حامد محمد طه السويداني
الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 15:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في كثير من الأحيان عندما تقام الدول والامبراطوريات غالباً ما تقترن بفئة أو قومية معينة تسند لها كل الانجازات السياسية والحضارية والثقافية وهذا ما حدث مع الدولة العثمانية التي تأسست على يد الأتراك الغز القادمين من منغوليا في أواسط آسيا الى الأناضول 1299م وتوسعت تدريجياً لتشمل مساحات واسعة في قارات آسيا وأوربا وأفريقيا حتى بلغت أوج عظمتها في عهد السلطان سليمان القانوني وصحيح أن الأتراك لهم السبق والفضل في تأسيسها وتوسعها ولكن ليس من الإنصاف أن نختزل حضارة الدولة العثمانية وانجازاتها الإدارية والثقافية في القومية التركية فقط.
ان الدولة العثمانية انضوى تحت حكمها قوميات واديان ومذاهب وأعراق متنوعة (الأوربيون، الروس، اليهود، الأكراد، العرب، الفرس، الشعوب البلقانية والأفارقة) وهؤلاء ساهموا بشكل مباشر في الإدارة والسياسة والاقتصاد والثقافة والعمران. فلو نظرنا الى أمهات وزوجات السلاطين لرأينا أن جميعهم من نساء أوربا وأوربا الشرقية وهؤلاء النسوة هم الذين يتحكمون في السياسة العثمانية خاصة عندما ظهر مصطلح (سلطة الحريم) أو تدخل النساء في السياسة وأصبحت هن الحاكمات الفعليات مثل السلطانة كوسم ماه بكير زوجة السلطان احمد الأول اليونانية الأصل حكمت الدولة العثمانية فعلياً قرابة 37 عاماً وهي أقوى شخصية نسائية في التاريخ العثماني وكذلك السلطانة حرم خاصكي (روكسلانة) زوجة السلطان سليمان القانوني وهي جارية روسية يهودية بولندية المولد... الخ، وهؤلاء النساء هم الذين كانوا الحاكمين الفعليين والذين ساهموا في البناء والعمران والاوقاف وادارة دفة الحكم وبناء علاقات مع قادة الدول الأوربية كما حدث مع السلطان محمود الثاني الذي كانت أمه فرنسية الأصل ربته على حب أوربا وفرنسا بشكل خاص وعندما تولى دفة الحكم كانت فرنسا هي الداعم الأول له واستطاع أن يقضي على نفوذ الانكشارية في حين لم يستطع أي سلطان قبله من القيام بذلك فضلاً عن الاصلاحات العسكرية والإدارية التي قام بها عن طريق استقدام الخبراء الفرنسيين والأجانب ويمكن القول أن الدولة العثمانية لم تبلغ أوج قوتها إلا في عهد السلطان سليمان القانوني عندما أصبحت الدولة العثمانية يغلب عليها الطابع الأممي وليس القومي وذلك لكثرة السواد الأعظم من مواطنيها من غير الأتراك، فهي كانت تشبه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم والتي هي بالأصل خليط وأجناس أوربية قدموا الى القارة الأمريكية بدوافع الاستكشافات الجغرافية بكل دوافعها الدينية والاقتصادية والسياسية وكانوا من الإسبان والبرتغاليين والإنكليز والإيطاليين والهولنديين والروس ونرى اليوم الولايات المتحدة الأمريكية تضم كافة الملل والنحل والأعراق من عرب وأفارقة ويهود ومسلمين وأوربيون وهؤلاء أيضاً ساهموا في بناء الحضارة الامريكية وكذلك حصل مع العرب المسلمين أيام الفتوحات الإسلامية في العهد الأموي الذين فتحوا بلدان مثل العراق وفارس والهند والأندلس (اسبانيا والبرتغال) ولاحقاً كان شكل الحضارة الاسلامية أجمل خاصة في مجال الثقافة والفنون والادارة ولا زالت معالم الحضارة العربية والاسلامية في اسبانيا والبرتغال شاهدةً على ذلك.
