أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - - اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك- / الأثيري والأرضي في مجموعة الكاتبة جنان النعيمي















المزيد.....



- اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك- / الأثيري والأرضي في مجموعة الكاتبة جنان النعيمي


هاشم مطر

الحوار المتمدن-العدد: 7134 - 2022 / 1 / 12 - 09:46
المحور: الادب والفن
    


" اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك"
اخترت أن أبدأ بهذه العبارة الحارقة من كتاب (تعويذة السفر عبرَ عينيه) للكاتبة جنان النعيمي، الصادر عن دار سطور بطبعته الأولى 2021، وأجعلها عنواناً لمقالي عن كتابها المكتوى بحرارة عاشق أثيري هدهُ عشق مغامر في أكثر نصوصه.
لطالما تمنيت أن أقرأ كتاباً يفك معضلةً طالما ساورتني فيها الشكوك عن فحوى (الأدب النسوي) وعن طبيعة انتمائه، كتاباً مؤلفه امرأة ليست من "ظلع آدم" كتوصيف الحاقي متعجرف ورد في سفر التكوين، انما هي كذلك لأنها تسكن رغبته، تحرق أضلاعه وتحرق فيها ولادتها. وكما تقوم الكاتبة وتحتوي سكونك بسلوك النص المباغت من دون مقدمات، أقوم كذلك بذات الفعل الإجرائي لإتمام عملية النقد.
قلت قبل قليل (تمنيت)! بالطبع هناك الـكثير من النساء المبدعات حاولن تقديم نصوص صريحة، واضحة وجريئة، ليس من باب القفز عن الأحجام والتنفس خارج الأسوار المثلومة عبر تاريخ علاقة المرأة حسياً بالرجل، وانما كحرية تضع نصوصهن بعيدة عن المحاكمة والانقضاض الفض على منتجهن. بل أن يضعن تجاربهن على قدم المساواة مع تجارب (رجولية) لا تقترب منها المقاضاة لسبب رئيسي هو الحصانة التي يقدمها مجتمعنا بمجانية مبالغ فيها، بما فيها النزعات الإيروتيكية المهينة. أعرف أن هذا سيأخذنا الى متاهات ويلقي علينا بتبعات للحد الذي تكون فيه الأثقال غير محتملة، ذلك لجاهزية التأويل، فتُسكت الصوت الأنيق الذي يصدر عن إنات مبعثرة تجمعها كاتبة تكتب لنفسها حصراً. فماذا يحدث إن أطلقت لهاثها ترميه معطفاً على بحر البداوة والجحود بأن المرأة ليس لها ما يشغلها غير السبات المستديم، حشرة بائسة خرجت من ظلع آدم حسب التوصيف المتداول!

والآن نحن أمام نصوص نستشعر حسيتها، تندفع من مهجعها لتقول، بل لتقدح وتنبض بعراقة الألم وعمق التجربة، مطاوعة للخيال، لكن واقعيتها رافضة ومنتصرة على أي نقد لاذع. وبهذا المحمول الأخير سيحضر السؤال: لماذا هذا الجزم أن تكون منتصرة؟
نعم هناك أدوات احترازية/هجومية لا تقبل الثني لأنها محكومة بعدد من الإكراهات، لكنها بنفس الوقت قابلة للكسر أيضا. على مدى عقود من الحداثة كانت تحتجب المحاولات النسوية، برسمها خارطة نمو جينية، خلف تفاهمات عصابية وتحت ذرائع مختلفة. والحال أن طبيعة الخطاب النسوي، من حيث الدلالة كمفهوم أشمل، يتجاوز فكرة النطق بالكلام إلى الحسي الدامغ، أقولها بتصرف عن مقدمة "الفي بولان"* في كتابه (المقاربة التداولية للأدب) فلابد من تظافر عدد من الأنساق التي تفضي إلى الحرية وقوتها من حيث الاستلزام الحواري الملائم بما فيها المواجهات والاقتضاءات المقصدية التي تتقدم النص. وعليه فأن الأدب النسوي ان لم يرتكز على مفاصله الهجومية والواضحة والصريحة بالمواجهة سيخضع بالنهاية الى المهادنة والتمييع. وبذلك، وعلى نحو مغرٍ كما ظاهرية المرأة، فأنه سيعكس درجة تحصنه بالكشف عن عالمه، حتى من دون الإشارة المباشرة، فما بالك بفض الحجب الرثة من حيث التلميح الى الإفضاء أدبيا نحو مسايرة طبيعية ستضع الناقد والقارئ في مساحة تداولية غير محكومة بتنزيهات واجترارات باهظة العتمة وغير مكتفية إلا بذاتها. وهذا ما سيعينه في مادته كونه خطابا مميزا.
ما فعلته الكاتبة في مجموعتها، التي لا اشك بترددها عن نشرها لزمن كافٍ، منحها تلك الفسحة المتوخاة أن تضع بضاعتها تحت شمس الحرية الصادمة بحقيقتها اجتماعيا، وبنزوعها الوجداني المرهف، ثم عزفها بالحان مختلفة لتقول إن الأدب النسوي المقتحم للأسرار لا يحتاج لرجل عقيم، وأن ولادة حقيقية لأدب انساني نبيل لا يتم من دون الاتساق المعرفي ومن دون مساهمة الاثنين معا. غير أن هذا لا يعني أن الرسم البياني للنص هو مؤشر دال لواقيعته، وعليه فأن عناصر أخرى ستدخل في جودة الخطاب. هناك الكثير من المساهمات النسوية الغارقة بواقعيتها، انها حكائية متناقلة، في وقت يتطلب النشاط الأدبي مستويات أخرى من القول. لا ادعي أن جنان قد أطلقت صورها بشغل مبهر وكافٍ، إنما لا انفي أن تجريبية نصية لها خصوصيتها، جرأتها ومخيالها واشتغالاتها بين القصة والانثيال والشعر، فرضت هوية النصوص ضمن مسارات وقتية قد تبتعد الواحدة عن الأخرى، تؤشر الى اشتغالها بأبعاد زمنية متباعدة ربما، لكنها تصيب هدفا واحدا هو الحسي والشعوري الواقعي.

