أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم - وداعا لينين - يقدم منظورا فريدا للتغيرات السياسية والاجتماعية التي غيرت ألمانيا الديمقراطية















المزيد.....

فيلم - وداعا لينين - يقدم منظورا فريدا للتغيرات السياسية والاجتماعية التي غيرت ألمانيا الديمقراطية


علي المسعود
(Ali Al- Masoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 18:11
المحور: الادب والفن
    


"وداعا، لينين " فيلم دراما كوميدي ألماني صدر عام 2003 ، إخراج وولفغانغ بيكر الذي شارك في كتابة السيناريو مع " بيرند ليشتنبرغ " . تأخذنا القصة إلى الثمانينيات في ألمانيا عندما تنقسم البلاد إلى قسمين بسبب جدار برلين الفاصل بين البلدين . أم لشابين هما ( ألكسندر وأريان)، الأم الوطنية المتحمسة للنظام الشيوعي تدخل في غيبوبة في بداية هذه التغيرات وتستيقظ بعد سقوط الجدار. ويجب ألا تكتشف التغيرات العديدة التي سيجلبها هذا الحدث لكريستيان التي قد لا تستطيع تحمل كل هذه الاضطرابات. ولحمايتها من كل هذا الإثارة، سيعتني بها الولدان والعمل على إخفاء الحقيقة عنها..رشح الفيلم لجائزتيّ جولدن جلوب وبافتا كأفضل فيلم أجنبي، كما رشح مخرجه لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.
نادرا ما أثار فيلم ألماني آخر ضجة كبيرة في العقد الأول من الألفية مثل "وداعا لينين!". فكرة الفيلم بأكملها، تبدو كأنها مزحة أرادوا منها صنع فيلم طويل . ماذا لو فات أمرأة اشتراكية أصيلة نهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية لأنها كانت في غيبوبة وما زالت تعتقد أن شيئا لم يتغير؟ . في البداية ، عاشت عائلة كيرنر في برلين الشرقية في ظروف منظمة حتى عام 1978. وفجأة، يقرر الأب مغادرة العائلة والهروب إلى الغرب. هذا الفقدان يغرق الأم كريستيان في اكتئاب شديد . تعاني كريستيان، الأم، بعد ثمانية أسابيع عادت متغيرة وكرست نفسها بشكل مكثف لأطفالها أريان وألكسندر والعمل الحزبي . هي اشتراكية متحمسة وتعيش من أجل مبادئ جمهورية ألمانيا الديمقراطية. في 7 أكتوبر 1989، دعيت إلى الذكرى الأربعين لجمهورية ألمانيا الديمقراطية بصفتها "شخصية جديرة بالتقدير". في هذه الأثناء، يشارك الأبن أليكس في مظاهرة، ويتم اعتقاله، وتصاب كريستيان بنوبة قلبية. تسقط كريستيان في غيبوبة وبالتالي تنام خلال فترة الاضطرابات السياسية، بما في ذلك سقوط جدار برلين. خلال غيابها، تتغير حياة الأبناء بشكل جذري. تركت أريان دراستها وبدأت العمل في مطعم الوجبات السريعة( برجر كينج ) ، ووقعت في حب رئيسها راينر، يفقد أخيها أليكس وظيفته، لكنه يجد عملاً في شركة (ستالايت )أطباق أقمار صناعية، يقع أليكس أيضا في حب لارا ، ممرضة والدته السوفيتية. عندما استيقظت الأم كريستيان في يونيو 1990، حذر الأطباء من أن أي إثارة قد تكون مهددة للحياة. يقرر أليكس إخفاء حقيقة التغيرات السياسية عنها ، ينظم أليكس برنامج أخبار مزيف يألفه مع صديقه دينيس. ويعلن فيه ألمانيا الشرقية قد فتحت حدودها ، وأن مواطني ألمانيا الغربية يتدفقون الآن إلى الشرق.