وفي هذه المقالة سنسلط الضوء على النماذج النسائية الكردية في التاريخ العثماني ولاحقاً الجمهورية التركية حيث لعبت النساء الكرديات أدواراً سياسية وعسكرية وادارية وحتى ثقافية ومدنية بارزة في الدولة العثمانية جنباً الى جنب مع النساء الأخريات من قوميات وأديان ومذاهب غير تركية، وفي العهد العثماني تسلمت العديد من الانساء الكرديات وهن أميرات وحاكمات قبائل قيادة الإمارات الكردية وادارة شؤون القبائل والعشائر التفاوض مع القوى الخارجية الأجنبية والدليل على ذلك ظهور اسماء نساء كرديات خلدهم التاريخ ونذكر على سبيل المثال السيدة (عديلة خانم) وتلقب بأميرة الشجعان وهي امرأة كردية وحاكمة معروفة لقبيلة الجاف الكردية في ولاية شهرزور في السليمانية على الحدود التركية الايرانية وفي أوائل القرن العشرين لعبت السيدة عديلة خانم دوراً ونفوذاً كبيراً في الدولة العثمانية وخاصة في هذه المنطقة.
وكذلك السيدة (حليمة خانم) وهي امرأة كردية من مدينة هكاري وهي ذات شخصية ادارية حكمت ولاية (باش كالا) حتى العام 1847 ولكن بعد قمع العثمانيين لثورة بدر خان أجبرت على الاستسلام للسلطات العثمانية.
ويمكن الاشارة الى شخصية كردية أخرى وهي السيدة (مير زانزاد) وهي امرأة كردية تولت حكم امارة سورات في القرن السادس عشر والسابع عشر في العهد العثماني بعد اغتيال أخيها وحكمت لمدة سبعة سنوات واشتهرت بالمساهمة بالعديد من بناء القلاع والحصون وأشهرها (قلعة زانزاد) وهي تعد من أبرز المعالم التاريخية والأثرية العريقة في مدينة اربيل وتكتسب هذه القلعة أرثاً تاريخياً ثقافياً بما تحمله من عبق التاريخ وما توالت عليه من السنوات وهي ما زالت شاخصة لحد الآن وكانت تعتبر حصناً أو مركز حكم أي كتحصينات عسكرية ويذكر المؤرخ والأثاري خليل البرزنجي أن القلعة هي كتلة بنائية واحدة وهي حصن وتقع في قرية بانمان وسميت قلعة زانزاد نسبة الى الأميرة مير زانزاد وهي زوجة مير سليمان وهو أحد امراء سوران والتي تمتد عبر مئات السنين وامارة سوران كانت تنضوي تحت حكم الدولة العثمانية. وبعد وفاة زوجها تولت حكم امارة سوران وهي من مواليد 1555 وتوفيت عام 1615 ودفنت في منطقة حرير وضريحها موجود لحد الآن، ومما لا شك أن هذه المعالم التاريخية تعطي نقداً ثقافياً وحضارياً يعبر عن دور المرأة الكردية في الدولة العثمانية.
كما ينبغي أن نذكر أيضاً السيدة (مريم خان) وهي امرأة كردية من عائلة نهري الشهيرة امتلكت سلطة واسعة في العهد العثماني وتفاوضت مع القوات الروسية خلال الحرب العالمية الأولى لتأمين ممر آمن لمنطقتها.
ولا يسعنا أن نسلط الضوء أيضاً على النساء الكرديات في التاريخ الحديث ونذكر على سبيل المثال أبرز الشخصيات النسائية الكردية في أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين ولعل أبرز الأمثلة أمامنا في كردستان تركيا حيث اندلعت العديد من الثورات والانتفاضات المسلحة المتسمة بالطابع الاقطاعي والصبغة الدينية والقومية والتي كانت تطالب باسترداد الحقوق الكردية المسلوبة وترفض سياسية الإنكار المفروضة عليها بعد اتفاقية لوزان رغم لتقاليد المحافظة للمجتمع الكردي إلا أن المرأة الكردية كسرت الطوق وحطمت القيود وشاركت المرأة الكردية في الانتفاضات والثورات المسلحة جنباً الى جنب مع الرجال ولعل من أبرز الأسماء النسوية الكردية هي (بسمة خانم) وهي زوجة قائد ثورة ديرسيم 1937 في كردستان تركيا السيد (الشيخ سيد رضا).
