أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم -أتروبيا - فيلم السخرية السياسية يفضح عواقب خوض حروب زائفة















المزيد.....

فيلم -أتروبيا - فيلم السخرية السياسية يفضح عواقب خوض حروب زائفة


علي المسعود
(Ali Al- Masoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


لم يخلُ تاريخ حرب العراق من المحاكاة الساخرة والتهكمية والسخرية الصريحة. فمنذ بدايتها، مثّلت مصدرًا خصبًا للكوميديا، حيث تناولتها برامج حوارية مسائية، وعروض اسكتشات، ورسوم متحركة، وأفلام روائية ، مثل "فريق أمريكا: شرطة العالم" و"نائب الرئيس" لآدم مكاي" . ورغم ذلك، لطالما شعرنا بنقص في الأفلام، وخاصةً الإنتاجات الأمريكية، التي تتناول الحرب بروح دعابة لا تجعل الضحايا مادةً للسخرية . هذا هو الفراغ الذي يملأه فيلم "أتروبيا" (2025)، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان صندانس السينمائي الأمريكي لهذا العام ، قدّم فيلم "أتروبيا"، وهو أول تجربة إخراجية لعارضة الأزياء والممثلة والصحفية السابقة في مجلة فايس "هايلي بنتون غيتس" رؤيةً مختلفةً تمامًا عن فيلم "حرب" الذي صدر هذا العام والذي لا يقلّ روعةً عنه ولكنه أكثر واقعيةً وقسوةً . إنها رؤيةٌ تبدو غريبةً لدرجة أنها لا يمكن أن تكون إلا حقيقية . فبدلاً من أن تدور أحداث الفيلم في الخارج، تُركّز غيتس على ميادين التدريب الواقعية المُتقنة التي بُنيت في الولايات المتحدة لمحاكاة المدن العراقية . شملت هذه المحاكاة ممثلين يؤدون أدوار مدنيين ومتمردين، لكلٍّ منهم قصته الخلفية المُفصّلة، إنّ الطابع السريالي لهذه الأماكن يجعلها مادةً خصبةً للسخرية، وقد استغلّت غيتس ذلك ببراعة، فصنعت فيلمًا يجمع بين الفكاهة الغريبة والواقعية المؤلمة.
في أول فيلم إخراجي روائي لهاالذي يعرًف أيضاً باسم "الصندوق"، تحاول هايلي غيتس تحاول بناء قرية عراقية بهدف تدريب الجنود الأمريكيين ويطلق عليها" ‏‏أتروبيا‏‏ ". وتتبع نهجا ساخرا، حيث تنتقد تصميمها الهزلي بتوظيف أشخاص عراقيين لتدريب الجنود على غزو منازلهم ومعرفة طباعهم . ويتابع روتين الجنود والممثلين المدنيين والقادة الكبار المشاركين في حرب ليست حقيقية... حتى يبدأ الأمر في الظهور بشكل المهزلة العسكرية . في مشهد إفتتاحي مقتبس من بداية العديد من دراما الحرب في عهد بوش، تلتقط الصخب والفوضى في تقاطع في الشرق الأوسط بينما يقوم الجنود الأمريكيون بدوريات بحثاً عن المقاتلين . ثم يظهر المقاتلون ويصرخون "الموت لأمريكا"، ويزرعون المفخخات والعبوات الناسفة على سيارة تنفجر وترسل أجزاء من الجثث المقطوعة وتصرخ في الهواء الكثيف المغبر. إنها حادثة مؤلمة حتى يصدر مكبر صوت صوت "قطع"، مما يسمح للجميع بترك الشخصية والشكوى لفريق الألعاب النارية عن الحمار المزيف الذي لم تنفجر قنبلة الديناميت الموضوعة فيه .
