أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - كيف اكتب بعد غياب!









المزيد.....


كيف اكتب بعد غياب!


هاشم مطر

الحوار المتمدن-العدد: 6786 - 2021 / 1 / 12 - 08:48
المحور: الادب والفن
    


اود ذلك من كل قلبي، لكن البلاد التي تركتها منذ اكثر من اربعين عاماً، لم تحظ هذه البعقة التي أمامي صورتها الآن بوارد الكتابة عنها، بأي فحص عميق لعينيّ عندما زرتها قبل ستة عشر عاما، أي بعد السقوط في عام 2003، فكانت زيارتي لها آنذاك خاطفة، بل هربتُ منها لشدة اغترابي لمشهدها غير الأليف بالمقارنة عن ما كانت تحمله عينيّ بأثر سبعيني من القرن الماضي، وهو المشهد الذي اتضع وقتها عن رضانا، نحن الشباب آنذاك، برغم جماله وشدة هيافته.
بالطبع كان زمن آخرا، بما فيه درجة القبول والطموح والرغبات وحتى النزاعات والخصومات السياسية، فلها معناها وحرارتها، ولا اود الدخول فيها مخافة أن يفرط عقد "ساحة التحرير" التي هي مقصدي الآن، في مساحة هائلة هي بغداد الحلم والحب والدرس والسياسة والأدب والمكتبات والغناء والعلاقات والمقاهي والسينمات فتخطفني الساحات بمحبة كعادتها، ليس على غرار خطف الأحرار فيها كما يحدث الآن!... فأسمحوا لي أن اعود لضالتي "التحرير".

