أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - القضايا الأولى والمبادئ التأسيسية للفلسفة الاغريقية، مقاربة انطولوجية















المزيد.....

القضايا الأولى والمبادئ التأسيسية للفلسفة الاغريقية، مقاربة انطولوجية


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 20:11
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في حركية العقل الإغريقي، حيث انبثقت الفلسفة من رحم الأسطورة كولادة أولى للعقل الإنساني، تقف القضية الأولى كسؤال وجودي مطلق: ما الوجود؟ ليس هذا السؤال مجرد فضول معرفي، بل هو اللحظة التأسيسية التي حوّلت النظر إلى الطبيعة من تسبيح أسطوري إلى تأمل أنطولوجي. فالفلسفة الإغريقية، في مشارقها الأيونية ومغاربها الأثينية، لم تبدأ بالأخلاق أو السياسة أو الجمال، بل بالكينونة نفسها: بالبحث عن الأصل (الأركي) الذي يحمل في طياته كل ما هو موجود، وبالتساؤل عن طبيعة الوجود ذاته كما يتجلى في الثبات والتغير، في الواحد والكثير، في الواقع والممكن. هذه القضايا الأولى ليست تاريخية فحسب، بل هي مبادئ تأسيسية تشكل جوهر الفكر الغربي حتى اليوم، إذ تجعل الأنطولوجيا – علم الوجود – محور كل تأمل فلسفي لاحق.
ينطلق هذا المسار الأنطولوجي مع الميليسيين في القرن السادس قبل الميلاد، حيث انتقل الفكر من عالم الآلهة إلى عالم الوجود المحسوس. فثاليس يرى في الماء الأركي الأول، ليس كعنصر مادي سطحي بل كمبدأ وجودي أولي: الماء هو الجوهر الذي يحمل إمكانية كل التغيرات، فهو يتحول إلى بخار وثلج وأرض، وبالتالي يُعلن أن الوجود ليس كثيراً متفرقاً بل واحد متصل بذاته. هنا تظهر المبدأ التأسيسي الأول: الوجود يمتلك وحدة جوهرية تكمن وراء التنوع الظاهري. ومع أناكسيماندر يتعمق هذا المبدأ: الأركي ليس شيئاً محدوداً كالماء، بل «اللامحدود» (أبيرون)، كيان أنطولوجي محايد يتجاوز كل التعيينات، يولد منه الأضداد (حار وبارد، رطب ويابس) عبر عملية انفصال أبدي. الوجود هنا ليس ثابتاً بل ديناميكياً، يحمل في ذاته مبدأ التعارض الذي يجعل الكون ممكناً. أناكسيماندر يؤسس بذلك لقضية أنطولوجية مركزية: كيف ينشأ الكثير من الواحد دون أن يفقد الواحد وحدته؟ إنها إعلان عن الوجود كعملية، لا ككتلة ساكنة.أما هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة، فيحوّل هذه القضية إلى قلب نابض: الوجود ليس ثباتاً بل تدفقاً أبدياً. «كل شيء يتدفق» (بانتا ري) ليس شعاراً سطحياً، بل مبدأ أنطولوجياً يرى في النار الأركي الأول، لا كمادة بل كرمز للتحول المستمر الذي يحكمه اللوغوس – العقل الكوني الذي يجمع الأضداد في وحدة خفية. الوجود إذن هو صراع داخلي: الطريق صاعد والطريق نازل واحد، والحرب أبو كل شيء. هنا تبرز المبدأ التأسيسي الثاني: الوجود ليس جوهراً ساكناً بل علاقة ديناميكية، صيرورة تُدرك باللوغوس لا بالحواس وحدها. فالكينونة الحقيقية تكمن في التوتر بين الثبات الظاهري والتغير الجوهري، ومن يفهم هذا التوتر يدرك أن الموت والحياة، النهار والليل، هما وجهان لوجود واحد.