في المشهد الافتتاحي المثير، المليء بالإشارات الساخرة إلى أفلام الحرب الأمريكية، تجسد فيروز دور إمرأة عراقية تشهد مرور القوات الأمريكية عبر قريتها لمطاردة مشتبه به، بالتزامن مع انفجار عبوة ناسفة . تعلو الصرخات ويتدفق الدم، وتتناثر الأطراف المبتورة في الهواء، عندما تفشل عبوة ناسفة ثانية في الانفجار، يكتشف المشاهد أنه في موقع تصوير، وأن المجزرة التي جرت أمام عينيه لم تكن سوى مشهد تمثيلي رديء، يجمع كل الصور النمطية المبتذلة لأفلام الحرب الأمريكية .‏ في قلب هذه المهزلة (سواء في الفيلم أو المدينة) توجد فيروز (علياء شوكت) . تأمل في استخدام أتروبيا كنقطة انطلاق لمسيرة فنية متأخرة، ولهذا تأخذ أدوارها ك "كيميائية غاز الخردل" أو "صانعة الخبز" على محمل الجد أكثر من اللازم . بين التحضيرات، تنصح ممثلين آخرين – بعضهم عراقيون وبعضهم مكسيكيون – حول "الحاجة للدخول في قصصهم الخلفية"، وأحيانا تبالغ قليلا عندما يكون كشافو هوليوود يراقبون . تتعطل هذه النظرة بوصول أبو دايس (كالوم تورنر) ، جندي بين مهمات الانتشار يتمركز في أتروبيا ليلعب دور متمرد عراقي . يبدو في البداية تهديدا لسيطرتها ––لديه معرفة حقيقية بهذه المدن ويسأل فيروز عن قراراتها واختياراتها في التمثيل . لكن في النهاية يقعان في حب بعضهما البعض ، ويرفضان الالتزام بالقواعد ويعقدان الأمور على المسؤولين الحكوميين الأمريكيين المشرفين على هذا المشروع ، ويقرران الهروب من الصندوق .
‏ الفيلم غريب ، ويروي كيف تعمل فتاة عائلتها من أصل عراقي، تؤدي علياء شوكت دور فيروز، الممثلة الطموحة المصممة على تحقيق انطلاقتها الكبيرة في هوليوود أثناء عملها في هذا الميدان التدريبي، رغم مشاعرها المتضاربة تجاه حرب العراق . على الرغم من اتهام والديها لها بخيانة ثقافتها وبلدها لرفضهما تدريبها للجنود على غزو بلادهم، إلا أن ميدان التدريب هو المكان الوحيد الذي يجد فيها ممثلين من نوعها (وهو أمر ليس مفاجئًا في هوليوود في تلك الحقبة). يجسد الفيلم، من خلال أداء شوكت المؤثر والفكاهي، الفجوة الحقيقية التي يعاني منها العديد من أبناء المهاجرين. تُجسّد غيتس دوافع فيروز الطموحة من خلال أداءٍ مُعقّد ومُمتع من نجمتها . تحلم بأن تصبح ممثلة قي فيلم تدور أحداثه في قاعدة عسكرية أمريكية تقع في صحراء بين كاليفورنيا ونيفادا وتحاكي منطقة حرب عراقية . حتى يتعلم الجنود كيف يتصرفون قبل الذهاب إلى التضاريس الحقيقية للمعركة . أتروبيا 2025 ليس مجرد فيلم ، إنه ضربة مباشرة لجوهر الفكر العسكري الحديث. بجمالية خام وسرد يمزج بين الخيال العسكري والعبثية السياسية، يقدم فيلم " أتروبيا " تجربة سينمائية مسلية ومزعجة في آن واحد ، حيث يتقمص الممثلون أدوار قرويين في دول تخطط حكوماتها لغزوها . في فيلمها الأول "أتروبيا"، تغوص الكاتبة والمخرجة هايلي غيتس في ثقافة حقبة بوش، ثقافة الذكورية السامة والقومية وكراهية الإسلام، بأسلوب ساخر ومضحك في آنٍ واحد .
سخرية سياسية ذات حدة