(عندما كتبت الكاتبة أناييس نن ) نصوصها/ يومياتها عن تجربتها لم تشغل نفسها لا بما سيصطدم بتجربتها ولا بما ستؤول له كتاباتها المتحررة، ولا يعني أيضا أن هناك ضامن اجتماعي وأخلاقي يقيها الهجوم. بحثت عن بريتها كواهبة للحياة ونطقت كإنسان انثى بكل اللواعج والانثيالات اللاهبة ولم تسديه إلا لنفسها. لحظة الصدق الوجودي هذه كانت لدى جنان أيضا في مجموعتها التي اطلقت صوتها المكتوم عبر قرون الا يسمعها غير شغاف قلبها والتهاب مشاعرها الراكدة عنوة بفعل كثافة الأسوار وزيادتها علوا مع كل زمن يقابله في الغرب حرية أنصفت النشاط الجندري للمرأة لحد كبير. وحتى كلمة إنصاف هي مجحفة لدلالتها أن هناك من يقاضي فيحكم! لنلاحظ أيضا اصطدام المترجمة الأديبة اللامعة لطفية الدليمي* بتلك الأسوار والممانعات التي جعلتها في موقع المراعاة ، ولا اقول الجرأة، على عدم ترجمتها، فاختارت من جهد "نن" ما هو إنساني وما هو مفض للحرية ممتزجا بروح العصر. وبرغم كل هذه العناية وصل صوت "نن" معشقا بالتساؤلات الشقية، التي هي الأخرى، من باب آخر تخر صريعة تحت ملفظوظ واحد: المحرم والمنافي للأخلاق والأعراف.
كتبت جنان بذات النفس وبتلك المرارة ووظفت له إبداعها، في عدد من المباني الكتابية كل له وظيفته، كوصفات شفائية طالما كان الجرح الأنثوي متواريا عنها لنفس الأسباب.
وكنتيجة لعدم الثقة أطلقت عبارتها الأولى: " اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك" عبارة أطلقتها الكاتبة سوغ لها (الباراسيكولوجي) من حدوثها بالتخاطر مع حبيبها الذي طال انتظاره، وأن موعدا مفترضا سيلغي الواجبات اليومية والاحتياجات الضرورية للعيش. بحيث وضعت أحاسيسها واستشعاراتها في حالة من الحضور الذي سيبطل أي حاجة تحت أي مسمى، للحد الذي أوصلها أن متغيرات الطبيعة والحاجة للدفء لن يبدده غاز البائع الجوال، انما القرب المحتمل جدا من لقاء الحبيب الغائب الذي أوشك على الوصول بتخاطر نفسي وروحي وأن اللقاء حاصل لا محال وان الدفء سيعم الوجود وليس الجسد حسب. هذا الدفق الإنساني الغائب بجزءه المتخيل هو حقيقة الضياع المؤجل، وما لم يحققه الواقع سيحققه الخيال وواسطته الاستشعارية بحضور الحبيب. وهكذا توسع الكاتبة حجم المشاركة الوجدانية التي تقترب في مجتماعاتنا من الاستحالة أكثر منها الى التمني لتلامس استحالية رجولية أيضا تقارن بحجم الرفض ليحل محلها تواصل روحي ليحل العذري بدل الملموس البين، والهوى الموشى برغبة الانتظار أو حصول المعجزة بدل سلاسة اللقاء.
أن استبدالاً غير منطقي جرى التمسك به في وقت يبقى نزوعنا للبرية الصافية هو ما نؤجله طواعية بفعل المسلمات التي أخذت نصيبها الُمبجل كخيانة لحس إلهي طبيعي من حيث الحضور المنتصر! إننا نعيش زمن فن الانتصارات الغبية إذن، فكل ما هو إنساني لا بد له أن يحشر في خانة الخيانة، دينية كانت أم مجتمعية متوارثة. سلسة من الانقباضات خليطة من الرفض ومتعدية الى الصوفي منها، كضمان، أمسكت بتلابيب لباس الكاتبة المحتشم لتحدث فيه بعض الثقوب، ليس عجزا عن القول إنما احتراما للثام والحجاب المجهز سلفا، ليس شكلا على نحو أكيد، إنما تعمية لروح الخلق العظيم. فهل تساءلنا يوما لماذا لم تُغطى النجوم أو الشمس أو الأشجار والبحار بحجب؟ ولماذا لم يتسم سلوك مجتمعنا بالحالة الطبيعية من دون ليّ عنق أو توجيه لا يفضي إلا الى مسايرة السيطرة على القطيع من حيث الإيغال بتكريس الخادم الضروري للسلطة أي كان نوعها؟

ومن جانب متعلقات النص ذاته، والحال هنا عن شعورية حسية مختومة بحتمية القرب من الحبيب، غابت الصور الباهتة لتحل محلها بشاشة بائعة الحليب الُمبكرة جدا بحضورها، كناية عن يوم جديد، بعد أن كان موعد حضورها غير مرحب به قبل انسلاخ الروح عن أسوارها المذلة وأن يوما سيكرر نفسه بنفس الروتين فلا يفضي إلى البهجة التي وضعتها الكاتبة على وجوه الناس المرحة، وكأن فايروس الحب انتقل اليها لتبدو بهذا البهاء والملمح الصافي وعودة الحياة.
تنصرف الكاتبة الى هذا المبنى التأملي في نصوص أخرى فتأتي على نحو عتاب أحيانا ومراضاة من جانب آخر تظهر بمشغّلات نصوصها، فهي مقتضبة ومقتصرة على زمن حدوثها، كأن يكون في نصها الثاني قراءة بكتاب شعر الحبيب الذي يدفع بتساؤلات المرأة المحبة إلى حس خيانة العواطف من جانبه. حتى تقوم بترحيل وجداني صوفي كي لا تطعنه أنه يكتب عن امرأة أخرى «بألفاظ مبهرجة وعبارات رنانة ... لم اشعر بحرارة مساقطها على مسامعي ربما لأنني لست المقصودة منها»، فتقوم باختلاق الأسباب لتذوب فيه مجددا على نحو متطرف باستعارات الهيه وذوابان صوفي يجعل مقولة (من ضلع آدم) معكوسة تماما، فالمرأة العاشقة هي منبت الظلع الذي خرج منه آدم، أما اعوجاجه فهو محض لقاءه بالحياة ومغرياتها. ولنا قول آخر إنها لن تغريه بتفاحة سوى أنها أرادت الإبقاء على قربه أن يتذوق الطعم الغريب فلا يجد فيه غرابة ومتعة أكثر من حضورها الممزوج بحسية الخلق العظيم. قطعة الهية خضعت لتجربة أثيرية اراد لها الله/الخالق: ماذا سيفعل الرجل حين يمارسها ويطلق رضاه لمتعته حسب! حتى تقترب الكاتبة من التدرج الانزياحي، وقت انعدام الوسيلة، الى نوع من التوسل «هل لي بمنّة رحمتك وعطفك كي اسن شريعة تصوفي فيك؟». فتختلق له الأعذار إنك «مقدّر علي .. ولو كان بمقدورك الحيد عن نجمة اهتدائك لفعلت لكنك مقدّر عليها...» وكأنها واثقة من منبتها مثلما هي واثقة من خضوعه للمساومات: إن ابلسية الهية تلبسته فأحكمت الرجاء بالأقل الممكن، مكتفية بالنزر اليسير من الرضا وتنتهي به كأحجية لا سبيل لحلها «عطائي ونضوبك ». وبرغم هذا الانتصار المعنوي للمرأة العاشقة فأنها تمنحه ما لا يحتسب كرمه وعطاءه، وهو ما احسبه من اعنف المواجهات أن تهب سلاحك لخصمك، «إذ تكون الغلبة والسطوة لحرفك – كما هو الحال دوماً – ولا يكون لحرفي الا الانصياع له والاتباع.. ».
ان الكاتبة يسكنها عشق صنعته بنفسها لتبتلي به، وهي من ذات الصنعة التي اشبك الخالق نفسه بشباكها بعد أن خلق الخلق. صنعت معشوقها لتحتار بأمره فارم علي بالحجر ما استطعت فأنا حبك الأول والأخير وانت المشرك الأثير. وبهذا المعنى الذي وهبت آدم طواعية وسلّطته عليها جعلت تئن وتصرخ لشدة احكامه الوثاق.
تحاول هنا في قصصها التالية النزوع للتمرد. وهل يستطيع من احكم القيد وسلّم مفتاحه لنده لتصبح مقولة المتنبي (فأنت الخصم والحكم) تخضع لعاديتها؟ من حيث نفاذها في جسم التجربة النسوية المريرة كونها اغدقت سيل تفانيها بالحبيب، بارادة قد لا نجدها في معجم ابن عربي عن (لوازم العشق الإلهي ) فهي مفتوحة للاجتراح حسب الزمن والتجربة «كان يسنّ له شريعة ولا يرضى أن يحكم بها عليه ..» في وقت نرى بوضوح ان حواء هي من سنّها وسلمت نفسها طواعية لأسر لا ترغب مغادرته. فهل عرف الحبيب هذا السر؟ بالقطع لا! هذه اللازمة تضعها جنان كحسية متصارعة مع الذات باحثة عن (الند) كرغبة مقنعة تناولتها كسبر روحي قد يعادل فقدانها وضياع سلطتها على آدم الذي تمادى بها كحق شرعي، يتظاهر بمنحه ربانيا وليس وجوديا، منحه الحبيب لخصمه وحكَمه، «ان تحبه كي يزداد هو عقوقاً… »
هذا الشكل من الصراع جعلته كذلك، في خانة الاشتياق المنكفئ والمكتفي أيضا أن لا يغيب الحبيب فيتمادى هذه المرة بسلطة الهجران المبهرج كونه صاحب القول الأول والأخير. غير اننا نجد من جانب آخر رغبة بالعودة الى المنبت الأصيل، وما أن يوشك أن يبدأ بأولى خطواته حتى تعيده الكاتبة الى بداياته كرغبة تجعلها تخفق كلما كادت حرية ما أن تتحقق. إن في تظافر النزعات المختلفة حتى وصول الأمر الى الازدراء، فأن منحى سينتمي كذلك لسلسة الرغبات الحسية، هو أن يصبح الكره ذاته نوعاً من الحب كأصالة مدمجة، حتى قاموسية المفردات من حيث الاشمئزاز والغضب ستتجه الى الاقتراب الشديد. ولعل في حرارة الشرق ما يجعلنا نتأكد من حجم المساهمة الشرقية التي رّشدها فيما بعد البحث الغربي، لكنه لم ينفك بأي حال من الأحوال من العودة اليها مهما تم التأسيس المنصرف نحو العلم منه الى العاطفة، وهي اللازمة الكونية للخلق، مع مراعاة الميل الحضاري بصفة الجشع، وما أكثر الأمثلة عن هذا التناقض بأن نجد أجمل النصوص وأعذب الموسيقى خرج من جبة هذا التناقض.
ومع حضور الأسئلة في نصها لحظات الضياع، يتأكد لنا ان الاشواق ليست حكرا على الأفكار كما أن الرواسب الحسية هي ليست مدعى للتندر، فيما يبقى الكشف عنها ضربا ضروريا في ادبنا، خجلا أو مراعاة وحتى خوفا. وبعبارات محررة ومفعمة بالبوح المؤجل استطاعت الكاتبة أن تضع التويج على الزهرة، والرحيق على البتلة الناشبة نحو الحياة «ضفتا مجستي تبحثان عن كوثرك...أرداهما الظمأ...» ليس توصيفا ايروتكيا بقدر ما هو انصات على نحو سريالي، انساني باهظ الحضور ولكن أين يقع ومتى يحصل؟ هناك اجابة رشيقة تختصر كل علامات السؤال مقدرة اللازمن واللامكان، فهناك عدد من الاستجابات الكامنة تحمل بريتها وتوحشها لا يمكن كبتها، ذلك لأن زمن اضمحلالها يكون على نحو متواز مع اشارات الطبيعة بكل جمالياتها وغرائبيتها، بل حتى بشاعتها احيانا، وهو أمر مزدوج، غير ان عالما خفيا يندفع الى اكثر مما هو متوقع وبذلك تنمو الاشارات ذاتها كتركيبة سيميائية باحثة عن توصيف معادل. هذا ليس اخفاءً للحقيقة المقموعة والمتلحفة بالحجب، ولا كشفا عنها مطلقا، ولا هو ترجمة! فما هو إذن؟
عندما نحث السير نحو الاجابة تصادفنا ملايين من الاحتمالات، وطالما كانت الملايين معدودة فاننا لا بد أن نصل الى لا نهائية بكل تأكيد. أما القول والكشف فما هو إلا حالة أقل من محتشمة مهما بالغت بصوتها! لكنها تجابه كذلك بصمت مطبق من قبل قمم السلطات وحتى البشر بأحسن حالاتها. اذن هناك السلطة المجهزة ضد اي نمو طبيعي، وما القول الجندري، مع حق الفصل عن الجنس الأنثوي، البعيد عن الإثارة والضامن لحق الانتماء والحس الخارج عن التوقعات، كمنفعة، الا ضرباً من الميول المستهجنة، فلا بد من قمعها مجددا.