طول ملازمتها للفراش يقوم الإبن أليكس و بمساعدة صديقه دينيس، بابتكار أخبار وقصص مزيفة توهمها ببقاء النظاك الأشتراكي على ما كانت عليه قبل مرضها . وأن يجعلوها تعتقد أن جمهورية ألمانيا الديمقراطية لا تزال قائمة، مع تعديل غرفة النوم التي هي محتجزة مؤقتا، وتزوير نشرات الأخبار وحتى رشوة الأطفال ليغنوا أغاني الجمهورية القديمة بجانب سريرها، أنها هزمت الرأسماليين المجاورين. يقدم الفيلم حكاية عائلية جميلة وحب للأم جميل ، خاصة في الجزء الأخير من الفيلم. حين يقرر أليكس وأخته الاعتراف بكذبتهما وإخبارها بسقوط جدار برلين وما تلاه من تداعيات سريعة التي غيرت وجه الحياة في أثناء غيبوبتها في المستشفى، وقبل أن يفعلا تعترف الأم بكذبة أخفتها عنهما، تدُلهم على مكان الرسائل التي أرسلها والدهم خلال سنوات، وتخبرهم بأنه كان يرغب في أن يأخذهم معه إلى الجانب الغربي وهي من رفض ذلك. يصاب أليكس وأخته بصدمة شديدة، فيتخليا عن فكرة إخبارها بالحقيقة.
نلتقي بألكسندر (دانيال بروهل) الذي كان يحلم في طفولته بأن يصبح رائد فضاء. هرب والده إلى الغرب وتخلى عنه وعن أخته ووالدته كريستيان (كاترين ساس)، التي أصبحت نموذجا للاشتراكية. إنها تجسد صوت الشعب والوطن. تساعد زملاءها وتكتب الشكاوى. إذا كان قميصك يفتقد زرا أو لم تكن قهوتك في الصباح ساخنة بما فيه الكفاية، ستكون كريستيان في مكانك وتساعدك في تحقيق ما يطلبه الأخرين منها . إلا أنه في عام 1989، لم يصبح ألكسندر رائد فضاء. حتى الحكومة الاشتراكية بدأت تشعر بالتعب. في 7 أكتوبر من عام 1989، تم تنظيم مظاهرة من أجل حرية الحركة والتعبير. شارك فيها إبنها ألكسندر. وفي الوقت نفسه، وعندحضور كريستيان إحتفالاً في الذكرى الأربعين لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. فجأة، ترى هذه الأم ابنها يعتقل من قبل الشرطة لأنه دافع عن حقوقه. وعلى الرغم من الطريقة النموذجية التي دافعت بها عن وطنها لم يستثنى إبنها. على أثر ذالك ، أصيبت بنوبة قلبية ودخلت في غيبوبة .وأثناء نومها ورقودها في المستشفى، تنقلب الوضاع في المانيا الديمقراطية حين تغزوها الرأسمالية وتغادر الاشتراكية المدينة. تم تجديد جدران الشقق، وتغيير الأثاث، وملأت الخزائن بملابس أكثر حداثة. حتى المخللات مستوردة من هولندا. اوولفغانغ بيكر يعود بالزمن ويعرض لنا التاريخ. يظهر لنا كم من سكان برلين فروا إلى الغرب، تاركين شققا مهجورة . في إحدى شققه ينتقل أليكس للعيش مع الممرضة لارا (تشولبان خاماتوفا) ، وهي روسية التقاها بجانب سرير والدته .
في وقت تترك فيه أريان، أخت ألكسندر، دراستها لتصبح نادلة في مطعم برغر-كينغ. فماذا نفعل عندما تستيقظ بعد ثمانية أشهر وعندها يوصي الأطباء بعدم إلحاق أي صدمة لها . يقرر أليكس العودة بالزمن أيضا. وكأن الجدار لم يسقط . لم تختفي برلين الشرقية أبدا. بل يعيد خلق الواقع الذي كانت فيه لوالدته مكانة شرف. في هذا العالم الجديد لم يعد لدى والدته أي دور لتلعبه. في هذا العالم الجديد، سقط الجدار، وأخذ والدته وذكرياته وإيمانها بالأشتراكية معه. أليكس يعرف ذلك. بتوديعه لجمهورية ألمانيا الديمقراطية فهو يودع والدته. وهو يرفض ذالك . يحافظ على وطنها القديم حيا. يكذب كي يبقى على أمه وأحلامها. وبمساعدة صديقه الجديد دينيس، يسجل على أشرطة كاسيت أخبار تلفزيونية مطابقة لتلك التي كانت تبث قبل سقوط الجدار. كل مساء، يعرضون "الأخبار" من ألمانيا الشرقية إلى والدته ، يوما بعد يوم أصبحت أكثر عبثية. وسخيفة لدرجة أننا ننتهي بالاعتقاد بأن كريستيان ساذجة. في يوم ما، أصبحت كوكاكولا اختراعا اشتراكيا سرق براءته من قبل الغرب، وفي اليوم التالي يلجأ اللاجئون من الغرب إلى الشرق طلباً للحماية .أصبحت ألمانيا الموحدة بطلة العالم لكرة القدم في عام 1990. أريان حامل وستلد أحد أولى الأطفال في إعادة التوحيد . التاريخ يتكرر هنا . لكن ألكسندر يبقى عالقا بين واقعين. لذا عندما تعترف والدته أخيرا لهم أن والدهم لم يهرب أبدا، نفهم ذلك. كان كريستيان وزوجها قد أعدا معا للهروب. كان من المقرر أن تنضم إليه بعد بضعة أيام. وهو ما لم تفعله أبدا. كان التفاني من اجل القيم الاشتراكية في النهاية مجرد ذريعة لتبرير جبنها .