النقد الصريح في فيلم "أتروبيا 2025"و السخرية المثيرة للحرب التي هزت مهرجان صندانس 2025 بأسلوبها الجريء ورسالتها السياسية اللاذعة . المخرجة تكشف كيف يمكن أن يصبح التدريب العسكري عرضا استعراضيا، وكيف أصبح العنف الرمزي والغزو أمرا طبيعيا، وكيف تخلق البيروقراطية العسكرية حقائق موازية . وهناك إشارات إلى صراعات حقيقية، وصناعة الأسلحة، والتلاعب الإعلامي بالحقائق خفية . أفضل ما في القصة هو سرد كيف تنشأ الرومانسية بين أشخاص مختلفين على ما يبدو. وكيف يغير العاشقان الحبكة متى شاءا ليكونا معا. على سبيل المثال، تغير الدور إلى ممثلة أخرى لتجسيد العروس العراقية في حفل زفاف ينتهي بقتل الجيش الأمريكي لجميع الضيوف. ومع تقدم هذه القصة الحقيقة التي تصور قسوة وعنف تلك الحرب، مع صور أرشيفية للوحشية التي حدثت في العراق . فيلم "أتروبيا" ضربة مباشرة لجوهر الفكر العسكري الحديث. عند عرض هذا الفيلم لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي 2025 أثار الكثير من النقاش بسبب نهجه الساخر والاستفزازي .
بجمالية خام وسرد يمزج بين الخيال العسكري والعبثية السياسية، يقترح فيلم أتروبيا تجربة سينمائية مسلية ومزعجة في آن واحد . . هناك شيء يستحق الاستكشاف هناك، حيث تلعب المخرجة " غيتس ب"شكل عفوي مع العلاقة المتوترة بين الحرب الحقيقية والحرب المصورة كطريق للمضي قدما. لكنها لا تعرف أبدا إلى أين تذهب أو إلى أي مدى يجب أن تذهب أو ما الذي يجب أن تفعله أو لا يجب أن تفعله؟، ويبدو أن ممثليها غير متأكدين أيضا، خاصة الممثلة "علياء شوكت" التي تكافح لإيجاد التوازن الصحيح بين الكوميديا والسخرية. عالم أتروبيا مثير للاستكشاف . يمكنه إعادة استخدام اقتباس لدونالد رامسفيلد إلى خطاب صادق يلقي في خضم هشاشة رومانسية، وهذا بالضبط ما تفعله غيتس. يتجاوز فيلمها الأساليب السريالية ويدخل عالم الواقعية الفائقة مع وضوح مدى التمرين. يستخدم فيلم "أتروبيا" الشخصية فيروز العراقية كرمز لبلد تصبح فيه محاكاة الصراع الطريقة السائدة لفهم وتجربة العالم من حولهم. إنها شكل من أشكال الانفصال عن الفوضى التي تسمح للحرب بأن توجد في صندوق نفسي مريح يسهل تقسيمه .
السينما أصبحت أكثر إستمرارا في الإقتراب من هذه الحرب، التي تركت آلاف القتلى وأزمة عدم الثقة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية . رأينا ذلك في الفيلم الوثائقي المؤثر لمايكل مور "فهرنهايت 11 سبتمبر"، الذي فاز به بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، ومع عودة رئيس مثل ترامب إلى السلطة، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وسوريا التي تعاني من الاهتزازات مجددا، ومع وقف إطلاق النار الأخير في غزة، والحرب الأخيرة على أيران ، يدعوا الفيلم إلى التحريض ضد الحرب والغزوات العسكرية ، والعواقب الجيوسياسة لتلك الصراعات المسلحة . يمزج فيلم " غيتس" بين أنواع مختلفة للحديث عن جيل الحروب ، وكيف تؤثر الحرب على مستقبل الأنسانية . تحدثت المخرجة عند استلام الجائزة في مهرجان صندانس السينمائي : "هذا الفيلم غريب جدا، لم أكن أظن أن أحدا سيهتم بكوميديا رومانسية تدور أحداثها في مجمع صناعي عسكري، لكن أعتقد أنكم تحبون الضحك على الإمبراطورية الأمريكية الهشة أيضا " .