اشتغلت الكاتبة في هذه المساحة، وهي ضئيلة، فأتاحت للقول أوجه عدة تحمل رفضها فيأتي التضاد على نحو أسئلة تزيد الحيرة حيرة والقلق قلقا، حتى يصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب الذي تغيب معه الاشتراطات. هنا لا يكون الأمر محبطا كما يظهر مع الجمع بين الجنة والجحيم، بين القدسية والانكار «أنت اقرب مني من طرفة عيني... وأبعد عني من خطيئة آدم التي دنست قدسية نبوته ساعة هبوطه أرض الخطايا والآثام...» وأية آثام؟ طالما يتعلق الأمر بالذات السجينة بحب المعشوق فهي أعلى دراجات الحرية. أما نظام القول وتصنيفه فهو مشروط بالبحث عن الحبيب، ربما يكون مجهولا صوفياً، ولهذا يتم المزج بين الربوبية المانحة والأبليسية التي تتحد مع الأولى كسياق لا مفر منه.
لنخرج قليلا هنا، الى محاورة الرب قرآنيا مع آبليس الذي يعلم تماما فشل مهمته وأنه خاسر لا محال، ويعلم الرب كذلك، وبامكانه ايضا ان يلغي محاولته، لكنهما ينحيان نحو الفرصة، وفي هذا الانزياح لن نعرف من منهما سيخسر الرهان من حيث حرية المحاولة، أو أن كلا الطرفين رابحان! وربما الخاسر الوحيد هو الانسان، ولكن الرابح الوحيد حصرا هو المزج الصافي بين ضدين متناقضين متشابهين متقاطعين بانتظار الفعل الحسي الصادم لما سيؤول له الانسان بمحاولته المخبولة التي لا ترتضي حكم الطرفين المسبق. فما بين الربوبية والأبلسية شعرة يقف عليها الحب بكل تجلياته وسيكون هو من يكسب الرهان وبهذا انزياح كبير اشرنا له. ألا في ذلك حرية مدهشة وشفاء، والأكثر دهشة هو تضاد قيم الخلق مع نبض الخالق فالإله «لا يلعب النرد النرد» كما ذهب انشتاين بمقولته عن العلم، وتنطبق كذلك على الجانب الحسي، فهل تأملنا الأرقام مثلاً من جملة العد الى التسعة تتكون اللامنتهيات وهو اللا منتهى اقتراناً « يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى » وبعيدا عن أي تأويل، ولست شخصياً من الباحثين عن تقديس العبارة، لكنني اتناولها بحرية كثيفة تضاري بعدها البصري اللا منتهي في شطر الآية الثاني، أما الأول فهو مجهول تماماً معروض عليك ايها الأنسان، فهل لك طاقة اكتشافه؟ قم برحلتك اذن واكتشف سرك وعاطفتك؟
اعتذر للكاتبة انني اشذ عن السياق احيانا، ولا احملها وزر عباراتي الجريئة، لكنني التمس العذر لنفسي على نحو لا افارق في بحثي التصنيفات مهما كان منشأها، وربما يعتبرها البعض كفرا او تجاوزا للقدسية، غير أن الأمر ليس بهذا الابتسار. فعندما تقول الكاتبة «متى نقيم طقوسي مجوسيتنا في تلك الصومعة التي شهدت تراتيل صلاتنا وآثام كفرنا...؟» فما هو الا انعقاد لسلسة من الموجبات والسلبيات الناشبة من وحي الخلق ذاته. الم يقل «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فالهمها فجورها وتقواها» فهل لعب الرب النرد اذن؟ وعموما ليس في نيتنا التفسير والتأويل أكثر من الكشف للبناء الحسي الذي لا ينتظم بغير صراع الضدين واتحادهما ليكون الإنسان مخلوقا مترفعا على اللغة ذاتها كأداة بجانبها العقلي المفرد البسيط (الكلمة ومعناها) الى قدرته بخلق المعنى باللامنتهيات، وبرغم ذلك لا يصل اليها طالما رافقته بل أن مشغّله كان العاطفة والتجربة والحسية. ومن جانب حرية الفعل الوجودي كأن يكون الخلق بأبهى صورة له يكون الإجهاز عليه بحركة طبيعية كذلك كسونامي او كارثة تطيح بالجميل وتخلق المأساة. تلك المفارقة المؤلمة لن نفهمها مطلقا اذا لم نستعن بهيولية (غير العاقل) الذي يستجيب للضرورات، وما شكله الأنسب سوى اعادة الخلق لمستواه الأول.
نقول هذا لاننا نرى في جهد الكاتبة بوحاً (لا أدريا) يشاغل كتاباتها مستعينة بأكثر من مبنى مادي كعلم الباراسيكولوجي وانماط التعمية العقلية وضدها، والإيماني غير المنتمي ايضا. وبرغم كل ما تفعله تصل لقولها (لا أدري)؟ فمن الذي يدري إذن وهي صاحبة القول والتجربة؟ ومن سيفسر الأمر إن لم يكن عاشقا أثيريا، حتى لو كان الجاحظ نفسه الذي اوردت عبارته في احد نصوصها. من الواضح جداً انها تدري بحدود ما تدشنه على مقاساتها من البسة كعاشقة لا تستطيع الفكاك من رداء معشوقها. لا يهم أن يكون كيانا صافيا او معنويا صرفا ولكن أن يكون باسلاً تليق به محاولتها الانسانية، وبالنهاية أين سيضع العاشق خيباته؟ لذلك تقوم هنا باضطرار لا يفضي سوى الى اضرام النار وسعيرها لشدة اضطمامه على ما خلاف ذلك وهو العاطفة الجانحة لفتيت الروح الموشاة كخزف منمنم، ولوبانها بالنار التي تصطليه. على ما يبدو ان درجة الامتاع يفوق التصنيف المتعارف عليه، كسادية شقية، وهي صفة تظهر لدى الكاتبة بتجليات مختلفة لسبب الاحالات الواجبة التي تحملها النصوص. فما ان يحضر اللقاء حتى تستفيض موانع أخرى، ذلك أن الحبيب يتمظهر بلبوس شديدة التناقض ايضا، بين الرغبة من عدمها، بين الغياب والحضور، بل بين الفردانية وتماهيها. وبهذا تكون فكرة الذوبان الصوفية حلا مؤقتا علها تسد باب السؤال في حال لحظة التوحد على اقل تقدير.
قصة (هو وهي) و (عقارب سندريلا) كمثال، لهما نسيج من اسئلة واجوبة افتراضية ولودة، فهي لا تكرر الاعتقاد، لحظة من (اللا) إتمام مخافة من السكون المطبق، أو الذي سيحدث حالما تطبق السماء على الأرض. أما مجموع المتناقضات الانسانية المبسطة والارشادية فهي معطلة هنا تماما. فمع تدافع الأسئلة تبدأ الأجوبة بالتناقض ثم تعود الى تلقائيتها بعدما بدأت بالنفور والمجاهرة الصوتية. كل هذا من اجل الابقاء على الشوق الجارف حتى في اقسى عذاباته، وبهذا لن تكون السادية نفسية مَرَضيّة، بل هي مفترش وملحف الاشواق بنار يبقى وئيدها دائم الخضرة، اقول خضرة لأنها معطاء ونابتة في (جسم) الرغبة للقاء الحبيب. غير أن شروطا تبدأ بالتغلغل والتنامي بحيث يكون الغياب هو ما يغذيها ويجعلها يانعة كنزوع ورغبة وامتناع. ممانعة لا تقبل الحضور، وحضورا يتقبل الممانعة بترحيب. أما المكان ذاته فهو (كهف) غير معرّف استخدمته الكاتبة كصفة لبرية اللقاء المتخيل، فليس هناك ما يدل على حصول الأمر واقعا بل يبقيه بافتراضيته، ذلك ان عملية اللقاء الواقعي سيلغي عدد الانثيالات الواجبة لحركية النص ويوصله الى نهاية قصصية رتيبة وان كل لوازم العشق ستتأثر ثم تختفي تدريجيا مع اللقاء الواقعي.
من هنا استطيع أن إؤشر بسهولة الى تجارب العشق العذري التي كان لها الأثر بالاصابة الدقيقة للمعنى ليبقى اصحابها في لوعة دائمة وبانتظار قاتل حتى موتهم السريري، في وقت تبقى قصصهم من أجمل التوصيفات الخالصة والمخلصة من حيث نزوعها للخلود، بل تصيب الفنون جميعا. وهكذا هو الأمر الذي انتقلت عدواه الى نصوص الرسائل والحكايات في عصرنا على ايدي كبار الكتاب في تجاربهم الشخصية والمتخيلة. فهل كانت حكاية روميو وجوليت ان تكون قصة حب خالدة ان لم تنته الى مأساة، وهل كانت رسائل غسان كنفاني تنطوي على هذه الانسانية الباهظة ان تم اللقاء كسياحة عاطفية مكتملة، فيما ينحو البعض منهم كـ(جبران) ان يبقي الأمر في خانة انزواء كي لا يدنسه الواقع.
قمت شخصيا بكتابة سبع حلقات نشرتها الكاتبة فاطمة الفلاحي قبل اكثر من عامين استفضت فيها عن فن رسائل العشق فلا أود تكرار ما كتبت بقدر ما أقوم بضم كتاب الكاتبة وجدان الى هذا العالم الكسير. اقول كسير لأن العاشق أعزل بمعنى الكلمة المكتفية فلا سلاح للعاشق حتى في حبه، فهو يخرج من بين اصابعه زئبقيا لائذا بخصب ناره، مفككا لمعنى كلمة الحب التي نصطدم بها يوميا بالمئات، غير انها ذات الأحرف لدى العاشق إنما فعلها غير، وخصامها مع الذات مرحّل كونيا خارج الجمود الى فضاء جعله الخلق نقيصة محببة في ادراك المحب ليخلص بالنتيجة الى نقطة يتخطى فيها الايمان إلى الشرك والعقل إلى مناورة كونية ليبقى خالدا وصافيا وغير مدنس بفعل القوانين المدرعة، وملاحقة بجلف الأعراف وابتساراتها.
لماذا تمنح المرأة سلاحها للمعشوق اذن؟ لماذا تجعله معطلا بافراغ مخزن عتاده؟ هل سيكتب الرجل بدلا منها عن حسيتها مثلما تقوم بواجب الأعراف أن تمنح صوتها لوكيلها؟ هل لصوتها أن يخرج من تحت لسان لا يفقه معاناتها؟ وان قالت ماذا ستنتظر؟ هنا العدالة لها حصة كاملة من عدم الانصاف.