في مواجهة هذا التدفق يقف بارمينيدس كمنعطف أنطولوجي حاسم، يُعلن في قصيدته «عن الطبيعة» أن «الوجود هو، والعدم ليس». هذا ليس مجرد حكم منطقي، بل إعلان أنطولوجي مطلق: الوجود واحد، كامل، غير متغير، غير قابل للانقسام، ولا ينشأ ولا يفنى. الصيرورة التي تحدث عنها هيراقليطس هي وهم حسي، أما الوجود الحقيقي فيُدرك بالعقل وحده. هنا يتأسس المبدأ الثالث: الوجود يسبق الظاهر، والفكر والوجود متطابقان («نفس الشيء هو الفكر والوجود»). بارمينيدس يضع بذلك أساس الميتافيزيقا الغربية: الوجود ليس متعدداً بل واحد مطلق، وكل تعدد أو تغير هو نقص في الفهم. هذا التناقض بين الواحد الثابت (بارمينيدس) والكثير المتدفق (هيراقليطس) سيظل يغذي كل التأمل الأنطولوجي اللاحق، كأنه دائرة أولى تُعيد تشكيل ذاتها.
مع سقراط تتحول القضية الأنطولوجية إلى داخل الإنسان، لكنها تبقى جذرية: البحث عن الجوهر (أوسيا) في الأخلاق والمعرفة. أما أفلاطون فيبني على هذا كله بناءً أنطولوجياً شاهقاً: عالم المثل. الوجود الحقيقي ليس في المحسوسات المتغيرة بل في المثل الأبدية، في «الخير الأعلى» الذي ينير كل كينونة. المحسوسات مجرد ظلال، أما المثل فهي الوجود الكامل، غير المتغير، الذي يشارك فيه الواقع مشاركة جزئية. هنا يتجلى المبدأ التأسيسي الرابع: الوجود متدرج، هناك وجود أولي (المثل) ووجود ثانوي (المحسوس). أفلاطون يحل تناقض هيراقليطس وبارمينيدس بالتمييز بين عالم الصيرورة وعالم الكينونة، فيجعل الفلسفة طريق صعود نحو الوجود الحقيقي عبر الجدل والتذكر.
وأخيراً، يُكمل أرسطو هذا البناء بتحويل الأنطولوجيا إلى علم الجوهر (أوسيولوجيا). الوجود ليس مثالاً منفصلاً بل جوهراً في الأشياء نفسها: الجوهر الأول هو الله كمحرك غير متحرك، فعل خالص بدون قوة. أما الجواهر الأخرى فهي مركبة من مادة وصورة، من قوة وفعل. هنا يظهر المبدأ التأسيسي الخامس: الوجود ليس واحداً مطلقاً ولا تدفقاً عشوائياً، بل نظاماً هرمياً من الإمكان إلى الفعل، حيث يتحقق الوجود في الغاية (التيلوس). أرسطو يجمع بين الوحدة البارمينيدية والتعدد الهيراقليطي في مفهوم الجوهر الذي يحمل هويته في ذاته، ويؤسس بذلك لأنطولوجيا علمية تدرس الكائن بما هو كائن.