الأسلوب البصري والإخراج

تم تصوير الفيلم بمزيج من الجماليات الوثائقية والتحرير الفوضوي، وينقل الإلحاح والارتباك وحتى العبث . إستخدمت المخرجة كاميرات مثبتة على الكتف، ومرشحات حرارية، وشاشات منقسمة لمحاكاة المراقبة المستمرة والعسكرة التكنولوجية . الفيلم مليء بلحظات كوميدية تعمل بشكل ممتاز: جنود يتدربون على الصراعات كما لو كانت مشاهد مسرحية، ممثلون محاصرون في هويات لا تخصهم، وإحساس دائم بالمحاكاة حيث لا يبدو أن أحدا يعرف بالضبط ما هو حقيقي وما هو جزء من التدريب. في هذا الخلط، يجد الفيلم صورا ذكية جدا للحرب تحولت إلى عرض بصري .المشكلة أن فكرة جيدة كهذه لا تتكشف بالكامل أبدا. "أتروبيا " تتناوب بين السخرية العسكرية، والرومانسية، والكوميديا العبثية دون أن تقرر تماما ما تريد أن تكون، وهذا التشتت ينتهي به الأمر إلى تخفيف الحدة السياسية التي وعدت بها في البداية. هناك العديد من الحدسات المثيرة للاهتمام – عن الدعاية، عن التمثيل، وكيف يصنع الغرب سيناريوهات حربه الخاصة – لكن الفيلم نادرا ما يأخذها إلى نتائجها النهائية .
من الناحية البصرية، يقدم فيلم "أتروبيا" العديد من اللحظات المؤثرة، بفضل مدير التصوير إريك ك. يو ، حيث تبرز لقطة الاستحمام الليلية كلقطة في غاية الجمال . في الوقت نفسه، يجسد التراجع البطيء للكاميرا أمام شخصية "برايفت آيبود" (جيلبرتو أورتيز) - وهي شخصية ثانوية بارزة - وهو يغني لزملائه الممثلين، الثقل العاطفي المؤثر للفيلم في صورة واحدة مؤثرة. تتمتع غيتس بثقة نادرة في إخراجها، وهو أمر نادر في الأفلام الروائية الأولى؛ فقدرتها على معالجة مثل هذه المواضيع الحساسة بذكاء وتعاطف متوازنين تجعلها مخرجة جديرة بالمتابعة . بحثت المخرجة لمدة أربع سنوات في أعمال هذه القواعد الموجودة في أجزاء مختلفة من الولايات المتحدة. كانت الفكرة التي خطرت لها آنذاك هي صنع فيلم وثائقي يتحدث عن وزن الحرب وأثارها على المجتمع وجنون تلك التدريبات التي تجبر لأي عراقي بالفعل على النظر إلى عدو بلا وجه . ومع ذلك، اختارت أخيرا أن تصنع القصة خياليا ، في فيلم يمزج بين أنواع مختلفة، مما يستحضر الحياة نفسها، حيث توجد دراما ومأساة وخداع ودعابة وتبرئة سياسية . لكن الحقيقة أن الفيلم يحمل بصمتها وشخصيتها الخاصة . هناك أيضا انتقادات لكيفية تعامل الصحافة مع حرب العراق.. من خلال شخصية صحفية شقراء تحمل ميكروفونا ، لتروي دائما ببرودة ودراما ونبرة متحيزة ما يحدث في الحرب . تلك الصحفية هي الممثلة " جين ليفي".
وهذا تذكير بالمصور الإسباني خوسيه كوزو قتل هناك على يد القوات الأمريكية، وأن الجيش الأمريكي منع الصحافة من تقديم نسخة موضوعية ومتباينة عما كان يحدث على الأرض. ونظرا لأن عدد كبير من الناس لا يزالون بحاجة لإقناع أن حرب العراق كانت قرارا غير مدروس ، فإن نقدها لا يركز على ثنائية مبسطة للصراع. إنه اجتماعي أكثر من كونه سياسيا بطبيعته . فيلم "أتروبيا" يدين أصحاب القرار و سلسلة أوسع من الهياكل التي تمكن من صياغة الموافقة للحملات العسكرية الأمريكية . وجهة نظرها واضحة، حتى وإن كان من الصعب اختصارها إلى شعار: الحرب عمل تجاري – وبشكل خاص مجال الترفيه .‏ في دولة أتروبيا الخيالية، كل شيء يلعب على أرض الواقع. تقع ساحة التدريب التي بنتها القوات العسكرية الأمريكية في صحراء جنوب كاليفورنيا، وتبدو وتتصرف وحتى رائحتها كمدينة عراقية، يسكنها عدد كبير من الممثلين الذين يتظاهرون بأنهم متمردون وتجار. البلدة – التي تسمى شعبيا "الصندوق"، وهي واحدة من 200 قرية تجريبية في جميع أنحاء البلاد – تهدف إلى أن تكون بيئة غامرة ، ومحاكاة حرب متطورة للجنود قبل نشرهم في الشرق الأوسط . عند دخول هذا النسخ، تكون المهمة واضحة لمن يستعدون للقتال: إكمال الأهداف، تعلم الثقافة، والبقاء على قيد الحياة . ‏تدور أحداث "أتروبيا" في بيئة واقعية في مدينة وسط الصحراء، وهي منشأة تدريب في صحراء موهافي تهدف إلى محاكاة القرى المغبرة التي قد يصادفها الجنود في الشرق الأوسط. يستفيد المجمع من قربه من هوليوود لجلب أفضل الفنيين في كل شيء من الشعر، والمكياج، والأزياء، وتصميم الإنتاج، والألعاب النارية لجعل التجربة أكثر من مجرد مهمة تمثيل مصبوغ للرجال بالزي الرسمي .