- إلى التحرير
- عمي الطرق مسدود
- طيب رجعني
- وين؟ سألني سائق التكسي
- لكوبنهاكن غير!
ضحك من كل قلبه وقال
- والله لا اوصلك حتى لو اروح للبصرة!
جولة طويلة، سأصف ما شاهدت باختصار، فقد توزعت بين الحديث مع السائق الشاب وبين المناظر بشكليها، الممتع منها والمثير على الغثيان. أما الممتع فهو، الطبيعة الرائعة ودجلة وسماء بغداد وشمسها، وكل ما هو عن بعد، أما المؤلم منها فهو كل ما انقض وتهدم وتداعى وهرم وأُهمل، وهو بأختصار "بغداد". لا أعرف هل اشكر السائق أم اندب حظي، هل افرح أم ابكي، لكنني بالنهاية بكيت!
- عمي شبيك؟ وأردف: اكيد ما جاي من زمان.
اعادتني كلمة "زمان" الى اسى مضاعف اوقف قدرتي على الرد. أي زمان هذا الذي لا يعرف فيه ساكني بغداد ما حصل لمدينتهم! فلا تكاد ترى ملمح متحضر واحد سوى بضعة مطاعم كبيرة ومحلات. أما منظر البشر فكان مهملاً للحد الذي يشي بأن المدنية غادرت المدينة وغادرتهم منذ زمن بعيد. ولكي لا اطيل بتوصيفي مخافة أي تعليق لأي قارئ بأنني سائح متندر، اوجز مشهد الرحلة الى التحرير بأنها كانت أشبه بطلقة اخترقت رأس شاب على جسر السنك، شاهدت كثيرا منها على شاشة ابداع القرن الرقمي، يحمله اي واحد منا في جيبه، ليُعلمه بموت شاب جديد. اما ان تعيش الحالة واقعا فالأمر مختلف تماما عما هو عليه، حيث نتسلى بالكلام ونتغنى بالنصر وربما نأكل او نشرب ونقلب الأخبار، انها الجريمة؛ جريمة قتل البلاد أعيشها الآن.
اوقفني السائق وقال: ساحة النصر هناك وتستطيع المشي عمي الى التحرير.
هممت بدفع الأجرة التي عرفتها قبل الركوب، مضاعفا اياها، فتبسم الشاب.
هل تستطيع يا قارئي العزيز بماذا اجاب هذا الشاب الذي حدثني عن حياته، لينتهي به الأمر كسائق، خلال الرحلة التي استمرت زهاء ساعة ونصف ليوصلني الى مشارف التحرير؟
قال: بعدنه عمي انحب الضيوف ونقوم بالواجب!
صعقت لهذه البلاغة!
قنينة عطر جلبتها معي من كوبنهاكن لصديق على اتفاق ان اكالمه حينما اصل، راحت عليك ابو فلان، اخرجتها من حقيبتي، قدمتها له بخجل فقبلها مني بعد عناء. لم يتركني قبل ان ينزل ويعانقني ويترك رقم تلفونه لأي طارئ.
بكيت أكثر وتنفست أكثر فأنا الآن ببغداد.
خرجت الى رأس الشارع متلفتاً أين التحرير، «يسره لو يمنه»؟، مصيبة اخرى، بغداد لا اعرفها وانا الذي اعرف خارطتها حق معرفة! مفارقة واحدة جعلتني اهتدي للمسار الصحيح، هو أينما يتجه اكثرية الناس، ولا اقول الجموع لان اليوم الذي قصدت فيه التحرير لم يكن مناسبة للتظاهر، ولكنه كان شبيها بها. لم اعرف اين اوجه نظري، للبنايات الهزيلة التي لم تلمسها يد رحيمة منذ زمن، ام الى كابلات الكهرباء العشوائية، ام الى صراخ آلات تسجيل البائعين المتجولين ذي الأكشاك المتنقلة وهم يروجون لبضاعة ما، ام الى موقع قدمي اللتين تعثرتا بحفر الشارع والأرصفة، ام الى ماذا وماذا..، حتى اهتديت الى الوجوه.