في قلب الفلسفة الإغريقية، يمثل اللقاء بين أنطولوجيا أفلاطون وأنطولوجيا أرسطو أحد أعمق المنعطفات في تاريخ التأمل حول الوجود. فكلاهما يسعى إلى الإجابة عن السؤال الأول: ما الوجود الحقيقي؟ وكيف يمكن تمييزه عن الظاهر المتغير؟ لكنهما يختلفان جذرياً في الطريق إلى هذا الجواب، مما يجعل مقارنتهما ليست مجرد مواجهة تاريخية بين معلم وتلميذ، بل صراعاً أنطولوجياً بين عالمين: عالم المثل المنفصل وعالم الجواهر المتجسدة. هذه المقارنة تكشف عن دائرة هرمينوطيقية خصبة، حيث يبني أرسطو على أفلاطون ثم يتجاوزه، محولاً الأنطولوجيا من تأمل مثالي متعالٍ إلى علم واقعي ديناميكي يدرس الكائن بما هو كائن في عالمنا المحسوس.تبدأ أنطولوجيا أفلاطون من افتراض ثنائي العوالم (نظرية المثل). الوجود الحقيقي – الكينونة الكاملة – يكمن في عالم المثل (الأفكار الأبدية)، وهو عالم منفصل عن عالم المحسوسات. المثل هي الكائنات المثالية الثابتة، غير المتغيرة، غير المادية، مثل «الجمال في ذاته» أو «العدل في ذاته» أو «الإنسان في ذاته». أما الأشياء المحسوسة في عالمنا فهي مجرد ظلال أو مشاركات ناقصة في تلك المثل. هنا يحل أفلاطون تناقض هيراقليطس (الصيرورة) وبارمينيدس (الثبات) بفصل حاد: عالم الصيرورة (المتغير، الوهمي نسبياً) مقابل عالم الكينونة (الثابت، الحقيقي تماماً). الوجود متدرج في درجة الواقعية: المثل أكثر واقعية من الأشياء المادية، لأنها كاملة وأبدية، بينما المحسوسات تتغير وتفنى. المعرفة الحقيقية إذن ليست حسية بل عقلية، عبر الجدل والتذكر، صعوداً من الظلال نحو النور في أسطورة الكهف. الأنطولوجيا الأفلاطونية مثالية ومتعالية: الوجود الأصيل خارج الزمان والمكان، والعالم المادي تابع له، ناقص ومشتق.في المقابل، ترفض أنطولوجيا أرسطو هذا الفصل الثنائي رفضاً جذرياً، وتؤسس رؤية توحيدية داخلية للوجود. يرى أرسطو أن الوجود الحقيقي يكمن في الجواهر الفردية الموجودة فعلاً في العالم المحسوس (الجوهر الأول: أوسيا بروتي)، مثل سقراط أو هذا الحصان. لا توجد المثل منفصلة في عالم آخر؛ فالصورة (المورفي أو الإيدوس) موجودة داخل الشيء نفسه، متحدة مع المادة (الهيولي). هذا هو مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة): كل كائن مركب من مادة (القوة، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة) وصورة (الفعل، التحقيق الذي يعطي الهوية والغاية). الوجود ليس مثالاً متعالياً بل متجسداً: الشيء ليس ظلاً لمثال، بل جوهراً حقيقياً يحقق صورته داخل مادته. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل الأفلاطونية تصبح عند أرسطو «صوراً جوهرية» ثانوية (كليات تُقال على الجواهر الفردية)، لكن الواقعية الأولى للوجود تكمن في الفرد المحدد، لا في الكلي المنفصل.يبرز الفرق الأساسي في طبيعة الوجود ودرجته. عند أفلاطون، الوجود متدرج نحو الأعلى: المثل (خاصة «الخير الأعلى») هي الوجود الكامل، والمحسوسات أقل واقعية لأنها متغيرة وناقصة. أما عند أرسطو، فالوجود متدرج نحو الداخل والفعل: من المادة النقية (مجرد قوة، لا وجود فعلي لها) إلى الفعل النقي (الجوهر الأول: المحرك الذي لا يتحرك، الله كفكر يفكر في ذاته). كل تغير هو انتقال من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه، وليس انحداراً من عالم مثالي. الوجود هنا غائي (تيلولوجي): كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل. الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) تعبر عن هذه الديناميكية: لا يوجد شيء إلا بتحقيق غايته داخل وحدة المادة والصورة.رغم الاختلاف الجذري، تكشف المقارنة عن نقاط تلاقٍ عميقة. كلاهما يرفض المادية النقية (كالذرّيين) ويؤكد على دور العقل في فهم الوجود. كلاهما يرى في الوجود نظاماً مرتباً، ويجعلان الفلسفة طريقاً نحو الخير أو التمام. أفلاطون يرى الخير في المثال المتعالي، بينما أرسطو يراه في الفعل الكامل داخل الطبيعة. أرسطو، كتلميذ، ينقد أفلاطون نقداً داخلياً: فصل المثل يجعلها غير قادرة على تفسير التغير والحركة في العالم المحسوس، ويؤدي إلى مشكلة «المشاركة» غير المفهومة. في المقابل، يتهم أفلاطون (من خلال حواراته المتأخرة) الرؤى الواقعية بالعجز عن تفسير الوحدة والكلية. هكذا تكون المقارنة دائرة: أفلاطون يفتح الباب للتعالي، وأرسطو يعيد الوجود إلى الأرض دون أن يفقده معناه.