السياق الثقافي الذي ألهم في كتابة " ‏‏أتروبيا "‏

‏ المخرجة تروي في مقابلة كيف ولدت الفكرة من خلال مراقبة التوترات السياسية الدولية وديناميكيات السيطرة في السياقات العسكرية المعاصرة . يعكس الفيلم مجتمعا يغطي نفسه، حيث الحرية هي الغزو يجب إعادة كتابته يوميا . تم تصوير "أتروبيا" في البداية من قبل غيتس كفيلم وثائقي يستكشف القرى الحقيقية التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر. وبالتالي، فإن الكثير من الإعداد الذي نراه مأخوذ مباشرة من الأبحاث والموارد التي جمعتها غيتس أثناء تحضير فيلمها الوثائقي. ليس من المستغرب عند رؤية تلاعبها الساخر بهذه الموارد الفعلية أن وزارة الدفاع رفضت طلبها الأصلي بالسماح لها بالوصول لأغراض وثائقية . يبدو أن السبب بسيط حيث يقترب "أتروبيا" من نهايته. هذا المكان لا يبدو مهتما تماما بإعداد الجنود للحرب. بدلا من ذلك، يجبر البعض على مواجهة الأفعال الشنيعة التي سيرتكبونها في الخارج، بينما يحاول تطبيع نفس الأفعال في أذهان الآخرين. في إحدى مشاهد الفيلم، يقال لشخصية هايدكر إن "هؤلاء الأولاد لن يكونوا مستعدين أبدا." وفي مشاهد أخرى يصرخ الجنود ( لا نريد ان تموت من أجل النفط) ، وفي مشهد لزوجة المقاتل باديس وهي تسأل" ولماذا غزو العراق ولم يرد اسم أي عراقي في هجوم 11 سبتمر؟". يُقدّم الفيلم عنصرًا من الكوميديا الرومانسية حيث تنشأ كيمياء بين فيروز وأبو دايس (كالوم تيرنر)، وهو جندي مُتزوج سابق يلعب دور مُقاتل. وبينما لا يُمكن إنكار الكيمياء الكوميدية بينهما، فإن ديناميكية "الأضداد تتجاذب" تُجسّد جسرًا ثقافيًا بينهما، حيث تُحاول فيروز تعليم زملائه الجنود كيفية احترام المواطنين العراقيين أثناء غزوهم .
تؤدي الممثلة "علياء شوكت "دور فيروز وهي ممثلة طموحة من أصل عراقي-أمريكي، تعيش في بلدة أتروبيا الخيالية، حيث يُرسل الجنود للتدرب استعدادًا لانتشارهم الوشيك في العراق. تقدم شوكت، التي لا تزال تتمتع بحس فكاهي فطري متقد، أداءً ساحرًا وحزينًا في آنٍ واحد. تُجسد ببراعة واقع شخصيتها المُحير - العيش في منطقة حرب مُصطنعة، كما يُضفي طاقم الممثلين المساعدين حيويةً على المدينة المصطنعة من خلال مجموعة من الأداءات المميزة لسكانها، بينما يظهر تيم هايديكر وكلوي سيفيني بين الحين والآخر في دور مسؤولين عسكريين غير مبالين يُشرفون على أتروبيا وعملياتها. يؤدي والد علياء شوكت الحقيقي (توني شوكت) دور رئيس البلدية الخيالي، مما يضفي بُعدًا عاطفيًا إضافيًا على مشاهدهما معًا. يبدو عالم أتروبيا نابضًا بالحياة، حيث يلتزم كل شخصية بدوره في النظام البيئي الغريب للمدينة . دور أبو دايس، جندي أمريكي خاض أكثر من جولة عسكرية، ويتولى قيادة المتمردين في هذه المنشأة العسكرية التي تحاكي أدوارًا عسكرية. يجد نفسه متورطًا مع فيروز، وتتجاوز علاقتهما بذكاء أسوأ كليشيهات قصص الحب الحربية. يُقرّ سيناريو غيتس بالتاريخ الإشكالي لقصص الحب بين الغازي والمُحتل، ويعيد صياغتها ببراعة. ولأن أتروبيا ليست العراق الحقيقي، بل محاكاة أمريكية مشوهة له، فإن علاقتهما تُصوَّر كامتدادٍ للعبثية بدلًا من كونها تأييدًا لهذا النمط .لابد من الأشارة الى اداء الممثلة العراقية ( زهراء الزبيدي) البسيط والعفوي للمرأءة العراقية العفوية التي تسعى لكسب العيش في وضع معيشي صعب بعد الاحتلال الامريكي للعراق .
في الختام :
تكمن أبرز نقاط قوة الفيلم في رفضه التظاهر بالسخرية أو الحياد. يُظهر الفيلم عناية فائقة في تصوير شخصياته، ليس فقط كأدوات للسخرية، بل كانعكاس لتجارب الأشخاص الذين خاضوا غمار هذه التدريبات العسكرية. يُقر الفيلم بالألم الذي عاناه كلا الجانبين، مُدركًا تعقيدات الحرب والطرق غير المتوقعة التي تتجلى بها الصدمة. وعلى عكس العديد من الأفلام الأمريكية الأخرى التي تناولت حرب العراق، لا يتعامل فيلم "أتروبيا" مع موضوعه بشعور بالتفوق الأخلاقي، بل يتساءل: ما هي عواقب خوض حروب زائفة ؟ ، بل يصرخ : لماذافعلنا ذلك (وما زلنا نفعله) في المقام الأول؟ .