صدمت للمفارقة! هل انني في حلم؟ والله قرصتُ نفسي لأستفيق. وجوه مبتسمة صافية ودودة، دهشت حتى هاد ذهني للإجابة بصيغة سؤال. كان ذلك عند اول خيمة سآتي عليها، لكن الآن هؤلاء الشباب على بعد أمتار من مفرزة للأمن او الشرطة، عند اول مدخل من جهة ساحة النصر، عند الحاجز الإسمنتي، ايام كانت مزدهرة، بمكتباتها ومقاهيها "الكيت كان" و"اكسبريس فلسطين" وغيرها من خطوط الطيران الأنيقة المكاتب والسينمات ذات الصالات الرافهة كأكبر واجمل صالات العرض في الشرق الأوسط، اين تلك الشواهد الآن كيف اختف! شاب يخجل من سؤاله: عمي لازم نفتش.
- تفضل فتش عمي هاي جنطي.
نظر الي الشاب مع صديقه بعينين ذكيتين ليزريتين وكانه فحص جسمي وما معي.
- تفضل عمي
- ليش ما فتشتني؟
- عمي اكو سره وراك تفضل، مبتسماً
- لا لازم تفتش. قلت.
- فتشتك عمي عندك موبايل وجواز سفر وهويات وشوية اوراق وقلم وفلوس، حته شيشة ريحة ما عندك! وابتسم اكثر. بس دير بالك بالطلعة تعال منا عمي اخذ تكسي.
لا اود ان اطيل عليكم. صعقت مرة اخرى، صدقوني هذا ما حصل معي وليس خيال الكاتب!
دخت «شنو هل الجيل هذا» اية براعة وثقة بالنفس، هل أخبره سائق التاكسي بأمر «شيشة الريحة»؟. كان ذلك اول اشارة ان هذا الجيل لابد ان ينتصر!
لم اكن فخورا على مدار غربتي منذ السبعينيات في الخارج مثلما كنت الآن، اطلقت العنان لمخيلتي ان تهدّ المباني القديمة التي تصطف على جانبي شارع السعدون وتُبنيها من جديد وتكسو الشوارع وتطلي الواجهات وتلمّعها وترصف الأرصفة، ومجاميع من الناس الأنيقين يدخلون نساءا ورجالا المقاهي ودور السينما، والكثير الكثير.. حتى وصلت اول خيمة على الطريق قبل التحرير على يساري، انها مسرح الثورة، وهنا كان الجواب عن سبب بسمة الناس وفرحهم. كانت الخيمة مزدحمة فوقفت بعد نهايتها بأمتار مع الجمع المحتشد.
لا اعرف كيف يعرفون الغريب!. تقدم اليّ أحدهم
- تفضل استاذ اكو مكان فارغ.
لم يترك لي جوابا، حتى خجلت من الآخرين، فاصطحبني واجلسني مقعدا.
كانت بقربي او جانبي امرأة تجلس على مقعد متحرك بعجلتين، بمعنى انها مقعدة، يدفعها شاب.
«عجيب»! قلت لنفسي ماذا تفعل هذه السيدة المسنة هنا؟!. عازف عود يهيء اوتاره ثم يطلقها لتصدح. ينصت الجميع بجلل وانتباه، يتقدم شاب آخر يعرّف نفسه، للأسف لا اتذكر اسمه، انه طالب في كلية الفنون الجميلة قسم المسرح، ومن دون اية مقدمات أخرى راح يقرأ مقطع لقصيدة بجو تمثيلي درامي معبر، ثم يتوقف ليقول شيئاً عن القصيدة وصاحبها ومناسبتها، انها قصيدة شاعر العراق بدر شاكر السياب "غريب على الخليج"، مفككا معانيها وبعض مصطلحاتها ومنها (القلوع)، ثم يستمر بأدائه المفرط بالجمال. اعترف انني سمعت القصيدة لأول مرة!! برغم انني احفظ منها مقاطع عن ظهر قلب، قبل كثير من العقود. فجاء جوابي:
كيف لهؤلاء التحريرين الا يبتسموا؟!
ابتسم الجميع فعلاً وحيوه. غادرت المكان قبل ان تبدأ المناقشات والآراء وانا سعيد ومبتسم، فحيتني المرأة المسنة المقعدة وهي تهم بفسح المجال لرغبتي بالمغادرة: ها يمه رايح، الله وياك. وكأنها على علم بسفرتي المقتضبة وحاجتي لمشاهدة اكثر ما استطيع بوقت قصير، فأردفت مبتسمة: كل خيمة شكل! شكرتها وغادرت.