في تاريخ الفلسفة الإغريقية، حيث بلغت الأنطولوجيا ذروتها في تأمل أرسطو، تتحول القضية الأولى – «ما الوجود؟» – من سؤال ميليسي أو هيراقليطي أو بارمينيدي إلى علم مستقل، علم الكائن بما هو كائن (تو أون هي أون). لم تعد الأنطولوجيا عند أرسطو تأملاً في الأصل المادي أو الصيرورة أو الواحد المطلق فحسب، بل هي دراسة الجوهر (أوسيا) كما يتجلى في كل كائن، في وحدته وتعدده، في ثباته وتغيره، في قوته وفعله. إنها ليست مجرد مرحلة تاريخية في تطور الفكر الإغريقي، بل هي البناء التأسيسي الذي جعل الأنطولوجيا علماً أولياً، يسبق كل العلوم الأخرى لأنه يدرس الوجود ذاته قبل أن يدرس أي وجود خاص. هكذا يصبح أرسطو ليس خاتماً للفلسفة الإغريقية فحسب، بل مؤسساً لأنطولوجيا تظل تُعاد قراءتها كلما تساءل الإنسان عن معنى كينونته.
المدخل الأنطولوجي الأساسي عند أرسطو هو التمييز بين الجوهر الأول والجواهر الثانوية. الوجود ليس كتلة واحدة كما عند بارمينيدس، ولا تدفقاً عشوائياً كما عند هيراقليطس، بل نظاماً هرمياً يتدرج فيه الكائن. الجوهر الأول (أوسيا بروتي) هو الكائن الفردي الموجود فعلاً، كسقراط أو هذا الحصان أو تلك الشجرة؛ هو الذي يحمل الهوية في ذاته، ولا يُحمَل على شيء آخر. أما الجواهر الثانوية فهي الكليات (الأنواع والأجناس) التي تُقال على الجواهر الأولى، كـ«إنسان» أو «حيوان». هذا التمييز ليس تصنيفاً منطقياً سطحياً، بل هو إعلان أنطولوجي عميق: الوجود الحقيقي يكمن في الفردية المحددة، لا في المثال الأفلاطوني المنفصل. بهذا يتجاوز أرسطو أفلاطون: المثل ليست موجودة في عالم منفصل، بل هي الصورة الفعلية التي تُحقق الجوهر داخل المادة. الوجود إذن ليس مثالياً مجرداً، بل متجسداً، متجلياً في الأشياء نفسها.من هنا ينبثق مبدأ الهيولي-مورفيزم (الصورة-المادة) كقلب الأنطولوجيا الأرسطية. كل كائن مركب من هيولي (مادة) ومورفي (صورة). المادة هي القوة (دوناميس)، الإمكانية الخام، اللاتعيّنة التي تحمل إمكان كل شيء؛ أما الصورة فهي الفعل (إنيرجيا)، التحقيق الذي يعطي المادة هويتها وغايتها. ليس هذا ثنائية ميكانيكية، بل وحدة أنطولوجية ديناميكية: الإنسان ليس جسداً + نفساً، بل نفس متجسدة تجعل الجسد إنسانياً. هكذا يحل أرسطو تناقض الثبات والتغير: التغير ليس وهماً كما عند بارمينيدس، ولا جوهراً كما عند هيراقليطس، بل انتقالاً من القوة إلى الفعل داخل الجوهر نفسه. كل صيرورة هي تحقيق لإمكانية كامنة، وكل تحقيق يظل مفتوحاً على إمكانيات أعلى. الوجود هنا ليس ساكناً ولا فوضوياً، بل غائياً: كل كائن يسعى نحو تمام صورته، نحو فعله الكامل.