قبل الاسترسال عن ذلك ندرج بهذا المعنى، على نحو محايث من جانبه الواقعي المرير، صمت التجربة في قصة الكاتبة (إنطفاء سابق) في مضمار انتقال حالة العشق الى اليومي لتحمل الحالة موجبين أو سلبيين: «اما نحن فلا يجمعنا شيء.. حتى الورقة الخضراء التي كنا نحلم أن تجمع اسمينا، نسينا أو تعمدنا عدم توثيق اسماءنا فيها..» وبغض النظر عن طبيعة الترشيد الديني أو المجتمعي عن الاشارة (للورقة الخضراء) كاستعارة مكثفة لحقيقة دامغة كامتثال لتحصين الواقع بجانبه النفسي، فهي ازدراء ماحق للعشق (لا يبقي ولا يذر) ليصبح الخواء الصفة الابدالية، والسأم هو حضور اللااُبالية Indifferent وهي قاتلة بكل معنى. يضعنا هذا النص مرة اخرى امام جدوى القوانين البشرية بعدم املائها الفراغ الأثيري الصادم وقت قنونة الاحاسيس أو ترشيدها، كما تزعم الأعراف وبدرجة اخرى التأويل الديني، بتحويل مجراها حتى يتم التحايل عليها بنعوت تمويهية وهي أشكال العلاقة الدارجة كزيجات وزيجات عرفية فهي صفات تعويمية لشكل لا جذر له ولا أساس ومنقبض لحد الموت ليقتل كل ذي جدوى ابهارية للإلوهية المطلقة وحسيتها. حتى تنتهي الكاتبة الى قولها «لقد سئمت الصبر .. وسئمت الحب وسئمت القلق وسئمت الدنيا... ولن أجد في غربتي مع من احب الا الانطفاء.... والانطفاء فقط »
نعود قليلا:
اكاد اجزم ان قوانيناً غير معرفة تنطلق حسيا وقت الخلوة الـ remote تتشيأ تدريجياً لصالح صاحبه، تحل نفسها بنفسها، ويكون فيها الحس بجدوى الغياب عنصره المباغت كلما أوشك الصمت أن ينشب ظفره فيبقي على اثره مهما كانت مداراته باذخة وقت الكلام. اذن للصمت قيمة افصاحية، فأذا ما تأملنا الكلام والقرب هما صفتان تقومان على عمودية ما، فهي منظّمة وجاهزة وكسولة، فيما يكون الصمت والوحدة محاولة اعتراضية افقية تعزق في مكان آخر، مكان منتج للألم الإنساني النبيل وخلاق في مستويات عدة، وبذلك امتلاك المرأة لأسلحة تشق عذاباتها بعد تخليها طواعية وبحرية عن اسلحتها الجارحة لصالح الرجل.
ولعل نص الكاتبة (الهروب من الجنه) يمثل انشقاق المعنى وتحرير المحاولة من يأسها بعد أن اكملت الكاتبة تسؤلاتها فأختصرت مسعاها بما يشبه القنوط «قد ادعي حجة آدم الظلوم لنفسه، فاهرب من جنتي وسدرة منتهاي» سيما ان هذا القول نجده يتكرر بمضامين مختلفة في جهد الكاتبة (حسب ظرفه ) كما هو الأمر عليه في نص (عقارب سندريلا) بسبب أن قيمة الإجتراح يكمن في تحولاته فما فائدة الحفر في بئر واحدة غير منتجة او في فرصة المراهنة على الابيض والأسود؟ وهنا الكلام عن حرية امتلاك السلاح بمعنى اختيار الساحة المناسبة لأحاسيس الحب.
يُخضع الكاتب "رولاند سوزا"* فكرة لأنجلز عن العبودية للضبط العاطفي موجزها أن لا معنى لها بدون الاختيار فأن لم تكن حرة بذاتها فهي معطلة تماما، حتى ينتهي ورلاند بقوله «وهذه الحقيقة أوضح ما تكون في الحب: إن لم يُمنح الحب بحرية، فبالكاد اعتباره حبا». لذلك وللسبب ذاته يتخلى العاشق عن أسلحته لصالح معشوقه، فيما يكتفي هو بأسلحة لا ينازع على حيازتها من الوحدة والتأمل وحرية الألم، لا غلمة فيها بقدر ما هي جنوح الى اعلاء الرغبة من طرف واحد.
مدهش! اليس كذلك؟ من طرف واحد! بالضبط كذلك! فطالما كانت المساعي بمجملها تفضي للقرب فأن الحب هنا احاديا لا محال، حتى وان اجتمعت العناصر بنقائضها، فهي في مقاربة وليست مقارنه. لماذا؟ لو عدنا للأسباب، انا شخصيا لا اعنى بقدسيتها غير انني اضعها كأمثولة بشرية، وهي: إن اسباب آدم في خروجه من الجنة هي غيرها بالنسبة لحواء قطعا. كائنان يجمعهما الشكل، فيهما موجب وسالب متغير الى سالب وموجب. اذن هما طينتان مختلفتان حسياً، وفي هذا تقارب صارخ، اما المحتوى فقد شيّئته الواقعة كإجبار، وعليه لابد أن يكون هناك فعلا اجرائيا تمخض عنه تلازم عنيف مع قبول الضد. فماذا لو تشابها بخزينيهما؟ الصمت المطبق بالطبع، وهي ظاهرة وجودية فلسفية لا تفضي الى المغامرة قطعا. وعكس ما نظن يكون الحب ايضا، فهو متوحد وجدّ بعيد بحيث يكون ضموره موت مؤكد. اما الحضور فهو مساحتة الهضبية التي يتم تجاوزها من دون اشباع لأي عنصر من عناصر الرغبة التي يتقن لعبتها آدم فيما تكون حواء المشكك بجدواها وشعورها بالخواء:
«وبت أشفق على قلبي الذي تعذب فى اشجانه زمناً .... ولم اعد اقوى على مجاراة اشواقه.. ولا الغوص في بحر احداقه.. إنه يغويني بعاطفة، لو جاز لها الافصاح عن كنهها، لغطت بقاع ارضي المقفرة واحتوتها بسيول هدارة. .»
حتى العودة للبدء «لا الانفلات من فلكه يرضيني... لا الانصهار في عشقه يحييني.. مادام الحصد منهما قلب مثخن بالجراح، ودمع رخيص مهطال». ثم تقول في نص آخر ما يعاكسه بتساؤل «لماذا أتناسى ثاراتي الموغلة في القدم ازاء بني جنسك عندما اضع رأسي على كتفك؟ »
نلاحظ مع انتقالات نصوص الكاتبة، مناسباتية كـ انتظار، هاتف، موعد، تهويم، تأمل… الخ. وبمجمله وبصرف النظر عن التجربة الشخصية اجده مجهوداً واضحَ الانتباه الى العام منه الى الشخصي الممل في حالة عدم ترحيله. هنا يظهر تعامل جنان مع الحالة كمنتج انساني رفيع مع آثاره الجانبية المتوخاة من الإصابة او كحصيلة ثانوية by product وهو القوة المانحة وليس المردود المتوخى ذاتيا. وبنفس الوقت لا تسعى النصوص الى نجاح محدد لأنه لن يحدث، وهو ليس هدفا بحد ذاته. هذا المعترك الأصيل نراه بوضوح مع خيبات العاشقة المتنوعة التي أتت عليها النصوص، كما وان الأمر يبدو أن هناك خللا في موازين العشق يفضي الى عدم التوازن.
هذه الرؤية هي قديمة من حيث المنشأ والفحص أتى عليها الأقدمون كعواقب في سجل العاشق فينسى نفسه وتضطرب روحه في خفة وصفها الشاعر العربي (حامل الهوى تعب يستفزه الطرب...» يحصل هذا في لحظة الفصل بين الجسد والروح ثم العودة لما نصفه بالحب المقدس، ذلك ان لا ثالث بينهما، وما الحبيب الا شكلا هلامياً بصفة انسان محدد، وبهذا تأكيد على ما اسلفنا ان للحب طاقة احادية أكثر من تعلقها بنقيض واضح المعالم. تقول الكاتبة في واحد من نصوصها «كان هناك من يريد اقتحام عالمنا القدسي بتطفله… ألا يعلم انه متفرد في مناجاة افكاري، ومناغاة هواجسي ؟!!». ومع هذا الدمج الذي تشوبه الصناعة، صناعة حبيب، حتى وإن لم يكن موجودا فأن مخيلة العاشق الأثيري ستصنعه لا محال، وهنا يبدر السؤال: هل أن في كثيف الشعر الجميل والغناء والتطريب أيضا، ما يؤشر الى تجربة شخصية من حيث القول والتأثير الحسي بالمتلقي؟ لا احد سيجيب بنعم، ومع ذلك سيبقى الأمر غير مكتفٍ بل يجاهر بشطوحه الى الأبعد. حرم السُلاف لأنه سيقعد الحرب، وهل هناك حربا اشد ضراوة من العشق ذاته؟ وما قيمة السلامة من دون ان نفهم قولا معاصرا، على سبيل المثال، لأحمد شوقي «مولاي وروحي في يده، قد ضيعها سلمت يده ».