لحد الآن لم اكن اتصور ان شيئا كهذا سيحصل! فمن المفهوم انهم يعرفون انك غريب او مسافر من مظهرك او من شدة ارتباكك، ولكن كيف يعرفون بماذا تفكر! لا جواب طبعا سوى الدهشة.
فكيف لا ينتصر هؤلاء!.
تنفست عميقا عندما تأكدت بنفسي انهم سينتصرون حتما، حتى عندما رجعت الى كوبنهاكن وسألني بعض الأإصدقاء عن سفرتي فأجبتهم بصراحة حتى عن فوضى البلاد بل سقوطها، ومعها تفاؤلي بل قناعتي المطلقة بانتصار الشباب والانتفاضة، حتى سألوا كيف تجمع الضدين فالأمر لا يستقيم هكذا؟ فأجبت هذا ما شاهدت وهذا هو شباب العراق الجديد الذي لا نعرفه، فما عليكم الا المساندة والانتظار.
ترى كيف سينتصر الشباب! مع هذا السؤال واصلت المسير وانا اتأمل سلمهم وادواته البدائية: خيمة ينز منها المطر، عود، قصيدة شعر، رسوم، قدور طعام كبيرة وابتسامة! حتى تجاوزت الملثّم! من هو الملثم؟، من هذا الملثم بكمامة الوقاية من الغازات، وهي اداة انتصار أخرى اضيفها على مفردات نصرهم المؤزر. لكن حالة العاطفة مع الدموع اوقفتني، فربما جاوزت الأمل من خلالها فعاد لي بعض اليأس وانا انظر تمثال (محسن السعدون) فهل ستسعفه كمامته، التي البسها اياها المنتفضون، وتحميه من الغازات والموت، ربما!، فيما أطلق طلقته على رأسه قبل عقود خائبا من فطنة السياسيين وأمل لم يخب؟. لا اعرف. قلت لنفسي مستجيرا بالأمنيات التي ما انفكت تهدني ليعلو نشيجي فأكشف عن غربتي ووحشتي، بل حبي وانا من "مثقفي الخارج" العزلاء، طالما رددها بلغاء الفصاحة وهم الآن منزوون عن ثورة قلوب الشباب الرائعة. فأين سأجدك ايها المثقف؟. ايها الشاعر والناثر والفنان.