السياق التاريخي والثقافي للفيلم
فيلم "وداعا لينين" ليس فقط قصة عائلية عاطفية، بل يعمل أيضا ككبسولة زمنية تلتقط لحظة محورية في تاريخ ألمانيا. تدور أحداث الفيلم في فترة مضطربة لسقوط جدار برلين عام 1989، ويعكس التحول المفاجئ من نظام اشتراكي إلى نظام رأسمالي . مثل هذا التغيير يمثل نهاية الحرب الباردة وبداية عصر جديد لألمانيا وأوروبا . يزضح الفيلم كيف أثرت هذه التغيرات السياسية والاقتصادية على حياة الناس العاديين اليومية. بينما كان بالكثير من مواطني ألمانيا الشرقية مبتهجين في احتضان فرص الرأسمالية، تمسك آخرون، مثل والدة أليكس بالأيديولوجيات الاشتراكية. هذا التناقض بين الماضي والحاضر، وبين الاشتراكية والرأسمالية، هو موضوع مركزي في الفيلم ويقدم منظورا فريدا لتعقيد إعادة توحيد ألمانيا . قدرة "وداعا لينين" على دمج هذه المواضيع التاريخية والثقافية مع تاريخ عائلي حميمي ومؤثر هي جزء مما يجعله مميزا وذا صلة، حتى بعد عقود من صدوره . يغوص وداعا لينين في عدة مواضيع تعكس البيئة الشخصية والتاريخية السياسية في ذلك الوقت. أحد أبرز المواضيع هو الكذب الأبيض. يخلق أليكس واقعا بديلا لحماية والدته، رمزا للرغبة البشرية في التمسك بالمعروف في مواجهة التغيرات الجذرية. تعكس هذه الرواية أيضا كيف يمكن للأيديولوجيات السياسية أن تؤثر على تصور الشخص للواقع .قضية مهمة أخرى هي الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية. يعرض الفيلم التأثير العاطفي والثقافي للانتقال من نظام إلى آخر، مسلطا الضوء على الارتباك والاضطراب الذي صاحب إعادة توحيد ألمانيا .وأخيرا، يستكشف الفيلم ديناميكيات الأسرة والمحبة للوالدة و من خلال علاقة أليكس بوالدته، يظهر تعقيد العلاقات الأسرية في أوقات التغيير، مما يبرز فكرة أن الحب والرعاية يمكن أن يتجاوزا الحواجز الأيديولوجية والسياسية .
الأسلوب السينمائي والإخراج
يستخدم وولفغانغ بيكر، مخرج فيلم "وداعا لينين"، أسلوبا سينمائيا يمزج بين الكوميديا والدراما لسرد قصة إنسانية عميقة ضمن سياق تاريخي معقد. وإستخدام أليكس في التعليق الصوتي هو مفتاح تطور الحبكة، حيث يوفر منظورا حميميا وشخصيا حول الأحداث المتكشفة . يتميز الفيلم أيضا باستخدامه المبتكر للقطات الأرشيفية وإعادة تمثليها، التي لا تجلب فقط الأصالة التاريخية بل تبرز أيضا موضوع الواقع مقابل الإدراك. يتيح هذا النهج الفريد للجمهور تجربة بين الحيرة والحنين لفترة انتقالية مهمة في التاريخ الألماني .