هذا التحول الحسي افردت له الكاتبة نصاً كاملًا تحت عنوان (وخز الغربة) وكأنها تلغي سفرها العاشق بعدد من الأسئلة المفتوحة التي لا تنتظر أية اجابة، لكنها بلا محال تنتظر استجابة ما. ثم اكملته بنص (لماذا..؟ ولماذا؟) فلا يمكنك حصولك على الاجوبة في حالة استنطاقك عضلياً لمكامن الشعور مطلقاً، فهي لا تعمل كما العضل، وهذا ما اتى عليه عدد من الباحثين المرموقين في سعيهم، لذلك لا ادعي حيازته لكنني سأسعى له اجرائيا. تقول الكاتبة «هذا الانسلاخ من عالمي الجديد يحيرني .... وهذا التراجع غير المتوقع يخمد في كوامني أجيج نار كانت تلتهم كل رواسب الماضي من نفسي وصدئها»، حالة من اليأس والخصام وعدد من الجلد المبرح لغياب أثر السوط على الجِلد، بما فيه غياب العالم الذي كان قبل هذه اللحظة مفعم البهاء والازدهار بما وصفته بالجنة والسموات السبع وغيرها من الانثيالات الوصفية. ومع غيابه إلى أين سيتجه هذا العنفوان وهل سيذهب خزين الانسانية سدى ليعود المرء إلى توحشه؟ أن يغذيه العشب والتنمر على فريسة؟ وهل بعد أن قطعنا هذه المسافة الضوئية سنعود الى بداية وكأن الأرض تدور والكون يتفرج بصمت مطبق؟ بالطبع أن هناك تماثلا حركيا- فيزيائيا تنتقل خصائصه إلى الحس والشعوري، فما معنى الجمال مثلاً من دون عين تراه وعقلا يفسره؟ وهل يمكن ان نطلب من الأسد الاسيوي ان يكون رحيما ومبتسما لانه يعيش في جنان الغابات وتحت مساقط المياه الرائعة خلافا عن اسد الصحارى؟ زد على هذا بما تراه بنفسك، فلن يختلف الأمر بجغرافيته إن اعتراها الجفاف أم ان الثلج غطى وجهها.
كل ما في الأمر هو ان هناك قيمة تحويلية، حتى بالنسبة للمعادن، فلن تستطيع استخلاص الشيء الا من مواده الأصلية على نحو كيميائي صرف، والا سيكون الأمر ضرباً من السحر او (كن فيكون). هنا يكمن التحول الحسي بنزعته الكونية الرحبة وليس اليومية الضاغطة، وان بدأ الحب بمسمى الحبيب بوجهه وكيانه فأنه لا بد من أن عملية الانتقال ستأخذ في جانبها الحسي سمات مشابهة، مصحوبة بعدم الرضا نحو الكمال، لتكون المثل الأشد وجوباً، وان لم يمكن أو يظهر ذلك واقعياً، لكننا سنتحسس الاستجابة له بطغيان الأثيري المبهر. والحال اذا ما استثنينا ذلك من النزوع الحسي الانساني وموجباته وتناميه المتجدد فأننا سنركن الى جنسانية متوحدة يثقلها الاحتشام، سيرة مطوية مؤجلة ببوحها، لسنا بصددها الا بالقدر الذي يجيزه نص الكاتبة. وهذا ما نراه يحمل دفقات صادقة حينما يتصل الأمر باللقاء. هذه النقطة بالضبط هي ارتقاء غير مشروط فلا يتوجب حذفه او مداراته بستار، وللأسف اننا ما زلنا في عهد قوته كتحريم وكتومٍ بليدة لا تصنع الا وجها مشوها لاحاسيس الحب والرغبة.
وعلى هذا النحو تكثر الأسئلة على مدار كتاب الكاتبة واظنها محكومة هي الأخرى بصوت الاستجابة الخافت، برغم جرأتها، أنما بتراكمها ستقدح وتنفتح على اكثر من مسار. ولكن هناك شيئا مخيفا سيحدث هو ما نتعثر به احياناً من نصوص معلبة تحاول القفز على القفز والنفور المأزوم بجملة الالحاقات المصيرية في التصور الديني والمستلهم الحضاري من المضامين القسرية والولادات القيصرية فتكون النتائج صادمة. ولا اود الخروج عما قالته الكاتبة واحست به كأنثى مغامرة في حقل الغام، تطلق حسيتها للأبعد الكوني المنتمي سرمدياً بصفته الالوهية اولًا، ثم بأبلسيته الواجبة كنقيض خادم لكلا المعنيين: الحسي المفخم، والطبيعي، كاستجابة الجنس لنقيضه. ومع ذلك يبقى السؤل: هل هو تقويض للأمرين أم تكاملاً؟ فأجد في ما انتهت اليه الكاتبة: «فجأة يلوح لي الصفر من بين جميع الاعداد ... معلناً انتهاء المعادلة الرياضية التي حيرت فحول الشعر وعقول البشر.... واستعصت على الراسخين في علم النفوس الآدمية ....» عودة غير محببة لكنني اجدها تنظم برشاقة كسؤال آخر وليست كإجابة غير مستحقة. حتى تميل بنص آخر الى «الصبأ» الذي خصت له سفرها (إيذان بالرحيل) وهو نص مكمل لما قبله من حيث الانشطار، اسمتعت به حقا، لقوة شغفه بالتجربة البرية الآدمية، وربما سائل يسأل عن هذا التناقض في النص وما اقوله ايضاً! لكن الأمر بكل فورته مشبع بالبرية والآدمية معاً وهو الحفر الذي لا تحده القوانين ولا الانضباط الرياضي. والحال هنا هو تأخر العقل الذي وصفناه آنفا بالغبي (الكلمة ومعناها) لصالح النفحة (الإلهية)، ومن جانبي هو الغرسة الطبيعية، كتطابق شرطي، ولكن للأسف سيهاجم من قبل مشروطية القطيع باذلال وخسة أيضا لا تتقبل غير رماده بأحسن حال. ولعل في نص الكاتبة، (مقايضة بريئة) والذي كتب بمقاسات مختلفة واكثر واقعية ان نتلمس حالة الاستهتار العام بالمشاعر حتى وان اتت مقايضتها على نحو قانون وتهم لم تنفيها المتهمة العاشقة بل اكدتها «التي اتفرد بمصداقية دوافعها وعمق اسبابها«. مع مفارقة ماتعة للقصة بأن الموت الحقيقي هو موت المشاعر قبل كل شيء.
ولكن سحرية ما تنتشل حالة العشق الأثيري لتضعه في منأى عن العيون الزائغة المترصدة وعن الطبيعة البشرية الذئبية المفعمة بالعداء، بقوة متأملة هذه المرة منسلخة عن آدميتها وشرورها ليكون الضامن الأثيري (المخلص) والمنجي الوحيد، وهذا ما يضع نص الكاتبة (في حضرة شهريار) بمنزلة تكون هي من يعفي له خطاياه ويجرده من سيفه أيضا، اضافة لإسدائها المعروف لكل صروف الميل البشري الرعناء. فجاء على نحو شعري:
«سأروي ظمأ ثورتك ... بعصف انهاري ..... وسأردم غور بئرك .... بقطع احجاري .... وسأموت معك ميتة تطهر أنجاس العالمين ..... وسأمحو ذنوبك ببركتي.. واغتسل بمائها .......
...... اني اتنفس اللهب منك يتصاعد بخوراً .....»
تقاطر موجب افضى الى خلود الحب بانتصاره على الموت والرذيلة، شيء ما جعله يتفوق عليه ذاته، فما علينا سوى تأمل الرحلة فهي من اخرجته من الجنة ليرى ما رأى فطغى، وهي من اعادته لها فانتصر عليها راغبة مطمئنة.
«وارتعش الموت امام هزة شهريار …
واقسم ان يموت ليلتها ....
واقسمت ان تبقي على حياته ...
لتعيش معه وله ... وتموت فيه وبه ....
وبنفس المعنى يندرج نص الكاتبة الذي اتخذ عنونة مجموعتها (تعويذة السفر عبر عينيه) كترميز إلى ما هو خارج عن الحسية اليومية بالرغم من ان السياق القصصي، هنا يبدأ بها لكنه لم يتنه بها. وعلى مدار الرحلة التي قطعتها العاشقة عمليا أو افتراضيا نجد سياقات متاخمة تفاضلية تنتمي تدرجيا لتخليص الالتحام بين الجسدي والمثل الأعلى للحب. ومع هذه الرحلة التي اتخذت صفة جدّ حضارية نرى أن صاحبتها كمن يعثر على نفسه تباعاً! فهل شتتها الحب إلى هذا العدد الغريب من الأنسجة، وكيف يتم لحمه من دون عظم؟