كاتب عراقي



#علي_المسعود (هاشتاغ)       Ali_Al-_Masoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيلم الهندي - الدبلوماسي - قصة حقيقية مغلفة بإطار سياسي
- -الغابة الحمراء- فيلما سياسيا يشكل إدانة قوية للهمجية الأمري ...
- من -القيصر- إلى -اسمي حسن-… الدراما تكسر صمت السجون وتستعيد ...
- وداعًا لطفية الدليمي المرأة التي توهج العراق بين مقلتيها فكا ...
- - العميل السري-فيلم الإثارة السياسي الذي يعيد إحياء الديكتات ...
- هل تنبأ مسلسل - طهران- لما يجري من أحداث الآن بين أسرائيل وإ ...
- الفيلم الوثائقي ‏-فيتنام: الحرب التي غيرت أمريكا- يستعرض الق ...
- فيلم - أوركا - يسلط الضوء على على اضطهاد النساء في إيران
- المخرج الكردي -شوكت أمين كوركي- يسلط ضوءا على حقوق المرأة في ...
- فيلم - إسم الوردة- قصة من العصور الوسطى في وسط محاكم التفتيش
- - لا يزال الزمن يقلب الصفحات- فيلم يستكشف العنف الأسري للأط ...
- الفيلم البلجيكي - عالم واحد - يتناول التنمر المدرسي وأثاره ا ...
- فيلم-فلسطين 36-، لوحة جدارية لمرحلة تاريخية وسياسية حساسة
- -حياة نزيهة- فيلم إثارة إسكندنافي عن العاطفة والسياسة والفسا ...
- الفيلم الأيطالي( المفاوض) يروي مأساة اطلاق سراح الصحفية اليس ...
- فيلم -كونك ماريا- غوص مؤثر في الحياة المضطربة للممثلة ماريا ...
- -المراسل - فيلم الإثارة الأسترالي تذكير بالتهديدات المستمرة ...
- فيلم - حياة هادئة - يسلط الضوء على متلازمة يصاب بها أطفال بع ...
- فيلم - وداعا لينين - يقدم منظورا فريدا للتغيرات السياسية وال ...
- فيلم- الأيراني- تسليط الضوء على أفكار رجال الدين الأيرانيين


المزيد.....




- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم -أتروبيا - فيلم السخرية السياسية يفضح عواقب خوض حروب زائفة