عنوان مخادع
برلين الشرقية 1989، لحظة محورية في القرن العشرين؛ وإذا كنا سنشهد سقوط جدار برلين داخل عائلة ألمانية شرقية، فهذه هي الفكرة الجميلة لهذا الفيلم. الأم ناشطة شيوعية مقتنعة، مؤيدة للنظام ونشطة. وخلال أسابيعه القليلة في غيبوبة يسقط الجدار . وهرب ألأب الى الجانب الغربي قبل سنوات. يقوم الأطفال (الشباب) بتنظيم عودة والدتهم إلى المنزل مع اهتمام واحد فقط، لتجنب الصدمة العاطفية. وأسوأ شيء سيكون لو اكتشفت أن جمهورية ألمانيا الديمقراطية والنظام الاشتراكي قد تم أزالته.حين ترتبط كلمة “وداعًا” بلينين سيخطر في البال أن الفيلم يحتفي بكل ما يمثله الرجل ( قائد الثورة البلشفية ومؤسس الحزب الشيوعي الروسي)، لكن هذا المعنى سيتلاشى وستُكتَشف المراوغة المضمرة في العنوان. الوداع في الظاهر موجه للقائد الشيوعي لينين، لكن المحتوى النقدي الموجه للنظام الاشتراكي ويستدل على ترحيب بزواله، وإن كان النظام الجديد لم يسلم من النقد كليةً. تخفي كلمة الوداع معنيين؛ وداع ظاهر للاشتراكية في ألمانيا الشرقية، ووداع مضمر للأم التي أحبت ذلك العهد. محاولات ابنها أليكس إبقاء ذلك العهد حيًّا في ذهنها، حتى رمقها الأخير، لم يكن حبًا للنظام، بقدر ما هو حباً لأمه .
هناك مشهد ولحظة رائعة حقا تحدث في الكوميديا الدرامية. عند خروج البنت أريان من الشقة والأبن ألكسندر نائما على الكرسي بجانب سريرها تكتشف كريستيان أنها أصبحت الآن قوية بما فيه الكفاية للمشي والخروج بفضول. علامات الرأسمالية الجديدة في كل مكان، وبينما تتجول الشارع، الذي يزداد استغرابا مما تراه، تدور مروحية حول الزاوية، حاملة تمثالا كبيرا من لينين إلى مكان لا يعلمه أحد. وهي تراقب بدهشة، التمثال ينزلق بجانبها، يدور ببطء ليواجهها بينما يفعل ذلك وهو يمد ذراعه اليمنى، مفككة رمز لماضيها الضائع وكأنه يطلب المساعدة، لكنه أيضا تبدو بشكل غريب كملاك يدعوها إلى الجنة الاشتراكية أن صدمة هذه التجربة بالذات في خطر أن تنقلها إليها. رغم جودة الكثير مما سبق، هذه اللحظة قريبة من الكمال السينمائي، في خيالها، جرأته وتنفيذه . عندما يمر التمثال بجانب كريستيان. قبل وفاتها بقليل، ينظم أليكس آخر برنامج أخبار كاذبة يبلغ فيه أن جمهورية ألمانيا الديمقراطية فتحت حدودها وأن الألمان الغربيين يهاجرون إلى ألمانيا الشرقية. هذا الفصل الأخير يملأ كريستيان بشعور بالسلام. بعد وفاتها، يطلق أليكس رمادها رمزيا في السماء بواسطة صاروخ لعبة. لذا تودع العائلة كريستيان وجمهورية ألمانيا الديمقراطية، التي ظلت دائما وهما في خيال أليكس."وداعا، لينين!" يثير الإعجاب بمزيج ناجح من الكوميديا والدراما. المخرج وولفغانغ بيكر يعرف كيف يروي المواضيع الجدية لإعادة توحيد ألمانيا بلمسة من الفكاهة، دون إهمال المشاعر. الممثل الشاب "دانيال بروهل" مقنع في تجربته الأولى في تجسيد شخصية الأبن (أليكس) الذي يحاول حماية والدته من واقع الوضع السياسي المتغير. ينجح الفيلم في لمس المشاهد وجعله يضحك، مما يجعله تجربة سينمائية حقيقية .