كثيرا ما يؤدي العشق إلى اضطرابات يفقد معها صاحبه السيطرة على نفسه، بمعنى ألا يكون هناك معنى لأية حركة من دون حضور الحبيب، أما الاستجابة القصوى تتم على نحو كمن يحاول تجميع المياه المتناثرة في وعاء واحد. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك ما يثبت عدم الشك بأن الهيام والافتتان هما ما يدفعانا الى عدم التوازن، كمقولة افلاطونية قديمة، وهذا ما اميل اليه في فحصي لهذا النص، سيما انها كتبت قصتها بلسان الغائب (هي) فارادت بذلك ابعاده إلى اقصى حد ممكن إلى العام الُمبصر لعنايته بالنقيض «إنه يحبها متناثرة الاغصان متهاوية الفروع.. هكذا أفضل ..». حالة من ارضاء (الطفولة) لنزق الحبيب تنظّم سياقاتها، فلا نكاد نرى في نزوعها الا لما يشير الى تماهيها بالانضمام الى سطوته «لم يدر في خلدها أي تصرف مسبق ..كانت تترك الاحداث تفرض نفسها على الموقف – كما تعودت دائماً..». وهنا لا يساورنا شك أن صانع الحب هو ذاته من يضع قوانينه وشروطه. وكالتفاته انسانية مبكرة يجرب الحبيب العقار على نفسه أولاً ليختبر مضاءه، والحال يكون أول مسمياه في النجاح والاخفاق حيث يتساوى الأمر الناتج عنه، ومثلما تكون السعادة قرار كذلك يكون الناتج باحسن صوره هو عدم الرضا كقرار ايضا. فهل يا ترى في الشقاء سعادة؟ سؤال اترك اجابته لكل عاشق أثيري يبحث عن السعادة في نار مستعرة، إن خفتت شرع من جديد بتغذيتها ليكتوي بألسنتها الحارقة ولظاها الجارف الى ما لا نهاية.
نلمس في هذا النص كذلك تطابقا خفيا من كلا الطرفين يحكمه التشتت المريع ويصاحبه نزوع للانفصال عن الواقع كذلك. فتكون فكرة تجاوز الحدود المتاخمة للأثيري امتداد طبيعي للحس الطاغي غير المكتفي، ليجد ضالته في ترحيل الاحاسيس للأبعد غير المحكوم بقانون ومن دون رقيب.
حالة من التحليق ستصطدم هي الأخرى بالمعارف الأرضية (كمقاضاة) وصفته الكاتبة بـ(السجن)، يتجاوز إلى الماورائية كحل مع حلول اللقاء. وفي هذا التحليق تغذية روحية وضعت الكاتبة في حالة من التقمص قادتها إلى تهويميات حسية تشط عن الأسباب الأرضية في خلق الجنان والأكوان وإلى ما ذلك من استبيانات مشروطة، لكنها تحل نفسها في زمن خلاصها من الأثير الأرضي، فتأتي الحسابات حسية صرفة لا تعنى برياضيات او فيزياء. كأن يكون العد:
«سوى أنهما عادا سوية من جديد، بعد أن افترقا قرابة ثلاثة قرون... » ثم «احتضنها بحنان كان قد افتقده منذ عشرات السنين. » و«حلقا عالياً ... عاليا… فوق النجوم .. وأخيراً وصلا كوكب المريخ» والكثير الأخر المشتمل على المخيال المنفتح الذي اختارته الكاتبة كنوع من البناء لتثبت سلامة فكرتها بأن مهما عاش العاشق بخيال يبقى في كنه وحدته وسجنه، وهو نفس السجن الذي اعادت له حبيبها الأثير، فيما لا يجد هو ذاته غير انفاسه التي صاحبت «روحها المضطربة، وصعدت بها إلى عمق السموات العلا حيث الأمان.. ».
إستدراكات متأخرة، نص ملفت تناولت فيه الكاتبة حالة الفصام الرجولي المعنوي على طريقة صراع الأضداد، من زاوية تفيد الشد والارتخاء، وحتى التصدع احيانا، بين الثقافة المكتسبة وواقع التجربة الحسية. يصاحب العاشق نوع من التوجس خيفة وقوعه على اسباب قد تثلم قوة تفانيه وفنائه في حالة الهيام الذي ساهم بتشييد اسوارها وارتضاها لنفسه، فهو «لعله لا يروم التثبت من ظنونه وشكوكه...». ومع عدد من النداءات الخفية للضد يأتي الانهيار طواعية، ذلك ان كل ما يفعله العاشق لا ملامة عليه الا شيئا واحدا هو مجرد الاقتراب من الآجر المؤسس للصرح العاطفي.
وما يهمنا هنا كيف استطاعت هي سبر اغواره إن لم تكن هي ذاتها من اسس واعتنى بتلك اللبنات، ترى هل هي مزيفة للحد الذي يمكن الطعن بها وارجاعها الى حالتها الطينية البحتة؟ من جانب آخر نرى ان الكاتبة كتبت نصها بروح نقدية مضمرة احيانا ومنفتحة احيانا أخرى، فتعاملت مع الحالة كنزعة انسانية محاطة بقوة (العقل اللاارادي) subconscious المتأثر بالاحتمالات، وهي نزعة ضامنة للتطور ومنتجة للأسئلة. وفي المستويات التوصيفية لفعل العاشق كاد التدهور يفضي الى الانهيار على نحو تابعه النص بمفاصله، فلن يترك ثيمة ما الا وحررها من قيودها، وهو الحال التي تنزع فيه الاحاسيس لبوسها ويطعن النقيض بثوابته المؤسسة من حيث غنى الحسي والمتأمل ناهيك عن الوجداني والعرفاني. فيبدو الأمر امامنا وكأن صرحا واقعيا ينهار من دون فاعل نشهد فيه فشل اي محاولة لمنعه من التهاوي. وهذا ما يحدث واقعيا في حال تخلي الافتراضي عن سلاحه لصالح خصمه/توأمه. والحال ان ثنائية ما تظهر فيكون ارجاعها للأسطورة أمرا محتما. أما ارجاع الأمر للإلهي فهنا تكون الشعرة هي المفصل والفيصل في كثير من الأمثلة القديمة بتعلق الآلهة بالبشر وينجبون ابناء انصاف آلهة. وإلا ياترى كيف نفسر عشق الرب انسانة فنفخ بها من روحه إن لم يكن الخلق بمجمله ضربا لعشق متفرد للوجود؟ فراحت القوانين تنظم نفسها بنفسها، والحواس الخمسة تتأسس لتخلق معنى للأشياء باختلافها. هذه التوأمة بين متناقضين، مادي وماورائي، باعتقادي أن منشأها واحد بأختلاف المسميات. اوجزت الفكرة بنص قصير قبل فترة اسميته (صانع الساعات الأعمى )، وهو نص منشور يمكن العثور عليه بسهولة، تناول على نحو نثري- شاعري ما يجد تطبيقاته هنا أيضا.
لنلاحظ هنا عبارة الكاتبة: «فيندفع ينقب عن إله يوحده ولا يشرك به شيئاً ...إله يختصر صفات ألوهيته الحقة ... ليوثق من خلاله وبه ما كان قد قرأه في أسفار المحبين من – بني عذرة-». وبهذا جمع بين حالين نقيضين ولكنهما ليسا بنقيضين بالمرة فصفات الالوهية هي ذاتها (العذرية) المكروبة والخاسرة دوما. ذلك ان واقعا يعيدها الى يوميتها، فهل يا ترى كل البشر عاشقين؟ وطالما تعلق الأمر بنوع من المجاراة والمحاكاة يكون في ذلك تفسيراً لتعدد الآلهة فأله الحب على مدى تتابع الأزمان وانفصالها هو غيره عن بقية الآلهة، فهو ليس ذاته اله العقوبة والمآسي، وهذه الفكرة هي (شركيّة) صرفة من وجهة نظر آدميتها التوحيدية، فكيف يمكن للتوحيد أن يفعل فعله اذن؟ نعم في الذات العاشقة تتحد الأرباب جميعها فلا يمكننا تأمل العاشق من دون آلام مبرحة وتشظي مميت والى ما ذلك من انشطارات مضنية تعاود التحامها وانفصالها وهذا ما اتى عليه نص الكاتبة بتنسيق مبهر حتى نهايته.