ما أن وصلت الى مشارف الساحة وباحتها تحت النصب المهيب بتشكيلاته التي سيختلف معي بشأنها الاكثرية، فلي رأي خاص بها، ولكنه هو الآن رمز التحرير، وما الضير بذلك ان توسطه العسكري الذي لا أحب صورته هنا وكأنه هو صاحب المأثرة وليس البناة الحقيقيون المدنيون بأيديهم ووهداتها العاربة لكل فعل انساني مهيب لتوصل لنا مهاب الحضارة الذي به نفخر، بل نستجير به بأسى عن واقع رث!.
كومة من الأعلام العراقية على شكل شجرة اصرّ المعتصمون ان يكون شموخها باسلا كثورتهم فالوحدة أهم ركن فيها، ولا يهم حجم الخلاف على شكل الرسم على ظاهر العلم، فاهتديت الى فكرة طريفة أن "الله" بعيد بما يكفي لنكون في منأى عن الشرور المرتقبة من مُنزليه ارضاً، وهم كثر، فهم أولى بالذهاب اليه طمعا بجنانه وليس بما يغدقون على الشباب من رصاص حي مميت!. وعلى مدار البصر خيم كثيرة قال لي عنها احد المعتصمين انها لأخوة لهم من مختلف الذين يشتركون بجدوى الثورة، واردف: يكفي ان شعاراتنا واحدة ولم يُرفع شعارا لحد اللحظة غير شعارات الثورة! وسأل: أليس في هذا انتصار؟. لم اجبه لشدة عاطفتي فالتحولات الوطنية الصادقة اطلقت الصدمة ان لم تكن الطلقة في جسد المتوزعين على جسد العراق على مدار ستة عشر عاما مضت، فأدرك الشاب ما افكر به وقال: عمي ثق انني شهدت خلافا في خيمة طردوا احد زملاءهم لأنه حاول رفع شعار مخالف!. فهمست لنفسي: كيف لا تنتصرون؟!.

خيمة او نصف خيمة على جانب الساحة، توسدتها كتب مختلفة واناس تربعوا حولها في مشهد يثير الإنتباه، يدفنون رؤسهم فيه.
- عمي اريد هذا الكتاب، اخذه معي، اشتريه. اشرت الى كتاب حول النقد.
- تفضل اقرأ عمي، آسف الكتب ليست للبيع. اجاب مبتسماً، واردف: «مبين انته محتاجه بس ما اكدر».
- شتسون هنا عمي؟ سألته
- نتغدة عمي!
ابتسمت للإجابة الطريفة،
واحد من الجالسين شاركنا الحديث: «صدك دا نتغدة، فانا تعرفت على الكتب هنا في هذه الساحة، قرأت لحد الآن اربع قصص وهذا خامس كتاب. استعرته منذ قليل، كان «يوميات دراجة نارية» لجيفارا
شكرتهما بعد حوار بسيط وغادرت. وهمست ستنتصرون حتما.

درت برأسي فكل شيء جدير بالمشاهدة بحلوه ومره، فهنا الأشياء تعيد انتاج نفسها بنفسها، فأمام بهاء المنظر وعنفوانه البشري الصادح بالجديد، يتكشف بالمقابل حجم الخراب على مشارف التحرير المهملة فما بالك بشوارعها وأزقتها الفرعية.
قلت لأترك هذا الأمر الآن وادخل النفق، الم يكن هذا احد الأسباب التي حفزتني للمجيء؟ لا ابالغ ان قلت ان قنوات التلفاز كانت غير قادرة على نقل صوته، اما صورته فالجميع شاهدها فلا حاجة لوصف انفعالات الشباب برسم الوقائع والأهازيج ودفق الخيال ليصبح متحفا. اما الصوت، صوت النفق فهو شي لم يخطر ببالي، هناك الترانيم التي تنبعث من كل صورة وكأنها تشي براسمها وهو يترنم بنغم يساعده بتوجيه خطوط فرشاته وضرباتها التي تشبه مصير اللوحة، يشدك اليها لتخبرك الحكاية، فما ان يوشك النغم على نهايته حتى يسلمك الى ما جاورها من رسم آخر!. عدت بذاكرتي وانا اتجول في معارض فنية في الدنمارك ان كان الشيء ذاته يحصل من دون ان انتبه. صحيح ان لكل لوحة نغم يرافقها لكنه ينتهي ما ان تحرك عينيك الى لوحة اخرى، اما الأن وفي هذا المحيط الصامت، فالجميع يفضل السكوت في هذا المنجم الفني النادر وكأن دعوة سرية طلبت منهم والزمتهم بالسكوت والاصغاء والتأمل، فأي فعل له هذا البأس ليبسط فتنة الصمت على الكلام!. أما ما انطلق من قلب كل تشكيل مغامر ليستوطن في قلب اي مشاهد فهو "الأمل" حتى وان كان وجه شهيد وضاء او تكتك محروق!، وهكذا هم فرحين متباهين بوطن شارف على ولادة وطن! فكيف الا يخرج هذا الجيل منتصرا؟!