وداعا، لينين! : صورة أصلية وحديثة في سردها لبرلين في تطور كامل بعد سقوط الجدار. إنها قصة جميلة لأننا سنرى كيف سيعتني الابن بأمه، مؤثرة وممتعة في نفس الوقت لأن هناك جانبا ديناميكيا جدا في السرد يعطي إيقاعا مستمرا للفيلم. السرد ممل قليلا في البداية، لأن الراوي يشرح الكثير مما نراه، لكن بعد ذلك يشعر بالهدوء ونتعود عليه. لكنني أؤكد بشكل خاص على عمل إخراج صورة هذا السرد، فهو أحيانا وثائقي، وأحيانا يسرع الصورة للأفعال.لذا، يمكننا ببساطة القول إن الإخراج رائع وغامر جدا بالنسبة للسياق.حيث يفوز وولفغانغ بيكر برهانته هو من خلال سرد قصة الرحلة نحو الحريات الأساسية لسكان تعرضوا للتنمر مع استهداف تجاوزات المجتمع الرأسمالي الذي حل محلها.
من جهة أخرى . فيلم حنين ولاذع يمجد فوق كل شيء جمال الحب بين الأم وأطفالها . يروي المخرج وولفغانغ بيكر قصة عائلة تمزقت في زمن ألمانيا الشرقية عندما فر الأب إلى الغرب. هناك أيضا نقاط أخرى لم تعد تشعر فيها بالرغبة في الضحك. إذا فقدت عملة جمهورية ألمانيا الديمقراطية فجأة أي قيمة، فهذا يعني أيضا انخفاض قيمة مجتمع بأكمله. فضّلت الأم التضحية بوطنها الصغير-أسرتها- من أجل أسرتها الكبيرة -الوطن. كذبة الأُم فرّقت شمل الأسرة، وكانت بمثابة جدار معنوي شبيه بجدار برلين الذي شطر الأسرة الكبيرة إلى شطرين. هذا الجدار كان هو الآخر نتيجة كذبة أكبر مارسها النظام الاشتراكي طيلة عقود. يقول سيجموند جون، الذي أدى دور رائد فضاء ثم أصبح سائق تاكسي “الاشتراكية لا تعني أن تعيش خلف جدار. الاشتراكية تعني أن تتواصل مع الآخرين وتعيش معهم”. ويقول أليكس “الوطن الذي تركته أمي خلفها هو الوطن الذي آمنتْ به، وطن أبقيناه حيًّا حتى نفسها الأخير، وطن لم يوجد قط على تلك الصورة، وطن سأربطه دومًا، في ذاكرتي، بأمي”. والمفارقة أن كذبة الأم كانت سببًا في تعاستها وتعاسة أبنائها، وكذبة أليكس كانت غايتها إسعاد أمه ولم تضر بأحد، خلافًا للكذبة الكبرى التي اقترفها النظام .بهذا يتضح الفارق بين وطن الأم ووطن أليكس، الأم فضلت الوطن الكبير، أما أليكس فرأى أمه وطنًا. ولكي يحافظ على وطنه الأم حيًّا كان عليه أن يكذب ليُبقي على وطنها الذي آمنت به حتى آخر لحظات حياتها. وهكذا سينتقل كل إرث ألمانيا الشرقية إلى غرفة نوم الأم. ثمة غيبوبتان إذن؛ غيبوبة ظاهرية أصيبت بها الأم واستمرت لثمان أشهر، وغيبوبة مضمرة أصيبت بها البلدان الاشتراكية وعانى منها الناس لعقود. الأسرة هنا رمز لوطن تعرض لغيبوبة ناتجة عن سيل من الأكاذيب، ولم تكن الإفاقة منها متاحة إلا بصدمة الغرب . بعد انهيار سور برلين . حضور للهمبرجر والكوكا كولا ومجموعة كبيرة ومتنوعة من المنتجات الغربية التي ملأت رفوف المحلات. المقارنة بين الشرق والغرب تكشف عن نظام أشبه بجبل ثلج استمر لعقود وفضحته شمس الإعلام الحر في أيام، وحوَّله سقوط جدار برلين إلى حطام، وأمكن استيعاب كل منجزاته في غرفة نوم صغيرة وشريط فيديو .