يبقى ان نقول أن هناك جوانب في جهد الكاتبة احتواها الانقباض، ونعني به اشتداد حالة الوجد العرفاني وغيره من اشكال ظهوره، وهي جميعها على ما أظن جرى تناولها في هذا المقال. ولا نعني كذلك تكرارها، لكنها لم تكن مشغولة كمادة مكملة لرؤى الكاتبة، سوى انها طعّمت بالكثير الحسي المتدفق والمعاتب على وجه الخصوص. وفي نصوص أخرى تطفح المواعظ للحد الذي يمنع الاسترسال، وبهذا اجد ان شغل النصوص جاء في سياقات زمنية مختلفة ومعبرة عن اختلاجات انسانية مؤقتة، لا عيب فيها بقدر عدم انضمامها الى المادة الرئيسية للنصوص. كما نجد في جهدها عدد من التكرارات، وهذا ما اكد لي أن تجربة خاصة كانت تفعل فعلها فأنظمت الى التحليق الأنيق. كما انني ابتعدت عن فحص النصوص الشعرية لأسباب خاصة بي فأنا شديد التوجس من المبنى القديم الذي يروم الحداثة، وهو ليس شغلي على كل حال. كما نلاحظ في بعض النصوص لغة غير مستدامة بمعنى انتاجية نص مختلف كما لاحظناه في نصوصها التي توقفنا عندها، وهو ما تناولناه من زاوية انثوية كأدب نسوي اختلف عليه الباحثون بدرجات متفاوتة بعض منها هناك من يعزيه الى جنس الكاتب/الكاتبة نفسه، وهذا ما اشدد على عدم ترجيحه. وبالمقابل ما يتناول الرؤية الحقيقية في جزئيات الميكروية وطريقة تفاعلها فنيا فيما يخص الاحاسيس وجرأة القول، وهو ما احيي الكاتبة عليه. لكن في المقام الأول هو الفعل الدرامي والاجرائي الجريء للقول الحر لكسر الحواجز وتمزيق الحجب، وبذلك، أي عكسه، يمكننا أن نتأمل الكم الهائل للمساهمة النسوية التي ذهبت هباء خيفة وارضاء لتصرف ورد فعل لمجتمع رجولي لا يتقبل بوح المرأة، بل ممعن بغمط حقها الحسي المتنور برغم كل رعونة صراخه لتحرير المرأة، بما فيه نيابته عنها ليس كعقد قران فحسب انما يتعدى الأمر للحسي كذلك كجوازات مرورية بامتلاك حق النيابة عنها حتى بالمشاعر وتقمص الأدوار بهزالة.
اما عن التجربة ذاتها اي تجربة الكاتبة جنان فازعم انها مساهمة جدية للحد الذي جعلني ان استفيض ببعض الفماهيم وطرق العرض، حتى لما هو خارج النصوص. فقد وجدت نفسي بسفر مشابه لأقول ما قلته الذي ربما سيواجه بعض التهكم من قبل البعض بالتقاط ما يمكن أن يؤشر الى الالحاد والقفز على المقدس. واخيرا وقبل ان احيي الكاتبة، أقول: ان لم تبدأ الحرية بالنص فلا مرتجى متأمل من كامل السياق المعرفي والاكاديمي، وان تعاملنا مع الندب والجروح فلن يمكننا معالجتها الا بنكئها وفتحها بمبضع الألم العرفاني النبيل وتذليل الواقع واعادته لحياة غير معوجة تحت طائل الاعراف والالحاقات الهشة للديني المتزمت مع الابقاء على التكريس الذي يعنى فقط باستدامة الموروث المقيت وتدجيجه بالاسلحة التي لا مناص من ابطال مفعولها إن رمنا التقدم والمباهاة حتى بأثر الأجداد. وهنا لي قول عن النحت الحسي وحتى الأيروتيكي لعلمائنا الأجلاء قبل قرون من هذا الزمان فهو ليس مرتد كما يزعم البعض، لكنه منتج لنفسه وقت حصول الجائحة الفكرية التي أتت متأخرة قياسا لعهود التنوير.
أحيي التي صنعت آدم وليس التي من خرجت من ضلعه! فهل لعب الإله النرد عندما نجد نطفة الأنوثة تزيد في الطبيعة الى الضعف واكثر؟ ومع أي تقدم فلا مراء أن تكون العنونة التي اخترتها صائبة فـ " اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (المقاربة التداولية للأدب) "الفي بولان"
* (أناييس نن اليوميات/مختارات) "لطفية الدليمي"
* (الحب مقدمة وجيزة) "رولاند دي زوزا"