في قمة هذا البناء الأنطولوجي يقف الجوهر الأول المطلق: المحرك الذي لا يتحرك (بريموس كينيتيس أكينيتوس). هذا ليس إلهاً أسطورياً، بل ذروة الوجود نفسه: فعل خالص بدون قوة، كينونة خالصة بدون مادة، فكر يفكر في ذاته (نويسيس نويسيوس). إنه السبب الأول الذي يحرك الكون لا بالقوة بل بالجذب، كما يجذب المحبوب المحب. هنا تكتمل الأنطولوجيا الأرسطية في الإلهيات: الوجود ليس متساوياً، بل متدرجاً من المادة النقية (التي لا وجود لها فعلاً) إلى الفعل النقي. كل كائن يشارك في الوجود بقدر ما يحقق فعله، وكل فعل يشير في النهاية إلى هذا الفعل الأول الذي هو سبب كل سببية. بهذا يجمع أرسطو بين الواحد البارمينيدي والكثير الهيراقليطي: الكثرة موجودة فعلاً، لكنها منظمة في نظام واحد ينتهي إلى وحدة عليا.
أما الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) فهي ليست أدوات تفسيرية خارجية، بل تعبير أنطولوجي عن كيفية وجود الكائن. لا يوجد شيء إلا بسبب هذه الأربعة مجتمعة: المادة تعطيه إمكانيته، الصورة تعطيه هويته، الفاعل يحققه، والغاية توجهه. هذا ليس تصنيفاً علمياً، بل رؤية كونية تجعل الوجود غائياً في جوهره: كل كينونة تحمل في ذاتها سبب وجودها، وتسعى نحو تمامها. هكذا تتحول الأنطولوجيا من تأمل سلبي إلى فهم نشط: الإنسان، ككائن عاقل، يستطيع أن يدرك هذا النظام ويشارك فيه بالمعرفة والفعل الأخلاقي.في تعميقنا هذا، نكتشف أن أنطولوجيا أرسطو ليست نظاماً مغلقاً بل دائرة حية: تبدأ من الجوهر الفردي، تمر بالهيولي-مورفيزم كوحدة ديناميكية، وتنتهي إلى الفعل الإلهي كمبدأ كل وجود. إنها تتجاوز كل الثنائيات السابقة – المادة والروح، الواحد والكثير، الثبات والتغير – بجعلها لحظات داخل وحدة أعلى. الوجود عند أرسطو ليس شيئاً نملكه، بل هو ما نكونه: صعود مستمر من القوة إلى الفعل، من المادة إلى الصورة، من الكثرة إلى الوحدة. وبهذا يبقى أرسطو معلماً أولياً لكل أنطولوجيا لاحقة، سواء في التراث الإسلامي الذي أعاد صياغته أو في الفكر الغربي الذي بنى عليه أو نقده. ففي أعماق كل تساؤل عن الكينونة، يتردد صدى أرسطو: الوجود ليس لغزاً يُحل، بل دعوة لأن نكون فعلاً ما نحن قادرون عليه، في عالم يسعى كله نحو تمام جوهره.
هكذا تكتمل الدائرة الأنطولوجية للفلسفة الإغريقية: من الأركي الميليسي كمبدأ مادي-وجودي، إلى اللوغوس الهيراقليطي كعقل كوني، إلى الوجود البارمينيدي كواحد مطلق، إلى المثل الأفلاطونية ككينونة مثالية، إلى الجوهر الأرسطي كفعل متدرج. هذه القضايا الأولى – الوحدة والتعدد، الثبات والتغير، الجوهر والصيرورة – ليست مجرد مراحل تاريخية بل مبادئ تأسيسية تشكل نسيج الوجود ذاته. إنها تُعلن أن الفلسفة ليست تأملاً في العالم فحسب، بل هي محاولة الإنسان لأن يفهم موقعه داخل الوجود، وأن يصعد من الظل إلى النور، من القوة إلى الفعل، من الأسطورة إلى اللوغوس.
