واحد لكل المرضى، وكنت أنا "الجاسوس" موضوع اكتشافهم النادر». ومن جانب آخر اضحى لقب الجاسوس الذي استساغه «كابوسا للرياحي ومصدر عذاب ممض » لسبب اصبح جزءا من السياق التشويقي للمرضى وعليه مسيارته الى ابعد حد ممكن.

هنا يدخلنا الكاتب في محاجة هو أن تدخل اللعبة بوعي ودراية هو غيره عندما تنتظم كسلوك غير محايد، وهي رتبة من الذكاء لدى النزلاء تكون على درجة من الحيطة واليقظة قبل أن يدخل عالمهم شخصا آخر. سيكون الأمر لدى الباحث ويظهر على نحو أسئلة لا تحيد عن علميتها كالوسواس القهري وغيره من التعريفات المنهجية فتطور الأمر بالنسبة لرئيس المؤسسة الى شطح على نحو أسئلة مباغتة: هل هو مرض معد.. وكيف ينتقل» مع الكثير من الانثيالات المساندة التي رُفضت بسبب خروجها عن المألوف وتشذ عن «صرامة التقاليد العلمية وشروطها».
في هذا المنحى سعى الكاتب من خلال رئيس المؤسسة أن يقبض على الفجوات الهوائية بين العلم والتجربة وبين الروحانية التي تتكفل بنتائج أكثر ضمانة ليتابع تقارير الرياحي بدقة ويشارك عينته المنتخبة (الهاتف) المحاط باسوار التوحد وخصوبة النداءات الدفينة من خلال آلته الضامنة للنداءات والمخاطبات التي لا يعرف عنها أحد غيره. ومع هذا التفصيل يبدو ان الكاتب هو ذاته اصبح نزيلا جديدا متواطئا. فلا نكشف سرا ان يحيى الشيخ كائنا حسيا مرهفا وفنانا يربض بداخله طفل مشاكس وكاتب تمتلك كتاباته جنوحا شاعريا مركزا ومحتبسا يحسب في صالحه، ملزمة بالمشاركة لسبب ابتعادها عن الشروح والهوامش الخاصة والمنفتحة على التاويل والتساؤل. وهنا في روايته نجده يمسك بهذا الخيط الرفيع من المساهمة تبدى لنا من خلال فتح ثغرات كعلاقات حميمة مع ابطاله، فلن يجبرنا على الاكراه او القبول انما فتحا مسايرا للحبكة والسرد المقتصد معا. هذه الملاحظة الهامشية عن الكاتب سهلت علينا تقصي المبحث الذي هو بصدده فالجميع يشترك باللعبة، لعبة الجنون التي هي الحقيقة الوحيدة في الوجود. فحتى العلوم ما كان لها أن تتطور لولا فسحة الجنون والخيال الرابض في أية روح (عليلة) مسكونة بعدم الرضا، لكنها صاغية لكونها الفسيح. وفي روايته هنا سينظم لها بتواطئ سردي بارع تباعا ثلاثة فروع هم الرياحي وعينته النتخبة (الهاتف) ومدير المؤسسة الباحث الذي بدا حائرا بين علمية صارمة وتطبيقية مدهشة. وبقدر ما سيمنحه النص سنقف على مفترقات ولقاءات، بعضا منها سيكون جامحا كما سنرى.
بهدوء معرفي يسّر الكاتب لاطراف روايته، إن لم يكنوا ابطالها، فأبطالها المجتمع بأسره، يسّر لهم الاقتراب من بعضهم بعضا مع ضمان حقوق المرضى بعدم التنصت عليهم، من دون اذن واضح، والنأي عن مفاجأتهم والاقتراب غير المحبب لديهم أو ثلم صمتهم، حتى استطاع الرياحي من كسر حاجز الصمت بينه وبين عينته (الهاتف) باسلوب مناور ومشارك للعبته الأثيرة، حتى «استئناسه برفقته واصغائه بانتباه» مستسلما بعد أن «غيروا له فراشه ورتبوه»، وهذا بمثابة النقر على الخصوصية الشديدة. ومن جانبه، طبيب المصحة، جعل يهتم بتقارير الرياحي المكتوبة بدقة وعلى نفس وتيرتها المنقوصة والخالية من القرائن، مما جعل الطبيب يدخل اللعبة كمساهم معرفي، وربما سيكون مستعدا للاصابة بالحالة التي بدأ الرياحي اصابته بها مؤكدا على تحول مهمته حسب قرله إلى «مشروع بحث مواز لمشروعي الأساس». ومع ذلك كان يستحث البراهين العلمية وتطويعها للحالة التي كان الرياحي يتابع تطورها كقبول يتسع مع كل تقرير.