#هاشم_مطر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العتابي وتحولات المكان -هل الفُل عراقي-؟ نعم (الحزن) عراقي و ...
- خليل - خالد * -وأمانه يا دنيا أمانه تاخذينه للفرح أمانه..-
- عتاق يوم آخر
- - الهند أم العجائب- في عيد الحب
- كيف اكتب بعد غياب!
- بصرة - اورشليم
- -من ذاكرة الصور- صبا مطر بين حربين
- اشتقاقات الغياب - قراءة شعرية في نصوص محدثة
- كوپه-ديناري
- حبيبا الساحةِ
- -قافل-
- -شو بدي بالبلاد الله يخلي لأولاد-
- لنْ نخذلكَ في الخامسِ والعشرين
- سنغنيكَ لأنك غيرتَ العالمَ! حبيبي...
- وشمٌ على خصرِكَ أيلول - الى وليد وإبراهيم وكلِّهم
- هوية / سبع دقائق قبل الموت
- بطنها المأوى / دنى غالي: التركيب الخاص والسلوك الظاهر
- عادل مراد/ موقف انساني باسل «شيء يشبه الحكايات»
- عبد الحليم المدني، سيرة في سيرة السيد عبد الكريم المدني
- تحولات أسئلة النص في رواية -عشاق وفونوغراف وأزمنة- للكاتبة ل ...


المزيد.....




- فيلهارمونيا بطرسبورغ تفتتح حفلات الموسيقى السيمفونية بمناسبة ...
- معرض الدوحة للكتاب.. ناشرون يطرحون حلولا لإنقاذ صناعة النشر ...
- الخارجية الفلسطينية: جرائم الاحتلال والمستوطنين حرب إسرائيلي ...
- بيع طبعة قديمة لرواية ألكسندر بوشكين -يفغيني أونيغين- في موس ...
- مصور لبناني: -الصبايا حاليا بدهم يظهروا بنفس الشكل-
- عن الطريق إلى الموت والخلود: قصيدة ماند لشتام التهكمية عن ج ...
- أول أفلام نتفليكس بالعربية يثير جدلا بألفاظه وظهور مثلي جنسي ...
- وفاة المخرجة المصرية الشابة نوران شريف
- شركة بريطانية تعتزم ربط -استوديو أفلام فضائية- بمحطة الفضاء ...
- #ملحوظة_لغزيوي : -مائة يوم من أخنوش- !


المزيد.....

- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - - اليوم بالذات لسنا بحاجة لنيرانك- / الأثيري والأرضي في مجموعة الكاتبة جنان النعيمي