مشاهد الخراب تثقل على صدري، فأنك لا تستطيع الفكاك منها، كل تلك الاماكن التي تذكرنا بالحمال وبائع السمك وعلاء الدين والحسان الخارجة من صدر شهرزاد كأول انصاف للمرأة، هكذا اراد لها قائلها، وهو على حق، فأمي كانت تحفظها عن ظهر قلب، فقد عبث فيها الجنون لتنال جزاءها المر على ما اغدقته من مباهج وفتنة، بل فيضا انسانيا باهرا، وهدتّها الحقب المنفلتة من شتى صنوف الاستبداد والنذالة لكل ما سميّ بالثورات الا هذه الثورة التي يتأمل فيها شبابها لؤم الحاكمين وأولاد الحرام الذين احالوها الى ركام!.
كيف بك يا عيني؟! فإلى أي صوب سأتجه بك؟. تلك هي الأزقة والحارات واجساد البيوت وباحاتها الضالعة بالأسرار الوديعة وأسر لَمام الأوقات اليانعة، تحمل عطافها المتهالكة فلا يونسكو تستطيع انتشالها ولا مشاريع اعادة بناء. لكنني رأيتها، وهذا ايضا ليس خيال لكاتب، رأيتها تتحرك وتسند بعضها بعضا برغم هشاشة عظامها وهرم اجسادها، تذكرت منطقة (الميناء الجديد) في كوبنهاكن التي يرجع عهدها لمئات السنين، حينما قرروا ادامتها لمئات أخرى فضخوا الإسمنت في اساساتها وحافظوا على ملامحها التاريخية حينما رمموها لتصبح منطقة مزدهرة بمبانيها ومقاهيها وصروحها الثقافية ومن بينها بيت هانس كرستيان اندرسن كاتب المغامرات الأول في العالم، لكن مغامرته العظيمة التي نقلته الى العالمية هي "ألف ليلية" بامتياز، انها "حورية البحر" والتي اصبحت رمز الدنمارك الأول تجلس على الصخرة منذ عهود، مطلة على بحر الشمال، يقصدها ملايين السائحين كل عام من شتى بقاع العالم!. فهل كثير على بغداد ان تنقذ تحفة بيوتاتها التي خرجت منها الاقاصيص والحكايات، وأهدت للعالم خيالا لم يكن يحلم به اي كاتب، ويأنس له قلب أي عاشق او مستطرف لأي تعبير، او ينبض لدراميته اي قلب خافق ويرتجف لحكاياه. تلك هي مرفقات الحكاية السرية عن حياة سطرتها الألف ليلية، وغابت في انقاض طوب الجدران والاساسات البائسة والباحثة عن جمالها، كما غيرها من الآثار البديعة، التي عبث بها جنون الساسة وجهل الاجيال، فلم تعد من جنان الأرض ولا من سابع محاسنها، وذلك عهد بعيد، ولكن ما عمره اقل من الف عام لم نره الا في الحكايات، فما فخرنا بمجد متهدم لم نمهله فرصة بقائه ولا حتى نفح نفس يسير!. وعندما يشطح خيالي، كمقاربة، الى السطوح المائية العظيمة لم تجد الأسراب المهاجرة مرتعها هناك فماتت لانهم جففوا الأهوار واحرقوا قصبها بحثا عن المناوئين، فأي ظلام هذا، ذلك الذي يكون امضى من فعل الرصاص والموت الأكيد، الا يستحق كل هذا اليأس يأساً اكبر، وهذا الخراب حزنا اشد ما في كل قلب نابض لأي عراقي مقيم او مغترب. نعم تتهدج اصواتنا وتستعبر حناجرنا لكل شفيف تنحى عن اي ملاحة وبهجة، مثلما اناخ ابن جبير بصوته عن بغداد قبل قرون  "ذهب أكثر رسمها ولم يبق إلا شهير اسمها"، وكأنها على موعد مع خراب جديد كل بضعة قرون، فيهب ابناؤها لمعاضدتها ويشغلوا لها تاجاً من فيروز يليق بالأميرة، ووشاح من حرير مخضب بدموع افراح الحسان. واية حسان! لم يتبق من تهدج اصواتهن سوى كلمة عراق، وهو ما عزمن على حفظه في قلوب مرتجفة كانت مُتحفة بالخوف من اي تأشير كفريسة بضّة لانياب العشيرة والثأر وغسل العار وصمم الكتلة والتفسير، ناهيك عن العصمة والعفة فلا يصلحن لغير ربات بيوت، نجيبة تنجب اطفالا خدج. لكن الحال ليس كما اراد له التوقير والتحقير فمضين كما امهاتهن يدفعن بأخوتهن الى الساحة، يصدحن بنشيد أثير "نريد وطن" و «هايه بناتك ياوطن هايه...».
كانت الفتاة التي التقيتها في خيمة الطلبة داخل النفق مع زميلة لها تقول: نحن في تناوب هنا في كل نهار حتى يوم الأحد من كل اسبوع ظافر!. اي ظفر هذا عزيزتي الطالبة؟ وانا على يقين من الجواب الذي جاء يجرح الهواء «نفعل ما نريد، ولا نقبل بأقل الحقوق»!. حاولت استدراجها اكثر «كيف تنظمون انفسكم»؟. ابتسمت الشابة، على ما يبدو على سؤال مبتسر، لكنها واصلت. صدقوني هذا ما سمعته منها: «أنه فايروس الوطن»، والتفتت الى زميلتها التي شاركتها الابتسامة واكملت لها: «انه امضى فايروس يؤذي الحمقى»!. في تأملي الآن وانا في كوبنهاكن، ووسط هلع (الكورونه) وثقت بأن فيروس الوطن هو اللقاح الحقيقي لمصاب العراق. وعندما اعربت عن رغبتي بالتبرع بمبلغ بسيط من المال اجابني الطالب بالقرب بأنهم لا يقبلوا التبرعات المالية عدا الاحتياجات الضرورية. عند هذا الجواب تيقنت انهم يستديمون ثورتهم بأنفسهم، وما زعيق القنوات المغرضة عن تمويل الانتفاضة التي اضحت ثورة، سوى هراء في هراء، فكيف لا ينتصرون. وعندما ههمت بالذهاب قالوا ثلاثتهم بما يشبه الصدى العريض: نشكركم على دعمكم بالخارج» وكثير من الكلام الذي ابقاني لفترة اطول ومتأملاً بعض انشطتنا في الدنمارك التي لا يحضرها الا عددا قليلا من العراقيين المقيمين، فخجلت من نفسي فنحن هنا لا نجابه الموت والاختطاف، ولا الرصاص المطاطي والغازات ولا ابتداعات اللصوص التي وصلت لحد الآن الى بنادق الصيد يطلقونها في وجوه المنتفضين!. وكما انهم عرفوا محنتي واصلوا تحيتهم بايصال صوتهم للعالم ومؤسساته التي لم يدفئ شعاعها وعاء ماء بعد، ولكن الاصرار سيجعله يغلي بعد حين، وهذه قناعتي ان يوما موعود سيحضر لا محال. ففي هذا الماراثون الطويل سيكون النصر للنفس الأطول.