هنا يداهمك الكاتب على لسان الطبيب بتفسرات علمية لما أسماه الرياحي بـ(المريض القصدي) وهي حالة الحبس الارادي للوهم كصيغة واقعية هاربة من الواقع. عليّ الاعتراف هنا للجهد المبذول بالنسبة للكاتب أن يجعل نصه مرآة للحقيقة وليس الحقيقة ذاتها. فبإمكاننا، هنا، أن نتلمس الاستنتاجات العلمية الصادقة والوافية منها بامتلاكها رغبة التطوير حتى كخيال ينبع من الحقائق وليس فنتازيا قائمة لذاتها. فقد كان بإمكانه أن يجعل من روايته نصا مفتوحا بمئات الصفحات بدل هيئتها الصارمة بصفحات تجاوز عددها المائة وأربعين قليلا. هنا يمكننا التنبيه، تنبيه أي كاتب، أن يتخذ قرار كتابته النص بمحولاته الاساسية وليست تلك المغرية اثناء الكتابة. نرى ذلك جد واضح في تبويب يحيى الشيخ وتوقفه عن الكتابة ليبدأ نسيج كتابته مجددا بما يضمن عدم خروجها عن المسار وغالبا ما يكون مفتاحها أول الكلام. كذلك من الملفت أن نرى سيطرة الكاتب على نصه، وهو نوع من الانضباط نشرت عنه مقالتي في مجلة الاقلام العراقية في عددها الاخير تحت عنوان (الانضباط الأدبي في روايات الخارج). أضيف هنا إلى ذلك, التنوع البيئي كوجود اجتماعي أصاب روائيي الخارج، ملحقا بامتلاكهم منجم المعاناة التي ذهبت بكل اعمارهم في منافيهم ليستثمرونها على نحو أدب يمتلك خصوصياته، واصاباته شديدة التأثر ذاتيا. وللأسف ذهب الكثير منها إلى الامراض والعقد النفسية لكنها من حيث الواقع اشارات صادمة لتصدع الروح الانسانية. لذلك لم يُعرّف الكاتب زمن روايته ولا جغرافيتها ليبقى نصه مفتوحا على التجارب وينضوي بصدق إلى مجتمع مواز لمهده الوطني العتيق الذي اصبح برمته مصحة نفسية.
ملايين عالقة تحكمها المراثي والاشعار كما كان يحيى الشيخ، يضعها كصياغة بينية داعمة فأشير إلى أهمية تفحصها برغم مثولها الذي ربما يبدو اقحاما، لكنها من حيث الواقع مكملة لسيرة حصار الذات. ينطوي هذا القول على اننا المجبولين على النهايات، كلاسيكية او غيرها، هو درجة غير كافية لمتطلب العصر.
هذا الاستشعار الذي فهمه الكاتب ذهب به ليكون جزءا من البنية الروائية، فبإمكاننا من جانب آخر وبيسر دمج الرواة جميعا، مع حفظ الخصوصية، بشخصية الكاتب وهو يكتبها ولكن بلا صوت، كما استعارته لهاتف الهاتف وهاتف الرياحي وهاتف مدير المصحة وحتى هاتف رئيسة الممرضات، ثم هواتف المرضى واخيرا هواتف المجتمع الذي سرب الكاتب الاصابة اليه كنسيج قال عنه بلسان الرياحي عبارته: «الغامض يفسر الغامض» في واحد من تواطوآت مدير المصحة مع الرياحي. الكل يسمع نداؤه الذي لا يسمعه غيره، وغيره لا يسمع نداؤه لكنه ينطوي على خوارزمية جد منطقية ليس هدفها إيجاد حلٍ أكثر تعقيدا من السؤال المعقد ذاته، بل مشاركة ضامنة للجائحة التي لابد لها أن تحصل.