في الختام، تمثل أنطولوجيا أفلاطون رؤية مثالية متعالية تجعل الوجود الحقيقي في عالم منفصل من الكمال الأبدي، بينما تمثل أنطولوجيا أرسطو رؤية واقعية متجسدة تجعل الوجود في وحدة المادة والصورة داخل الجواهر الفردية، كعملية صعود من القوة إلى الفعل. هذا التباين ليس تناقضاً يُلغي أحدهما الآخر، بل هو توتر خصب أثر في كل الأنطولوجيا اللاحقة: في التراث الإسلامي (ابن سينا يجمع بينهما، ابن رشد يميل إلى أرسطو)، وفي الفكر الغربي (من توما الأكويني إلى هيدغر). إنها مقارنة تذكرنا بأن الوجود يمكن أن يُدرك صعوداً نحو المثال أو غوصاً في الواقع، لكنه في كلا الحالين يدعو الإنسان إلى أن يفهم كينونته: هل نحن ظلال لكمال أعلى، أم جواهر تسعى نحو تمامها في هذا العالم؟ بهذا يظل التوتر بين أفلاطون وأرسطو سرّاً أنطولوجياً مفتوحاً، يثري كل تأمل في معنى الكينونة. وبهذا تبقى الفلسفة الإغريقية، في أنطولوجيتها الأولى، نداءً أبدياً لكل من يتأمل في سر الكينونة: ما الوجود، وكيف نكون فيه؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الداروينية الاجتماعية بين علم تحسين النسل والتمييز بين الأعر ...
- الفلسفة الإجتماعية النقدية بين يورغن هابرماس واكسل هونيث، مق ...
- تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم والهدف الأسمى لكل نشاط فلس ...
- الكرامة الانسانية وحب الاوطان في الفلسفة المشرقية
- مقاربة تأبينية حول رحيل الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس
- الفلسفة الأمريكية بين صناعة الأكاذيب والهيمنة الرأسمالية الا ...
- القوة والقوة المضادة في الشرق الأوسط والخليج
- الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة مي ...
- مساهمة الحرب في تنشيط الدورة التاريخية للحضارة، مقاربة خلدون ...
- شكلانية القانون الدولي والحاجة إلى صياغة دستور للإنسانية، مق ...
- ضراوة الحرب في الخليج والشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد ال ...
- الفكر السياسي العسكري عند ماو تسي تونغ بين تحويل الضعف إلى ق ...
- لاهوت التحرير الفلسطيني
- لاهوت التحرير العربي الإسلامي
- تجارب لاهوت التحرير في العالم بين النشأة التاريخية والتأثيرا ...
- المفاوضات الروسية الأوكرانية وشروط إنهاء الحرب المدمرة
- الفلسفة كمجهر فكري يرصد الظواهر ويكشف الحقائق
- منزلة المحبة في حضارة اقرا وفي المرجعيات الفلسفية
- مقاربة اكسيولوجية في التمييز بين المعايير والقواعد
- في الفرق الدلالي والاجرائي بين الشغل والعمل، مقاربة اقتصادية ...


المزيد.....




- ترامب يكشف عن -مجمع عسكري تحت الأرض-.. أين سيكون؟
- قادة السعودية وقطر والأردن يحذرون من مخاطر التصعيد بالمنطقة ...
- قصف طائرة رادار أمريكية في قاعدة الأمير سلطان السعودية
- بعد منع بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة في أحد الشعانين ...
- إيران تؤكد مقتل قائد بحرية الحرس الثوري -متأثرا بجروح بالغة- ...
- اختتام أشغال المؤتمر الدولي المناهض للفاشية والإمبريالية بال ...
- زيلينسكي يشيد بـ-اتفاقات تاريخية- في المجال الدفاعي مع عدد م ...
- أمير قطر يلتقي ولي العهد السعودي وملك الأردن بجدة
- مسؤول سابق بالبنتاغون: السيطرة على خارك لا تعني حسم الحرب
- هكذا دمرت الولايات المتحدة وإسرائيل سفنا حربية إيرانية في مه ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير الخويلدي - القضايا الأولى والمبادئ التأسيسية للفلسفة الاغريقية، مقاربة انطولوجية