ما كان هذا الانشغال والتورط، دفاعا عن المغتربين، لكن ما حفر في ذواتهم، وكأن مشغلاً حسيا كان يعمل بانتظام وتأسيس معقد، ولطالما، وتجنباً لزيادة الأذى قلت لنفسي انك مهاجر او مغترب سبعيني فاسع الى مشاهدة سياحية تجنبك الأذى. قلت لنفسي هذا وكأنني اتجاهل صنعة النقد والانشغال اللاارادي الذي يعيدك الى فصوص النشأة الأولى وما استطاع ان يتحقق في الذات على نحو نستولوجي يحثك على المقارنة. قلت لأرى بغداد من علو الشلال فاندفعت نحو ما اصطلح عليه بـ (جبل احد)، لاصعد بما تستطيع عليه ركبتاي الواهنتان لذلك المكان المهمل منذ عقود، او هكذا كان، يتوافد عليه الآن الكثير من الناس. سألت نفسي ان لم يكن الجميع يلهث لسبب لما دعاني وجرني للصعود اليه كسبب؟.
توقفت وقتها عن اكمال مشروع مشاهداتي آنذاك، لكنني الآن اعرف أن ( العراق سيكون بخير)!..




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,154,745,201
- بصرة - اورشليم
- -من ذاكرة الصور- صبا مطر بين حربين
- اشتقاقات الغياب - قراءة شعرية في نصوص محدثة
- كوپه-ديناري
- حبيبا الساحةِ
- -قافل-
- -شو بدي بالبلاد الله يخلي لأولاد-
- لنْ نخذلكَ في الخامسِ والعشرين
- سنغنيكَ لأنك غيرتَ العالمَ! حبيبي...
- وشمٌ على خصرِكَ أيلول - الى وليد وإبراهيم وكلِّهم
- هوية / سبع دقائق قبل الموت
- بطنها المأوى / دنى غالي: التركيب الخاص والسلوك الظاهر
- عادل مراد/ موقف انساني باسل «شيء يشبه الحكايات»
- عبد الحليم المدني، سيرة في سيرة السيد عبد الكريم المدني
- تحولات أسئلة النص في رواية -عشاق وفونوغراف وأزمنة- للكاتبة ل ...
- القلادة: حداثة النص بين الإسقاط والتناص والتأويل
- جنان جاسم حلاوي وغابة النخيل الإنسانية
- غروب الوليد - الى وليد جمعة
- سودوكي (رحيل صباح المرعي)
- الزمان والسرد في النظام القصصي لشاكر الأنباري في روايته أنا ...


المزيد.....




- كاريكاتير القدس- الإثنين
- فيل سبيكتور: وفاة المنتج الموسيقي الأمريكي في محبسه عن 81 عا ...
- كورونا يكتب الفصل الأخير في حياة نجم موسيقي مدان بالقتل العم ...
- البرلمان العربي يدين تقارير -هيومن رايتس ووتش-  المضللة 
- العمل عن بعد وآثاره بعيدة الأمد.. أسئلة عالم كورونا وأجوبة ع ...
- تحركات حزبية بعد الفراغ السياسي الذي خلفته وفاة البامي بلكرم ...
- وفاة المنتج الأميركي الشهير فيل سبيكتر في السجن
- وفاة المنتج الأميركي الشهير فيل سبيكتر في السجن
- عبادي الجوهر يتلقى الجرعة الأولى من لقاح كورونا
- تدشين فعاليات العام الثقافي -قطر-الولايات المتحدة الأميركية ...


المزيد.....

- سيرة الهائم / محمود محمد عبد السلام
- حكايات قريتنا / عيسى بن ضيف الله حداد
- دمي الذي برشو اليأس / محمد خير الدّين- ترجمة: مبارك وساط
- كتاب الأعمال الشعرية الكاملة حتى عام 2018 / علي طه النوباني
- الأعمال القصصية الكاملة حتى عام 2020 / علي طه النوباني
- إشارة ضوئية / علي طه النوباني
- دموع فينيس / علي طه النوباني
- ميزوبوتاميا / ميديا شيخة
- رواية ( حفيان الراس والفيلة) / الحسان عشاق
- حكايات الماركيز دو ساد / رويدة سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم مطر - كيف اكتب بعد غياب!