ومع كل خطوة باتجاه السير المقنن للرواية كان الكاتب يبث مقدمات كجرعات ترضي فضول القارئ، ومعها كانت الرواية تتقدم بعقدها الذاتية، مثل ولع الرياحي بلعبة الهاتف منذ صغره، كذلك أسباب نشأته وفراق والدته، والأهم رئيسة الممرضات الجميلة هيفاء، العانس منذ زمن، التي دافعت عن الرياحي بثقة، وانتهى الأمر إلى استقالتها، لتتعشق السيرة بفرض أكثر واقعية من حيث الجذب الروحي بينها وبين الرياحي، كلقطة سينمائية ذكية للكاتب افادت النزوع الدفين لاسترخاء الطبيعة البشرية في احلك الظروف تعقيدا. حتى يخال لك انها مشفى من نوع آخر كمصل ودواء وشفاء من اردان أية اصابة بالغة التعقيد. سقاية طبيعية لمراد واحد ان كل جسد يبحث عن نقيضه، السر الكوني، العلاج treatment المبهر . حتى انتهى الأمر بينهما إلى انجابهم بضعة اطفال، أولهم ليس شرعيا بالكامل من حيث زمن الحمل، وفي هذا دلالة، وليس مجرد اشارة، على مسايرة جذوة الروح اليائسة لتفصح عن نفسها تحت مختلف الظروف بما فيها حاجة الرياحي ذاته الى «خريطة تحدد مساره». سبق ذلك ما كان يؤشر إلى الشكوك التي ساورت الجميع وأولهم طبيب المصحة الذي بدأت المتغيرات تبدو له كضرب من «الهلوسات»، بما فيه التقليد في سلوكيات المرضى كمرض معدي وحيازتهم على الهواتف وولعهم بالتنصت. ومع هذا التحول في بنية الرواية تحول الصراع إلى شكله العام بدءا من الفصل التاسع حينما قررت الأكاديمية :«سحب إجازة ممارسة المهنة بوصفي مختل العقل أمارس طرقا غريبة» حتى «تغيّر الرياحي كلياً» حسب قول الطبيب المشرف. وهنا نجد حالة الفصام الذاتي للرياحي الذي دخل اللعبة بأريحية فما عاد بإمكانه الخروج منها بل تلبسته على نحو حورات صائته احيانا وعزلة. وهنا نعيد ما قلناه عن الفقرات الشعرية النابضة التي وظّفها الكاتب وطوعها للنسيج الدرامي وهي مهمة صعبة للغاية أن تبقي على تلك الخصيصة كجزء راشد من حبكة النص. فما نحتاجه هو السرد الواضح، ولكن اصرار الكاتب على استخدامها كان يؤشر إلى حقيقة معرفية هي درجة التماهي بين المصاب والشاعرية المركزة فيبقي على نصه متوازنا على نحو شاقولي متعامد. فادنٌ تقومه الجاذبية، ولكن أي جاذبية؟
هي فرصة الجنون الواعي ليعرب فيها عن خصامه مع لجنة الاختصاصيين قوله: «الذين يركبون البحر يعاينون الأرض تبتعد لا الباخرة»! وهو الأمر الذي كان يحدث شرخا مع كل مرة لطبيب المصحة متأثرا بمنهجية الرياحي حتى بعد «قرار التحرز» عليه «وابقائه تحت المراقبة والعلاج».
كل هذه المقدمات سهلت للكاتب وصوله الى فكرته وكأنه يتقمص شخصية نزلاء المصحة بأنها ستصبح عالمهم فلا يعني الخارج لهم بشيء ومعهم «تاريخهم» حتى انزياح النص العام بتدخل الكاتب تحت عامل الحرب فجأة ليعيد التوازن بأن نزلاء المصحة اصبحوا طلقاء بمشهد درامي متأثرين بالجنون كعطر ينتشر، «يطفون في الأزقة الفارغة» تقرقع على صدورهم «علب معلقة بالاعناق مربوطة بخيوط ».. وهي الجائحة التي اشرنا اليها قبلا قد حصلت فعلا. ذلك ان الكاتب وضع كل ما عنده لهذه النتيجة التي تبدو حتمية في مسار روايته.
في هذه الانعطافة وظف الكاتب الكثير من الوصفيات صاحبة الدلالة بين الفعل ومقابله: نسيج من كتلة بشرية يقوده واحد من نزلاء المصحة يحمل صفة «واهب الألقاب» كإشارة سابقة رددها الكاتب محتملا وممهدا لدوره. فحتى العبث يحتاج الى قيادة، معرجا بذات الوقت على وصفيات تعريفية للمناخ الروائي المشهدي كقوات الطوارئ ومؤسسات حماية القانون والصحافة وقنوات التلفاز وعربات اطفاء الحرائق وما يقابلها كمطر غزير كرمزية قال عنها:«لا شيء يمتدح الجنون ويضاعف منه ويصقل جوهره النقي غير الماء». حتى يختفي المشهد وينتهي إلى الغرق كموكب يجره (واهب الألقاب) الى مصير حتمي يائس، عاد اليه الكاتب باستدراك بأن من تبقى منهم أو أكثرهم كان كافيا لكي «يتغلغل الجنون إلى جسد المجتمع»، مع مفارقة انه:«استوطن في طبقاته بحرية تامة وبكامل الحقوق والواجبات». برغم أنني لا أجد لهذا التدوير أي ظرورة كشفية تالية أو احتمالية ضرورية ملزمة للنص، حتى اضطرت هذه الفقرة الكاتب الى شروحات تمددت بافقيتها بخلاف سياق النص البنائي العمودي، كمراكز تأهيل الجنون وقوانين الدعم الحكومي واستبدال قوانين قديمة بأخرى مناسبة للوضع (المَرَضي) الجديد وحتى الشركات التجارية بانتاجها هواتفا «خيطية من علب نادرة »، بمعنى أن كل شيء اضحى يتمحور على ما انتجته الجائحة، كتأويل، كونها الحقيقة الوحيدة والصادمة ايضا.