وعرفت بمشاركتها الفاعلة في قيادة الثورة اعتماداً على قوتها الذاتية وثقتها اللامحدودة بنفسها وروحها الوطنية العظيمة وكانت بارعة في استخدام السلاح ومعروفة بروح التضحية والفداء من أجل كردستان الكبرى حتى ذكرها الصحفي (بارباروس بايكارا) في كتابه عن انتفاضة ديرسيم: "لقد تسلقت الجبال الوعرة مع حفنة من النساء وقاتلت العدو ببسالة لدرجة أن العدو ظن أن مقابله جيش جرار". ولم تأبه للقصف الجوي التركي وعندما انتهت طلقات الرصاص لديها بدأت ترمي الجنود الأتراك بالحجارة وعندما رأت أنها ستقع أسيرة بيدهم بدأت تصرخ بصوت جهور "لن تستطيعوا الإمساك بي وأسري" ورمت نفسها من أعلى منحدر الجبل الشاهق ليبقى الجنود الأتراك مذهولين أمام جرأتها.
وهناك شخصية أخرى ثانية في ثورة ديرسيم ألا وهي ظريفة خانم وهي زوجة الشيخ علي شير وكانت مقاتلة باسلة وعندما أصاب الجنود الأتراك زوجها بالرصاص قامت بتوجيه سلاحها الى الجنود ورشهم بوابل من الرصاص الى أن نالت الشهادة من أجل انتزاع حقوق الأكراد المسلوبة وكثيرة هي الأسماء الكردية من النساء مثل النقيبة حبسة خان وهي ابنة ملك كردستان النقيب (معروف البرزنجي) وابنة عم محمود البرزنجي ملك كردستان العراق في ذلك الوقت وزوجة الشيخ قادر الحفيد وقد عرفت بعطائها وثقافتها وشخصيتها المؤثرة والنقيب نسبة لأبيها لأنه كان ممثلاً برتبة نقيب لسادات منطقة الشيخان وقد عملت على حل الكثير من مشاكل النساء الاجتماعية والاقتصادية وأشرفت على تأسيس أول جمعية نسوية في عام 1930 تحت اسم (جمعية نساء الكرد) وهي تدافع عن حقوق المرأة الكردية.
ونذكر أيضاً من النساء الكرديات الأيزيديات هي السيدة (مينا خاتون) 1873 – 1956 وهي امرأة كردية تولت مهاماً سياسية وقيادية بعد وفاة زوجها وحافظت على وحدة شعبها من خلال الحروب العثماني التي استهدفت مناطقها وفي ختام هذه المقالة لا بد أن نذكر المناضلة الكردية السيدة ليلى زانا وهي سياسية برلمانية كردية ناضلت من أجل حقوق الشعب الكردي وأودعت السجن لسنوات طويلة وكذلك نذكر السيدة ساكينة جانسبر وهي من مؤسسات حزب العمال الكردستاني P. K. K. والسيدة بيسي هزات من أبرز قيادات حزب العمال الكردستاني والمعروفة باسم (هوليا أوران) وهي من مواليد ديرسيم (تونجلي) عام 1978..
والتاريخ الاسلامي والعثماني والتركي هو زاخر بالعديد من الشخصيات النسائية الكردية اللواتي كان لهن دور فاعل ومؤثر ملحمي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والقائمة تطول وتحتاج الى دراسة معمقة وواسعة ولكن نريد القول بأن الأمة الكردي والمرأة الكردية أمة حية ولها تاريخ وانجازات من غير الإنصاف نكرانها هناك دول وأمم نساؤها لا يعدو دورهم إلا في التسوق في الأسواق والاهتمام بالطعام والشراب والملابس وليس هم أي دور مثل ما حصل للمرأة الكردية التي ضربت أروع الأمثلة في التاريخ واليوم المرأة الكردية دخلت ميادين العلم والثقافة على مستوى العالم.
#حامد_محمد_طه_السويداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