عندما خرجت الأم من غرفتها إلى الشارع وشاهدت تمثال لينين وهو يُنقل جوًا بطائرة هيلوكوبتر، وشعار كوكاكولا وهو يملأ جدار بناية كاملة، ثم حديث الممرضة لارا معها وهي تخبرها عن سقوط جدار برلين وزوال الحدود، لم تصدق كل ما رأته وسمعته؛ لأنها صدقت حلمًا لم تكن تريد خسارته. ماتت سعيدة قبل أن تعرف الحقيقة، كما قال أليكس، وكأن الحقيقة مرادفة للحزن "خير للمرء أن يموت سعيدًا على أن يعرف الحقيقة المرة ". يعرض أيضاً فيلم (وداعًا لينين) أيضًا بعض السلبيات التي أتى بها الغرب، منها تحول سيجموند من رائد فضاء إلى سائق تاكسي، وعمل أليكس في شركة لتوزيع أطباق الستالايت متخليًّا عن طموحه في أن يصبح رائد فضاء. درس جميل جدا في التاريخ المفصل والرومانسي، فقط للابتسام، والبكاء، واكتشاف أن إعادة التوحيد قد تلحق جروحا عميقة بهذا البلد المجاور الذي هو ألمانيا، مثل جدار برلين. بعيدا عن الرموز، تروي حكاية الفيلم أيضا قصة شباب - شباب أليكس، بين النشاط السياسي، واللقاءات الرومانسية، وغياب الأب - شيخوخة - أو الأم، أو بين المرض والتعافي، بين الحلم وخيبة الأمل - وقبل كل شيء، علاقة مؤثرة بين الأم والابن .في "وداعاً ، لينين" تستكشف نوستالجيا الحنين إلى جمهورية ألمانيا الشرقية الديمقراطية. هناك ألمان شرقيون يتمنون الحياة الاشتراكية قبل سقوط برلين. أدى الاستياء من النظام الرأسمالي في الغرب إلى سلسلة زائفة من الذكريات الرومانسية عن الشرق، والتي لم تكن أسوأ بكثير من ذلك. بينما كانت جمهورية ألمانيا الديمقراطية تمر بأزمة اقتصادية كبيرة. كان هناك بطالة والفظائع التي ارتكبها عملاء الاستخبارات الديمقراطية ( ستازي) قبل إعادة توحيد الشرق والغرب .
‏ وفقا لاستطلاع أجرته معهد فورسا نيابة عن ‏‏صحيفة "برلينر تسايتونغ‏‏"، يدعي 51 بالمئة من مواطني ألمانيا الشرقية أنهم كانوا أفضل حالا عندما كان الجدار لا يزال قائما وكانت ألمانيا الاشتراكية دولة ذات سيادة منقسمة عن شقيقها الغربي والرأسمالي.



#علي_المسعود (هاشتاغ)       Ali_Al-_Masoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيلم- الأيراني- تسليط الضوء على أفكار رجال الدين الأيرانيين
- -السيادة- فيلم الإثارة السياسي ‏إستكشاف للتطرف والتلقين العق ...
- فيلم -الربيع، الصيف ، الخريف ، الشتاء والربيع- رحلة تأملية ف ...
- فيلم -العيش في الأرض-.. مرثية ريفية عن الصراع بين التقاليد و ...
- الفيلم الفرنسي - مرحبا - كشف دقيق لإجراءات مناهضة المهاجرين‏
- الفيلم الأيراني - أطفال الشمس - يناقش عواقب عمالة الاطفال
- فيلم -بيت الديناميت: تحذير من كارثة الحرب النووية ونهاية الع ...
- فيلم -بيت الأرواح-: استكشاف للهوية والأحداث السياسية والأسرة
- -صراط- رحلة البحث في صحراء المغرب تتحول إلى مواجهة مع الذات
- - راما دوجي- فنانة سورية تناولت موضوعات الهوية والشتات والاغ ...
- فيلم - شفاه مختومة - توثيق لمرحلة مهمة من الاضطهاد الستاليني
- فيلم- مناوبة ليلية- يستكشف الحياة الصعبة لمهنة التمريض ونقد ...
- -بنات الخلافة- فيلم حول التلقين العقائدي والبحث عن الهوية وت ...
- فيلم- لقاء مع بول بوت - يفتح الصفحة المشينة من التاريخ الكمب ...
- - سامبا - فيلم يناقش الوضع المأساوي لطالبي اللجوء في أوروبا
- - المروج البيضاء- فيلم غني بالرمزية والصور الشعرية
- فيلم -موسم في فرنسا - دراما تفتح على النقاش حول اللاجئين بوا ...
- فيلم -معركة تلو الأخرى- تعرية للرقابة وسلطة النظام الأمريكي
- - الجدار- فيلم وثائقي -يفضح- السياسات المناهضة للهجرة في أور ...
- فيلم - عيون كبيرة - يحكي حياة الرسامة مارغريت كين


المزيد.....




- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم - وداعا لينين - يقدم منظورا فريدا للتغيرات السياسية والاجتماعية التي غيرت ألمانيا الديمقراطية