وهذه مجرد اشارة قد توقض بالقارئ بعض التأويلات كقراءة نوعية تتطلب وجوده كطرف طالما اراده الكاتب على مدار نصه ألا يبقى محايدا.
غير أن تلك الشروحات والتي اسميها على نحو أصح بـ(الارتدادات الاجبارية) أضحت الوعاء القهري تناسبا وتقابلا مع واحد من الامراض النفسية التي جاء على ذكره الكاتب تحت مسمى (الوسواس القهري). فعلى ما يبدو ان الذاكرة تتمسك بالحلول في جو انعتاقها فلن تتحرر من قيودها إلا بعد اشباع متكامل او شبهه، حتى يركن الرياحي إلى ما يمكن تسميته بـ (تغيير قواعد السلوك) بعد سماعه غمغمة ابنه الوليد. ومع ذلك اصبح للصمت معنى اكبر بكثير من الكلام، وهي الإشارة الواضحة للمواجهة السلوكية في وقت حلول أي جائحة، لها ما يؤازرها كونيا بمعنى ان هناك قوانينا ستخلق نفسها بنفسها في الوحدة فتذكرني بكتاب “Walden.” لكاتبه ديفيد ثرو عن تجربته الاعتزالية بأن قوانينا جديدة ستبدأ وستفسر لصالحه. وهذا ما اكده طبيب المصحة قوله «اصبح ملموسا بمضمون شعري يتميز بعزلة تامة غير قابلة للدحض». وبرغم من أن الأمر استغرق اكثر من خمس سنوات ليكتشف الطبيب نفسه معاقا ومحاصرا بمنهجية بحثية صارمة لكن حياته لم تنقلب إلا بعد تخطيه مخاوفه التي اوعزها الى تأثير خارجي ولكنها على نحو اكيد حصلت بعد كم الأسئلة المعرفية تتقدمها حكمة الرياحي «تَعَقّل أيها الحكيم جنونك». وسؤالنا الأهم متى يبدأ التعقل ومتى يبدأ الجنون ليصبح عقلاً؟ لنعثر على اجابته بسؤال في الفصل الثامن عشر نسبه الكاتب لمدير المصحة كحلم بارد: «أنت تموت، فماذا سأفعل من دونك (..) ضعني على الطريق.. فأنا مريدك» ثم بجو غائر بصوفيته وشاعريته، ربما كان عليه اختزاله، ليقول جملته الأثيرة «نحن لم نولد كي نموت، إنما نموت لكي نؤ ّرخ ولادتنا على شاهدة معترف بها بين القبور» يمكن قراءتها على نحو: (نحن لم نولد حتى نموت) لتكون (حتى) كلمة عودة على بدء استهل بها الكاتب روايته «خلق الانسان ليكتب ». عندها سوف لن تكون الوقائع بحاجة إلى أي تأويل يذكر.



#هاشم_مطر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شقاء الذاكرة في رواية شاكر الأنباري - ينام وذهنه مشغول-
- -دورك يحدث فرقا- قراءة في كتاب -الدنمارك، نسير سويا، كل بمفر ...
- مغنية الحيرة... حيرة الزمان والمكان في تطابق بين الاسم والتأ ...
- زمن آخر للمكافأة -مجرد وقت وسيمضي- لشاكر الناصري
- سمير الأذى وطير السعد - حياة بين ضفتين
- ما الذي يلح على الكاتب أن يكتب؟ - العيش على الصراط- رواية لل ...
- -أموات في متحف الأحياء-.. ضياع -أثيكا- أم ضياع الإنسان
- - اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك- / الأثيري والأرضي في مجمو ...
- العتابي وتحولات المكان -هل الفُل عراقي-؟ نعم (الحزن) عراقي و ...
- خليل - خالد * -وأمانه يا دنيا أمانه تاخذينه للفرح أمانه..-
- عتاق يوم آخر
- - الهند أم العجائب- في عيد الحب
- كيف اكتب بعد غياب!
- بصرة - اورشليم
- -من ذاكرة الصور- صبا مطر بين حربين
- اشتقاقات الغياب - قراءة شعرية في نصوص محدثة
- كوپه-ديناري
- حبيبا الساحةِ
- -قافل-
- -شو بدي بالبلاد الله يخلي لأولاد-


المزيد.....




- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - نحن لم نولد -حتى- نموت- قراءة في رواية -سليمان الرياحي- ليحيى الشيخ